| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

السبت 10/3/ 2007

 

 

لقوم يعقلون.......
مبدأ إسلامي يتنكر له الإسلام السياسي
1


د. صادق إطيمش

يقول الأستاذ المستشرق Richter Bernburg : يوجد في الإسلام كثير من المصلحين , ولكن دون أن يكون هناك أي إصلاح . فماذا يعني الإصلاح هنا ؟ وهل هناك خلل في ألإسلام , أو في أي دين آخرلكي يتم إصلاحه حين الحديث عن حركات ألإصلاح الديني ؟ وهل لهذا الإصلاح وقت محدد يقوم به المصلحون وينتهي ألأمر عند ذلك ؟ هذه ألأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة غيرها تظل تراود فكر الإنسان حينما يجري الحديث عن ألإصلاح الديني أو حينما يقرأ المرء عن حركات الإصلاح الديني التي وُجدت في تاريخ الكثير من الأديان .

لقد كانت أوربا هي السباقة في تبني حركات ألإصلاح الديني التي بدأت في القرن السادس عشر والتي أدت إلى نتائج يمكن النظر إليها وتقييمها من خلال ما أفرزته من علاقات إجتماعية جديدة تتمثل فيها القفزة النوعية في هذه العلاقات التي يمكن إعتبارها إصلاحآ حقآ إذا ما قورنت بما سبقها , خاصة على المستوى الديني . وإذا ما أردنا النظر إلى بعض هذه الحركات في حقب تاريخية مختلفة , فيمكننا والحالة هذه إعتبار توجهات Martin Luther في ألمانيا منذ سنة 1517 و Zwingli Ulrich منذ سنة 1522 و Calvin Johan منذ سنة 1541 في سويسرا , ونشوء الكنيسة ألأنكليكانية منذ سنة 1534 , او نشوء الحركة اليسوعية منذ سنة 1540 هي البدايات الحقة لحركة ألإصلاح الديني التي بدأتها الديانة المسيحية . أي ان المسيحية إستغرقت أكثر من 1500 سنة لتبدأ بحركة إصلاحية جدية تأتي بالنتائج التي أتت بها والتي تحمل في طياتها إصلاحآ ليس في المجال الديني , بل وفي المجالات الثقافية والإقتصادية والسياسة والإجتماعية ألأخرى . إذ أن تحقيق مثل هذه النتائج إرتبط بتحقيق ألإصلاح الديني في أوربا حيث كانت المؤسسة الكنسية تقوم بدور المرشد ألأعلى في توجيه جميع أمور المجتمع آنذاك . طبعآ هذا لا يعني نفي إرهاصات الإصلاح الديني أو بالأحرى محاولات إصلاح المؤسسة الكنسية التي بدأت في القرن الرابع عشر والتي لم تفلح بالوصول إلى ما وصلت إليه حركات القرن السادس عشر.

لقد توخت حركة ألإصلاح الديني في أوربا تحقيق عدة أهداف أهمها :
1. الوقوف بوجه النظام الكنسي بشكل عام بإعتباره الممثل الوحيد للدين الذي لا يتم تدين الفرد الحقيقي إلا من خلاله ومعه .
2. لقد تحدث بعض المصلحين عن " ألأسر البابلي للكنيسة " والذي إعتبروا الكنيسة,من خلال هذا التشبيه بالأسر البابلي اليهودي, أسيرة لأفكار مضت عليها قرون ولم تعد تتماشى مع العصر الذي يراد للمسيحية أن تلعب دورآ يُذكر فيه .
3. الوقوف بوجه سلب الحرية الشخصية للمسيحي من خلال إحتكار الكنيسة للحق المطلق في القرار الديني .
4. دعى ألإصلاحيون إلى حق كل فرد في المجتمع , يجد في نفسه الكفاءة , لإتخاذ القرار الديني , وذلك بتأييدهم لما يسمى بحق كل مؤمن أن يلعب دور القس , وعدم إقتصار هذا الدور على موظفي الكنيسة فقط .
5. كما ندد الإصلاحيون بشكل شديد بالدور القدسي المعصوم الذي مُنح لمنصب البابا ولشخص البابا الكاثوليكي وطالبوا بإلغاءه .

