| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 7 / 11 / 2023 رعد الحافظ كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
رحلة الى إسرائيل /علي سالم
(4)رعد الحافظ
(موقع الناس)مقدمة :
هذا هو الجزء الرابع (والأخير) , من مقتطفات كتاب المسرحي المصري الكبير علي سالم (رحلة الى إسرائيل) ,الذي كتبه عام 1994 .
مَن يقرأ الكتاب كاملاً سيسمع الكثير من القصص ,عن جمال التعايش بين العرب واليهود في إسرائيل أغلب الأحيان ,وسعيهم للسلام الدائم بينهم .. إنظر الرابط !
أوّد هنا أن أعيد الهدف من نشر هذه المقتطفات . لأنّ السؤال الأزلي مازال يتكرر من الحنجوريين ,لماذا تنشر هذا اليوم؟ جوابي : إذا لم يكن اليوم فمتى إذاً ؟
في هذا الوقت بالذات ,في هذه الحرب المجنونة المشتعلة بين حماس وإسرائيل,
يسقط الأطفال الأبرياء وقوداً لها, بينما قادة حماس كـ (مشعل وهنيّة) ,إمّا أنهم في فنادق خمس نجوم في قطر . والباقيين منهم في غزّة نفسها بقيادة يحيى السنوار, يختبئون في الأنفاق أو في الأبنية بين الأطفال والنساء .ولا توجد حتى ملاجيء للمدنيين .خالد مشعل ردّ على هذه النقطة أنّ 75% من سكان غزّة هم لاجئين أصلاً ,مسؤوليتهم على عاتق الأمم المتحدة وليس حماس!
فتخيّلوا مستوى شرف المباديء والمسؤولية والإنسانية عند هؤلاء!
لذا للذين يظنّون أنّ هذا الوقت ليس وقت إطلاق دعوات السلام ,أو توجيه الأنظار الى كتابات أبطاله الحقيقيين من جميع الاطراف أقول لهم :
كيف يكون الإنسان إنساناً إصلاً ,إذا لم يحزن ويأسف ويغضب للخسائر البشرية مهما كان دينها أو عرقها ؟ ويحاول على الأقل جلب الأنظار لفكرة السلام؟
هل مازلتم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ,تؤمنون بأفكار غيبية ما ورائية ,من قبيل (شعب الله المختار) أو (خيرُ اُمّةٍ اُخرجت للناس)؟
إذا كنتم كذلك ,أرجوكم إتركوا هذه الورقة وإبحثوا عن موضوع يتناسب وكراهيتكم المقدّسة (وحشاشتكم الدينية) ,لترتاحوا وتريحوا .
***
يقول علي سالم / ص 66
سألني الصحفي فايز عباس ,(لاحقاً علمتُ أنّه من صحيفة يديعوت أحرونوت)
لماذا أنت هنا (في إسرائيل)؟
لأدعم إتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين ,ولأعرف الناس عن كثب!
ولماذا جئت بسيارتك؟
لأذكر الناس أن بيننا حدوداً مشتركة ,وأننا قريبين من بعضنا ,وأنّ السلام ضروري لشعوبنا ورفاهيتها ,وحقوق الفرد مهما كان دينه!
هل هذا أمر سهل؟
أبداً ,بل هو عسير للغاية ,ويقع ضمن دائرة الاحلام .
لكن لا تنسى ,كلّ ما حققه البشر كان يوماً ما ,يبدو حلماً مستحيلاً!
ص 68
سميح القاسم شاعر فلسطيني كبير مشهور ,يتسم بالرقة والعذوبة والوسامة.
يبدو مستمتعاً بحياته ,حاضر الذهن دائماً ,قدرته على تلخيص أفكاره مذهلة , تشعر أنّك تعرفه منذ زمان وتربطكم صداقة طويلة قوية!
قال لي : المثقفون عندكم لا يريدون زيارة إسرائيل ,مَن طلبَ منكم زيارتها؟
يا أخي زورونا نحن .نحنُ هنا في وطننا!
(ملاحظة من كاتب السطور : هكذا تبدو فكرة ورغبة غالبية عرب إسرائيل)!
ص 71
إستير ,موظفة جميلة في الفندق الذي نزلتُ فيه في الناصرة .عندما إحتجتُ تغيير ضمادة رقبتي التي وضعها الطبيب أمس بعد إزالة الدمل الدهني منها ,سألتُها:
هل هنا أحد له علاقة بالتمريض؟ أجابتني نعم :أنا .. تعال ..إجلس!
بأصابعٍ مدربة أزالت الضمادة القديمة ونظفت مكانها ووضعت المرهم وقطعة الشاش وألصقتها على رقبتي بالبلاستر ,ثم مضت الى عملها بنشاط!
في ظروفٍ أخرى ,لو أنّي قابلتُ (إيستر) في ميدان القتال ,فربّما ستجز رقبتي بسكين ,أو تطيرها برشقة رشاش .هذا هو قدر الإنسان على الأرض وإختياره أيضاً ,إمّا أن يقتل الآخر,أو يُضمّد جراحه!
