| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 30 / 1 / 2024 رعد الحافظ كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
رؤية سعيد ناشيد حول الملل !
رعد الحافظ
(موقع الناس)مقدمة :
في مقالٍ سابق ,قدمت تعريفاً للقاريء بكتاب المفكر المغربي المرموق (سعيد ناشيد) ..التداوي بالفلسفة!
في هذه الورقة سأختصر رؤيتهِ عن موضوع مهم يصيب جميع البشر على إختلاف أعمارهم وأجناسهم وثقافاتهم وعقائدهم ,ألا وهو الملل!
يقول سعيد ناشيد عن الملل ما يلي :
لا توجد حياة لا تشوبها فترات قصيرة أو طويلة من الملل.
لا توجد رواية تخلو من فقرات تبعث على الملل ,وتحتاج الصبر على القراءة.
حتى أحاديثنا مهما كانت منتقاة وحكيمة وعلمية تشوبها لحظات من الملل.
كلّ هذه الحالات وغيرها تتطلب من الإنسان الصبر والإصغاء.
لا يمكننا تعلّم شيء أو إكتساب المهارة فيه وإتقانه ,ما لم نكن قادرين على تحمل لحظات النفور التي ستنتابنا بين الفينة والاخرى.
مهما فعلنا فلن تخلو أوقاتنا من نوبات الضيق والضجر والملل.
أن نفعل الشيء نفسه على الدوام ,فهذا مدعاة للملل.
أن لا نفعل أيّ شيء ,فهذا أكثر مدعاة للملل.
أن نفعل فقط الأشياء التي قررناها مسبقاً أو خططنا لها أو متوقعة منّا ,فهذا ينتهي لا محالة في الوقوع في براثن الملل.
قد نحلم بوظيفة مريحة ,لكن ما إن حصلنا عليها حتى يتحول ترف الراحة الى إحساس بالرتابة.
قد نحلم بزواج مَن نُحب ,لكن حرارة الحب لايمكن أن تستمر بوتيرة متصاعدة ,بعد فترة ستختلط أحاسيس الألفة بمشاعر الضجر.
قد نتوهم أنّ تغيير الوظيفة أو الشريك سينهي المشكلة ,لكن لحظات التأفف ستعود مجدداً فيما يشبه العود الأبدي.
كلّ هذا يحدث لأنّ الملل ملازم لدوران الزمن على أيّ شيء فيه تكرار.
ما الحلّ إذا ؟
حسناً كلّ ما نعرفه أنّ الملل داء مزمن ملازم للوضع البشري.
إذا تفاقم الملل في حياة الإنسان فقد يؤدي الى السأم من الحياة نفسها.
نحن لا نغير أمور كثيرة في حياتنا ,إلّا لحاجتنا للتجديد في الحياة وطرد الملل.
الإنسان الذي يشعر بالملل (حسب البير كامو في قصة الإنسان المتمرد),
هو الكائن الذي يرفض أن يكون ما هو عليه.
بعض الناس لفرط شعورهم بالملل ,قد يقررون خوض مخاطرة ما أو اللجوء الى القمار أو المشروب أو المخدرات أو حتى الحروب.
نصف خطايا البشر تنشأ عن الخوف من الملل ,يقول الفيلسوف البريطاني برتراند رسل في كتابه (السعادة).
ثم يقول :[علموا أبنائكم أن يحتملوا الملل].
ثم يضرب لنا سعيد ناشيد هذا المثل الواقعي من بلده الأم (المغرب).
يمكننا أن نفكر بعشرات الشبان المغاربة ممن يهتفون لفرق كرة القدم حيناً من الدهر ,ثم ينقلبون فجأةً للهجرة الى بؤر القتال (ربّما يقصد مع داعش) ,لا قضية لهم سوى تفجير مللهم ولو بتفجير أنفسهم وتفجير أوطان غيرهم.
معضلتنا رغم قولنا الدائم (أنّ الحياة قصيرة) ,أنّه لدينا الكثير من الوقت لا نعرف ماذا نفعل به.
ثم يقول : لماذا نشعر بالملل وهل سعادتنا تتوقف على مواجهته؟
ويجيب : سأعيد التذكير بالقاعدة الرواقية التي تقول :
لا تسوء الأشياء ,لكن تسوء أفكارنا حول الأشياء!
قد يكون الملل ذاته ليس سيئاً ,بل هو فرصة للتفكر والإنتباه أنّنا ندور في حلقة مفرغة ,ونكرر الأعمال غير المنتجة ذاتها (الجلوس في المقاهي مثلاً أو الإدمان على تطبيقات الهاتف..الخ) ,وأنّ أوان التجديد قد حان.
لأنّه أسوء الحلول هو الغرق في الرتابة. فهذه تؤثر على صحة الدماغ كما تؤكد علوم طب الاعصاب اليوم!
..هكذا يمكن أن يكون الملل دافعاً لصنعِ ما لم يُصنع ,وإبداع ما لم يُبدع,
ولإحداث تغيير في مسار الحياة يقود للسعادة والفخر بما أنجزناه!
***
الخلاصة :
عندما هاجرتُ بداية هذا القرن الى بلدي الحالي مملكة السويد الجميلة.
بدا لي الأمر كأنّي ولدتُ من جديد ,أو ربما إنتقلتُ فجأةً من الجحيم الى الفردوس بغاباتها وبحيراتها وناسها الرائعين .ثمّ بتوفر فرص الحياة والعمل والصداقات الجديدة والمخترعات الحديثة ,كالموبايل والكومبيوتر والقنوات الفضائية بلا حدود (آلاف,منها 300 رياضية يوفرها الجهاز).
هذا عدا عن المتعة الأهمّ في نظري ,القراءة والكتابة وتوفر مئات الكتب العلمية والفلسفية المفيدة مجاناً على الشبكة .ثمّ بعض الهوايات ,كرة القدم والشطرنج وحضور بعض الحفلات والرحلات والمناسبات سنوياً ..الخ.
أكثر سؤال كان يخطر على بالي طيلة الوقت هو:
كيف لإنسان مهاجر ,مهما كان غبياً أو منغلقاً أو جحوداً أو ناكر للجميل,
أن يُعلن تأففه وإنزعاجه من السويد وشعبها الجميل الرائع؟
مع ذلك ,مؤخراً (بعد التقاعد) بدأتُ أشعر ببعض الملل رغم كلّ الأشياء الجميلة المتوفرة حولي .
أظن ما يقوله لنا (سعيد ناشيد) ,هو أنّ طريقة تفكيرنا هي السبب الأوّل في شعورنا بالسعادة أو التعاسة أو الملل.
القراءة العلمية والتفكير والتصرف بطريقة علمية ,ومعرفتنا أنّ العالم ليس مديناً لنا بالسعادة ,هي العوامل الأهم ربّما في إبعاد الملل.
30 يناير 2024
جميع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لموقع الناس Copyright © 2005-2012 al-nnas.com - All rights reserved