لم تحقق هذه الحركات ألإصلاحية أهدافها بين عشية وضحاها ولم تمر هذه الدعوات دون أن تتصدى لها الكنيسة والقائمون عليها بإعتبار أن هذه الدعوات كفر وإلحاد , أفتت بقتل وتشريد القائمين عليها والداعين لها . لذلك فإن الضحايا التي قدمتها المسيحية من أجل تحقيثق هذا ألإصلاح تجد لها ما يردد صداها بين ألأديان ألأخرى التي لا تخلوا من مثل هذه التوجهات , وما يهمنا هنا هو الدين ألإسلامي .

إن أول ما يمكن أن نسمعه من بعض المتأسلمين حين سماعهم مصطلح ألرعب هذا .....ألإصلاح الديني.....هو أن ألإسلام يختلف عن ألأديان ألأخرى حيث أنه دين يستند على مصدريين أساسيين هما القرآن والسنة المعصومان عن الخطأ , وخاصة القرآن الذي أنزله ألله سبحانه وتعالى وتوكل حفظه . فما هو الصحيح في مثل هذا القول الحق الذي يريد به المتأسلمون تحقيق الباطل برمته ؟
سنحاول في هذا المجال إختصار الحديث عن القرآن الكريم , حيث أن التطرق إلى موضوعة السنة النبوية الحقيقية يحتاج إلى بحث طويل ومفصل قد نتناوله في المستقبل .

القرآن الكريم الذي بايدي المسلمين اليوم والذي يطلق عليه مصحف عثمان , وذلك بسبب الجهد الذي بذله الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض ) في جمعه ووضعه بهذا الشكل الذي هو عليه اليوم , بالرغم من تباين وجهات النظر لدى مختلف الطوائف ألإسلامية حول هذا الجمع , هو المصدر ألأساسي للتعاليم الإسلامية التي يهتدي بها مسلموا الأرض كافة . لا نريد هنا التطرق فقط إلى مضمون النص القرآني والمتعلق بالتفسير والتأويل ,بل نرغب الحديث أيضآ عما يتعلق بموضوعنا لهذا اليوم حول دور القرآن الكريم في وضع المؤشرات التي يتجلى من خلالها التوجيه لأولئك الذين يحملون القرآن , بل ويرفعونه على أسنة ألرماح دون أن يفقهوا ما فيه . في القرآن الكريم دلالات عدة يمكن إستنباطها مما يلي :