ص 72
في المساء زارني (إميل حبيبي) في الفندق هو أديب صحفي سياسي فلسطيني.
هو صاحب النداء المشهور للمثقفين المصريين : زورونا في العُمر مرّة!
هذا نداء مؤلم ,يحمل من الحب بقدر ما يظهره من المرارة والتعب من العزلة!
ص 78
رئيس إسرائيل (شمعون بيريز) يقول :
يجب معاملة الفقر في المنطقة (يقصد الفلسطينيين طبعاً) معاملة التهديد النووي! أنا أوافقه على ذلك .فلماذا يريد إسحق رابين حرمان الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل ,بسبب العملية الإرهابية التي حدثت في (العفّولة) ,يوم وصولي هناك؟
ص 80
خطابات وشعارات السياسيين الحماسية (الشعبوية) للشارع في أيّ بلد ,حتى لو كان ديمقراطي ,ستكون نتائجها خطيرة غالباً .بالأخص إذا كانت ضدّ الآخر المختلف .لا شيء أسهل من إيقاظ غريزة العدوان داخل البشر!
أتذكر جملة من كتاب أرض الظبي لـ (آريه إلياف) وهو إسرائيلي مؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني ,تقول :[ لا يجب اللجوء الى العنف في معاملة الأراضي المحتلة ,فمن المؤكد أنّ هذا العنف سيرتد الى صدورنا يوماً ما ]!
ص 81
هناك وحدة وجود في هذا الكون,ما نفعله بالآخرين هو نفس ما نفعله بأنفسنا!
إذاً القيمة الأخلاقية في السياسة ليست ترفاً ,إنّها قانون من قوانين الكون!
كيف نفعل بالآخرين ما نكره أن يفعلوه بنا؟ ما هو الثمن الذي سندفعه حينها؟
ص 82
سيأتي (ساسون سوميخ) من تل أبيب بالاوتوبيس ,ليصحبني هنا في الناصرة للقاء بعض الأدباء .لكنه تأخر عن موعده .علمتُ من بعض الناس في الفندق أنّ المرور متوقف على الطريق ,فقد وقعت حادثتان إرهابيتان ,الأولى محاولة تفجير أوتوبيس ,والثانية سيدة عربية طعنت ثلاث من اليهود .أخبار تثير الإكتئاب ,
تحصل هنا كثيراً .وأنا مكتئب أصلاً بسبب مشكلة الكيس الدهني في رقبتي!
ص 90
رغم الشائع عن شخصية اليهودي عموماً بالبخل ,فأنا محتار لكل هذا البذخ في وجبة الإفطار المجانية في الفندق .أطعمة من كلّ الأنواع تقريباً.
بإستعراض ما نعرفه عن تأريخ الشعب اليهودي ولا أزعم أنّي خبير به أقول :
ربّما الشعور الجمعي بعدم الأمان ,صاغ هذا الإفطار!
بمعنى : هذا يومٌ جديد ,أنت محظوظ ببقائك حيّاً ,كُلْ ما طاب لك وإستمتع!
ص 104
مساءً جائتني سيارة أرسلها تلفزيون القدس لأجل لقاء على الهواء!
المسافة حوالي ساعة زمن .عندما إقتربنا من القدس إستولى عليّ إحساس غامر بالسكينة .الطريق صاعد في الجبل تحوطه الخضرة .لا أحد على وجه الأرض قادر على وصف جمال هذا الطريق .إذا تخيّلت طريقاً بريّاً صاعد الى الجنّة فلابد أنّه هو هذا .حقاً هنا كان يجب أن تتجمع الأديان الثلاثة!
أنا أظنّ أن (القدس) مقدسة لأنّها جميلة ,وليست جميلة لأنّها مقدسة!
الآن فهمتُ لماذا تقاتل الناس عليها آلاف السنين .الآن يجب أن تكون لدينا الشجاعة والإرادة لننهي مشوار القتال الطويل ,ولننعم جميعاً بجمالها وقدسيتها.
حان الوقت الذي تكون فيه القدس قولاً وفعلاً وحقاً مدينة السلام!
ص 124
قال لي السائق ,نحنُ نقترب الآن من (الفالوجا) ,سأريك الآن المكان الذي حوصر فيه عبد الناصر ومعه آلاف الجنود المصريين .
إخترقتُ الزمن بنظرة للوراء .هذه البقعة أثّرت في حياتي وحياة ملايين البشر!
في نهاية فبراير 1949 تمت الهدنة وإنسحب الجيش المصري!
فيما بعد ,في كتاب (فلسفة الثورة) كتب عبد الناصر عن ذلك الحدث يقول:
[ساعتها أدركنا أنّ معركتنا الحقيقية في القاهرة].
وقد كان .. الجيش المصري سيطر على الحياة والسياسة وكلّ شي ,وحدث هذا أيضاً في بعض العواصم الاخرى.وهكذا حصل أكبر إنسحاق للشعوب العربية!