1. الدلالة الأولى تتعلق بمكان نزول القرآن والمجتمع السائد فيه , ذلك المكان من الجزيرة العربية الذي يعتبر من المناطق الشديدة الحرارة حيث تتحكم في مناخه ظروف المنطقة تحت ألإستوائية والتي تنعكس خصائصها المناخية على معظم أجزاء , وبالتالي سكان هذه المنطقة الذين توزعوا بين البدو والحضر, حيث ظلت خصائص البداوة ترافق سكنة الجزيرة العربية حتى بعد إستقرارهم السكني وظل نمط التفكير البدوي القبلي العشائري يلازم ألإنسان العربي حتى يومنا هذا . فالحياة البدوية القاسية خلقت محيطآ غير آمن يتعرض لعمليات الغزو والسطو والإقتتال القبلي لتوفير الحاجات المادية التي لم تكن توفرها الطبيعة القاسية بشكل كافٍ ومُرضٍ . وعلى هذا ألأساس ظلّ الفكر البدوي يتمركز حول القبيلة التي أصبحت بالنسبة له النمط المثالي للحياة ألإجتماعية , إذ بدون ألإنتماء القبلي لا يتوفر ألأمان ولا تتوفر أسباب الحياة أيضآ في كثير من الحالات . لقد واجه ألإسلام هذه الظاهرة ألإجتماعية وكان عليه أن يتعامل معها في نصوصه . وقد تعامل معها بالفعل بعقلانية أظهر فيها رفضه الواضح للتمحور القبلي الخاص على حساب التمحورالإجتماعي العام الذي أطلق عليه إسم ألأمة الذي أراد له أن يكون السقف الذي يجمع تحته مختلف ألإنتماءات القبلية العشائرية المنضوية تحت راية الدين الجديد الذي أكد على أن ألناس , وليس العرب ولا المسلمون , بل الناس جميعآ خلقهم ألله من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبآ وقبائل ليتعارفوا . ولم يفضل الدين الجديد عربي على أعجمي ولا أسود على أبيض بسبب ألإتنماء القبلي أو القومي أو العرقي , بل بقوة التقوى ورصانة ألإيمان الذي إعتبرها ألإسلام الحلقة الأهم في إعتناق الدين والإلتزام بتعاليمه , من خلال ألآية القرآنية " قالت ألأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ألإيمان في قلوبكم ....." ( 14 الحجرات ) ونظرآ للتسلط السائد في المجتمع العربي آنذاك وبروز الفروق الواضحة بين الطبقات الفقيرة والغنية وبين السادة والعبيد وبين وجهاء القوم من القبيلة الواحدة وأقرانهم ألأقل مرتبة في السُلم الإجتماعي , جاء ألدين الجديد ليضع المجتمع أمام مسؤولية إجتماعية تتجاوز المشاعر القبيلية العشائرية وحتى العائلية , يتحقق من خلالها العدل ألإجتماعي الذي إعتبره ألإسلام هدفه الأول في المجتمع العربي البدوي آنذاك . فالدين الذي لا يحقق نقلة نوعية في حياة الإنسان لا يحقق الضمان بتبني تعاليمه من قبل ألأكثرية ألإجتماعية التي يسعى إلى كسبها والذي يشكل الفقراء والعبيد والضعفاء والمعوزين غالبيتها في مجتمع الجزيرة العربية آنذاك . لذلك توجه الخطاب القرآني إلى هؤلاء القوم , دون ألإلتفات إلى قوميتهم ولونهم وقبيلتهم .
فأين دين اليوم من هذا الدين الذي حارب التعصب القبلي والإنتماء العشائري وجعل الإيمان بتعاليم الدين , وليس التبجح بالإنتماء إليه , الفيصل في التكريم عند ألله والأساس في حمل لقبه . لقد حاول الإسلام السياسي الذي نشأ عربيآ في مراحل تأسيسه ألأولى منذ أن تبناه الخوارج على التمسك بهذا المبدأ الذي أراد به التقرب إلى الشعوب ألإسلامية ألأخرى غير العربية , بعد أن إتسعت رقعة ألأمة ألإسلامية , فأعلن عن تمسكه بمبدأ ألأمة الذي لا يفرق بين العرب وغيرهم . ولقد تبلور هذا المفهوم عبر الزمن , بعد أن إعترته الصراعات القومية بين العرب وغيرهم والتي أفرزت مصطلح الشعوبية , حتى جعل له نظرية إسلامية خاصة ميزته عن ألإسلام الحقيقي الذي جاءت به الرسالة الإسلامية عبر نبي ألإسلام محمد (ص). لقد وضع هذا ألإسلام لنفسه قواعد خاصة به لم يعرفها المسلمون ألأوائل مفادها الربط بين السياسي والديني وإخضاع الديني للسياسي , أي التلاعب بالمفاهيم الدينية وتأويل النص الديني ليخدم الهدف السياسي لهذا الحزب السياسي ألإسلامي أو ذاك . كما وجعل من نظريته هذه معيارآ للأنتماء الديني واعتبر الخروج عليها خروجآ على الدين يقترن بتطبيق الحد الذي يرونه في التكفير ومن ثم القتل أي أن ألإسلام السياسي هذا تبنى عامل ألإكراه الذي رفضه القرآن الكريم في مواقع متعددة ( الآية 256 من سورة البقرة والآية 29 من سورة الكهف والآية 99 من سورة يونس ) وغيرها من الآيات التي تجعل من الدين مسألة شخصية بحتة لا علاقة للآخر بها مهما كان هذا الآخر , حتى لو كان نبيآ . إن دعوة ألإسلام السياسي اليوم إلى التمسك بالمرجعيات التي تحلل وتحرم على المواطن ما شاء لها ذلك ضمن أجندة مرسومة مسبقآ تفسر بها هذه المرجعية أو تلك ما تراه يضمن مصالح القائمين على هذا النوع من الإسلام والذين يمتثلون لإرادتها ما هو إلى العودة إلى ما رفضه ألإسلام الأول من تقديس الفرد وتفضيل جماعة على أخرى بمنحهم وسام أهل العقد والحل وإخضاع الجماهير الفقيرة المغلوبة على أمرها إلى ما يرسمه لها الإسلام السياسي مستندآ على فقهاء السلاطين والداعين للحكام والأمراء في مساجد الجمعة والمتجاوزين على قيم الحرية الدينية التي ضمنها ألإسلام لمعتنقيه . ولكن ما هو الموقف المطلوب من المضطَهَدين أزاء من يمارسون ضدهم , بإسم ألإسلام , تلك ألأساليب القهرية التي مارسها عُلية القوم ضد عامته في المجتمع الجاهلي الذي رفضه الإسلام ..؟ هل يستكينون لهذا الإضطهاد بإعتباره موجه من النخبة الدينية التي تعي ما تقول وما تفعل حسب المنطوق العام السائد لدى هؤلاء المضطَهَدين..؟ إن ألآية 97 من سورة النساء ترفض هذا النوع من الإستسلام وتدعو المستضعفين إلى ممارسة حقهم بالوقوف بوجهه " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستَضعَفين في ألأرض قالوا ألم تكن أرض ألله واسعة فتهاجرون فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصير " .

2. الدلالة الثانية تتعلق بوقت نزول القرآن والمدة التي إستغرقها الوحي لوضعه بالشكل الذي هو عليه اليوم . وفي هذه النقطة أيضآ يتنكر الإسلام السياسي لمبدأ التعقل في نظرته إلى النص الذي وظفه لخدمة الهدف السياسي . بغض النظر عن النظريات المتعددة حول نزول القرآن والتي جعلته على مرحلة واحدة من السماء العليا إلى السماء السفلى ثم وصوله بفترات متعاقبة إلى ألأرض , فإن الثابت الذي لا جدال فيه هو إستلام النبي محمد (ص) للقرآن الكريم عبر الوحي لم يتم دفعة واحدة , بل إستغرق طيلة وقت الرسالة البالغ إثنين وعشرين عامآ أي من سنة 610 وحتى سنة 632 م وهي السنة التي توفي فيها النبي الكريم . فما السر في كل ذلك ..؟ إن من ينظر إلى هذه الظاهرة نظرة علمية عقلانية سيجد فكرة التدرج في إيصال المعلومة ألإلاهية إلى البشر عبر رسوله قد بدت واضحة في مراحل النزول المختلفة . ففي الفترة المكية التي بدأها ألإسلام ضعيفآ يسعى بشكل رئيسي على المحافظة على من إنخرطوا في صفوفه من إنتقام قريش , نجد أن الخطاب القرآني يتمسك بالوضوح اللغوي الذي ينحى منحى الكلام اليومي لسكان الجزيرة العربية الذي إتسم بكثرة السجع . إن وضوح أسلوب القرآن في هذه الفترة ألأولى من نشر الدعوة ألإسلامية كان يهدف أول ما يهدف إلى إيصال الفكرة السماوية إلى عامة الناس حيث إرتبط هذا الخطاب بالدعوة السلمية التي كانت تنص على مبدأ " بالتي هي أحسن " والقناعة بالفكرة البعيدة عن ألإكراه والإجبار. إن صورة الخطاب القرآني في هذه المرحلة من تاريخ ألإسلام توضح بما لا يقبل الشك تقييم الظرف آنذاك والذي لم يكن يسمح بالقفز على واقع المجتمع ومستواه الفكري وعلاقاته بدياناته التي توارثها عبر أجيال عديدة .هذا من ناحية أسلوب الخطاب . اما ما يتعلق بإيصال الفكرة النهائية للخطاب, فإن ذلك قد مرّ أيضآ بمراحل متعددة جاء طرح الفكرة النهائية في آخرها بعد أن تم التدرج في إيصالها إلى عامة الناس . ومن ألأمثلة التي يمكن ألإستشهاد بها في هذا الشأن هو الموقف من الخمر في ألإسلام وكيف أن هذا الموقف قد تغيّر في فترات تاريخية مختلفة . وإن سبب هذا التغيير في الخطاب لم يكن عجز القرآن عن التبليغ بالصيغة النهائية للموقف من الخمر, بل أن ذلك يكمن بالأخذ بفكرة التدرج في ألأمر التي تنم عن التعقل في إبلاغ المعلومة السماوية , هذا التعقل الذي يغتاله ألإسلام السياسي اليوم . لقد تمت معالجة موضوعة الخمر بادئ ذي بدء بطرح فكرة أضرار الخمر دون أن يُصار إلى إتخاذ أي قرار بشأن تعاطيه , فالآية 219 من سورة البقرة تنص على ما يلي " يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما......." وجاءت المرحلة الثانية لتتناول وقتآ معينآ نص الخطاب القرآني على إجتناب تناول الخمر فيه , وذلك هو وقت الصلاة , إذ نصت ألآية 43 من سورة النساء على " يا أيها ألذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .........." وهذه خطوة عقلانية جدآ لم يجر فيها تحريم تناول الخمر , إلا أن النص القرآني إشترط وضوح الفكر عند