ومن يومها إستغل العسكر ,القضية الفلسطينية لإخضاع شعوبهم!
أحدهم قال : طريق القدس يمر بالكويت ,وفشل كل خبراء الطرق والكباري العرب بإقناعه بخطأ هذا التصوّر.حتى جاء الغرب وأقنعه بوسائله الخاصة!
(بالطبع يقصد الطاغية العراقي الأشهر صدام حسين ,لكن دون ذكر إسمه)!
ص 183
في طريقنا الى الفندق قال لي عوفر ,أنا أيضاً لي أصدقاء يهود مجانين ,يسألوني بإستنكار ,كيف تأمن على حياتك وأنت تنام مع عربي تحت سقفٍ واحد؟
قلتُ له : يا عوفر ,من السهل تطهير حقل ألغام ,لكن سيكون أمر بالغ الصعوبة أن تقوم بتطهير قلوب البشر من الكراهية والفزع!
ص 200 ..أنا أحارب ,إذاً أنا مقتول!
فكرة الفيلسوف (أرسطو) في كتابه السياسة ,أنّ الناس سيظلون بحاجة للدولة , لأنّهم بدونها سيتحولون الى وحوش بشرية!
وفكرة (ميكافيللي) ,عن قوة الدولة أنّ القلاع والجيوش وحدها لا تكفي لحمايتها,
الطريقة الوحيدة لحماية الدولة أن يبني (الأمير) قلاعه في أفئدة شعبهِ!
أمّا من يؤمن بفكرة (التأريخ يصنعه السيف) ,فيجب أن يضيف ,سيف السلام!
ص 211
عندما قرر العرب حظر تصدير النفط الى الغرب عام 1973 بسبب حرب إكتوبر ,قال (هنري كيسنجر) يومها :[على الغزلان أن لا تتباهى بلحمها أمام الذئاب] .كان يقصد الغنى الفاحش لعرب الخليج ,بينما حالة الفقر عموماً لدى الفلسطينيين ,يثير الفزع والخوف وليس في صالح السلام!
***
الخلاصة :
خياراتنا وقراراتنا .. لها ثمن!
الخيارات السلبية ,جرائم حماس ووحشيتها (الداعشية) ,له ثمن عليهم دفعه , بدل الإختباء بين الابرياء المدنيين .لن تنفعهم إيران وأذرعها الإرهابية!
الخيارات الإيجابية أيضاً لها ثمن ,دعوة (علي سالم) للسلام دفع ثمنها غالياً!
أعلم أنّ الكثير من الناطقين بالعربية ,(بسبب تربيتهم العقائدية) وإنغلاقهم ,لا تعجبهم أفكاره ودعواته السلمية ,لكنّي أروجها من أجل القلّة,التي تنتفع منها!
يلوم معارضوا (علي سالم) عليه ,كيف فقد أخاه في حرب العرب 1948 ضد إسرائيل ,ويأتي بعدها بدعوته للسلام والتطبيع مع هذا العدو التأريخي؟
لكن جوابه كان واضحاً ,لا يقبل الجدل ,قال لهم :
الفرق الوحيد بيننا ,أنّي أريد التخلص من الكراهية وأشارك بصنع السلام!
السلام حالة عقلية ,عليّ إجبار عقلي عليها بمنتهى الشجاعة!
السلام (لا الحرب) يصنع الحياة الحقيقية والنهوض ورفاهية الشعوب!
مهما حاربت ,فسوف يأتي الوقت لتتعب وتكلّ وتمّل من الكراهية والدماء والأشلاء ,ثمّ تخضع في النهاية لمنطق التأريخ ..أو تموت!
لقد كان طريق (علي سالم) الى السلام والتطبيع محفوفاً بالمخاطر التي تصل لحدّ إنهاء حياته . أيّ شيء أكثر من هذا سيجعلكم تفهمون صدق دعوة هذا الرجل؟
لقد عومل بعد عودته من رحلته بمنتهى القسوة والجحود والوحشية أحياناً .
وصل الأمر بالحنجوريين دعاة الحرب والموت ,الى تسليط البلطجية والعيال لضربه في الأسواق العامة . وفي النهاية فصلوه من إتحاد الكتاب المصريين!
ختاماً أقول : إنظروا معي الى ملخص صورة ما يجري اليوم بسبب الحروب والكراهية الدينية ,الإسرائيليون يرتدون اللون الأسود حزناً على ضحاياهم.
الفلسطينيون يبكوون فلذات أكبادهم بالدموع والآهات والحسرات.
بينما لاعبي الكرة في العالم أجمع ,يضعون الشارة السوداء حزناً وأسفاً على الجميع .فهل هناك بديل للسلام ؟
***
الرابط / شريط قصير ,التعايش بين الأطباء العرب واليهود في إسرائيل!
https://www.youtube.com/watch?v=7aGObiSqIgQ
8 نوفمبر 2023
جميع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لموقع الناس Copyright © 2005-2012 al-nnas.com - All rights reserved