الصلاة وعدم تأثره بنشوة الخمر ليعي ألمصلي ما يقول ولا يخلط بين ألآيات . فإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أوقات الصلاة الخمس , فإن المؤمن الذي يريد تأدية فريضة الصلاة لا يمكن له والحالة هذه أن يحقق محتوى النص القرآني بوضوح الفكر أثناء الصلاة, إذا ما تناول الخمر , وذلك بسبب المدة القصيرة بين هذه الصلوات التي لا تترك مجالآ لصفاء الفكر بعد تناول الخمر . اما المرحلة الثالثة وألأخيرة في هذا المجال فقد نصت عليها ألآية القرآنية الكريمة 90 من سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " في هذه المرحلة فقط تم إتخاذ الموقف النهائي من الخمر بعد أن تدرج الخطاب القرآني في مراحل متعددة قبل إتخاذه هذا القرار . فالسألة لا تتعلق إذن بقدرة ألله سبحانه على إيصال الرسالة السماوية مرة واحدة أو على دفعات , قدر تعلقها بإدراك ماهية المرحلة التي يعيش فيها المتلقي لهذه الرسالة التي تسعى لنقله من وضع سيئ إلى وضع أحسن يتغير باستمرار حياة ألإنسان على هذه ألأرض وتفاعله معها ومع متغيراتها المستمرة والصاخبة في مجالات الحياة المختلفة . فالدين الذي يرغب بتحقيق سعادة الإنسان على مد الدهور وفي جميع الأوقات يجب أن يأخذ متغيرات الحياة هذه بنظر الإعتبار ويضع المعايير العقلانية للتفاعل معها واحتواءها لما فيه مصلحة المنضويين تحت لواءه , أي بعبارة أخرى , إن دينآ كهذا يجب أن لا يعرف الوقوف عند حقبة تاريخية معينة , يجب أن لا يعرف التوقف عند جيل معين , إنه الدين الذي يجب أن يتصف بالحركة السريعة الفائقة التي تجعله السباق لتبني المستوى الفكري والثقافي المتغير للمجتمع الذي يتواجد فيه , أن يجعل من منتسبيه يسيرون مع الركب الحضاري المتغير والمتطور بفترات زمنية قصيرة جدآ وبقفزات متسارعة جدآ , لا ان يظل هؤلاء متخلفين عن الركب العالمي الذي يريدون إقناعه بهذا الدين , إذ كيف ستخاطب من تقدموا عليك في المسيرة بمسافات لا تؤهلهم سماع صوتك حتى وإن ملأت محيطك ضجيجآ مدويآ لا يسمعه غيرك . إن ما يقوم به ألإسلام السياسي اليوم من تنكر واضح لهذه القيم والمبادئ التي جعلها ألإسلام ألأول من صلب أولوياته سوف لن تؤدي إلا إلى وضع العصي في تقدم المجتمعات ألإسلامية وتركها تزحف خلف الركب العالمي الذي لا يحتاج في إكمال مسيرته إلى عقول متخلفة لا تعي أبعد مما يُخطط لها في التكايا ولا قدرة لها إلا على ألإستهلاك والعيش على ما تجود به أيدي الآخرين من وسائل الحياة الحديثة العلمية والثقافية والإقتصادية , هذه الوسائل التي يتهافتون على إقتناءها ولا يعترفون بعدم قدرتهم على المساهمة بإيجادها , بل ويشنون الحرب عليها أحيانآ باعتبارها من نتاج فكر الكفر, فالفكر والكفر عند بعضهم سواء حيث تتساوى عندهم الحروف وإن إختلف ترتيبها ومصدرها اللغوي .

سنحاول في الحلقة الثانية من هذا الموضوع مناقشة الدلالات القرآنية ألأخرى التي يتنكر لها ألإسلام السياسي اليوم , محاولآ بذلك وضع العراقيل أمام عملية التطور والإصلاح في المجتمعات ألإسلامية .

يتبع