|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  19  / 9 / 2026                                 ناظم ختاري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الثلج الذي كاد أن يبتلع خطانا

ناظم ختاري
(موقع الناس)

لم أعد أعرف، بعد كل هذه السنوات، كيف وقع عليّ الاختيار لأول دورة حزبية تُقام في كوماته عام 1983 كأن الأمر حدث في لحظة لم أكن فيها منتبهاً، أو كأن أحدهم كتب اسمي على ورقة صغيرة ثم تركها للقدر كي يقرر. كل ما أعرفه أن مفرزة من الفوج الأول، تضم ثمانية أنصار من مرانى، كانت تستعد للانطلاق، وكنت واحداً منهم، أحمل حقيبتي الصغيرة، وبندقيتي، وقلقاً لا أعرف مصدره.

كان بيننا النصير "الدكتور" عزيز، المحامي أحمد حسن، ابن قرية تلسين، وزميل الدراسة في متوسطة الطليعة في تللسقف، والمسؤول السابق لاتحاد الطلبة العام. وكان معنا أيضاً النصير رزقي، الذي يعيش اليوم في أمريكا. أما بقية الأسماء، فقد ابتلعها الزمن كما يبتلع الثلج آثار الأقدام، فلا يبقى منها سوى ظل بعيد في الذاكرة.

في نهار الثلاثين من ديسمبر، نهار بارد تتكاثر فيه الأمطار والثلوج، تركنا مرانى خلفنا، ودخلنا المضيق الذي يقود إلى قمة جبل كارة. الطريق كان وعراً، صعوده حاداً، وصخور ضخمة تتشبث بجانبيه، وبين الشقوق أشجار ضعيفة البنية، تقاوم شتاءً لا يرحم. كانت تلك الأشجار تشبهنا، نحاول الوقوف رغم الريح، ونحاول أن نبدو أقوى مما نحن عليه.

ساعتان من الصعود كانت كافية لإعادة مؤشر القدرة البدنية إلى الصفر، لكننا، بمرور الزمن، صرنا نعرف الجبال كما يعرف الجبل نفسه ظلّه. كنا نتسلقها كما لو أننا نعيد اكتشاف أجسادنا في كل خطوة، ونقيس صبرنا على صبر الصخور.

في ليلة 30 - 31 عبرنا صبنة، هضاب وتلال تمتد بين كاره ومتين، تتوزع فوقها مدن وقرى كأنها حكايات معلّقة على سفوح الزمن، العمادية فوق قلعتها، وبامرنى عند سفح متين، وديرالوك على أرضها السهلية، وقديش قرب مصيف أينشكى الذي يحفر كهفه في الجبل كعين تنظر إلى العالم.

كنا نتحرك ليلاً، فالنهار ملك للجيش ووحداته المنتشرة في كل مكان. الليل كان صديقنا الوحيد، يخبئ خطواتنا تحت عباءته، ويمنحنا فرصة العبور دون أن نكون هدفاً سهلاً. ومع ذلك عبرنا المنطقة بسلام، وتسلقنا متين الشاهق، وصلنا في صباح الحادي والثلاثين إلى وادي الخيول، حيث استقبلنا أنصار الفوج الثالث بحميمية تشبه دفء النار في ليلة ثلجية.

هناك، في مقر الفوج، كان الفقيد أبو سربست قائداً عسكرياً، والشهيد ملازم حسان مساعداً له، والشهيد أبو ليلى "نزار ناجي" مستشاراً. شاركناهم استعداداتهم لاحتفال بسيط يودع عام 1982ويستقبل عاماً جديداً. عشاء غني باللحوم، كلمات قصيرة ترفع المعنويات، أمنيات تُقال بصوت يرتجف بين الحنين والانتصار، وأغان تخترق صمت الجبال وتعيد إلينا شيئاً من الحياة التي تركناها خلفنا.

عند الواحدة بعد منتصف الليل، بدأنا رحلتنا نحو وادي كوماته، حيث تتجاور مقرات حزبنا مع مقرات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قبل الانتقال من نقطة كان يفصلها عن تركيا نهر صغير يعبره الأنصار عشرات المرات في اليوم الواحد. كانت تلك المنطقة خليطاً من السياسة والجغرافيا والخطر، كأنها مسرح كبير يقف فيه الجميع على حافة شيءٍ مجهول.

لكن حين خرجنا من فوهة جبل متين من جهة الشمال، تغيّر كل شيء. الغيوم أغلقت باب السماء. الريح صارت صواريخ تولول حول أجسادنا الهزيلة. والثلج… الثلج كان يتسابق معنا ليغطي الأرض قبل أن نخطو عليها.

لم نفكر بالعودة. لم نفكر يوماً بالعودة قبل تنفيذ المهمة، ولو كان الثمن أرواحنا. كان ذلك جزءاً من قانون غير مكتوب، قانون يعرفه كل نصير، حتى نعتوا بالمجانين، المهمة أولاً، والخوف يأتي لاحقاً.

وصلنا إلى قرية قمرية قبل أن ينسحب الليل ويحل محلها النهار، قرية هجَرها أهلها منذ 1975، لكن الحياة بقيت فيها، هدير الماء، تغريد الطيور، وصخور تحفظ ذاكرة المكان. كانت القرية تبدو كأنها تنتظر أحداً، كأنها لم تتخل عن دورها رغم الخراب.

تناولنا فطوراً سريعاً، ثم تابعنا السير وسط ثلج يزداد كثافة حتى ابتلع الطريق تماماً. لم يعد هناك أثر لقوافل المهربين التي عبرت قبلنا. الطريق اختفى، لكن التجربة والحدس كانا دليلنا الوحيد.

الثلج بلغ ارتفاعاً يجعل القدم تغوص حتى النهاية، كأنك تمتطي بغلاً لا يريد أن يتحرك. كنا نتناوب على فتح الطريق، وكل خطوة كانت معركة صغيرة، وكل متر كان انتصاراً مؤقتاً.

وفي إحدى تلك الخطوات، رفعت قدمي اليسرى، فرأيت بقعة حمراء. تجمد قلبي. ظننتها دماً، لكنني أدركت سريعاً أنها لون جوربي… وأن الحذاء قد فقد.

الدكتور عزيز شد قدمي بالجمداني، وقال بصوت حاول أن يبدو مطمئناً، "لنواصل… ونرى كم سنحتمل".
بعد عدة ساعات، وصلنا إلى بركة ماء كونكريتية، بقيت عصية على الثلج بفعل حرارة الماء الجاري. كانت علامة أننا نسير في الاتجاه الصحيح، لكنها لم تكن خلاصاً. كانت مجرد استراحة قصيرة في معركة طويلة.

بعدها وجدنا فجوة صخرية على بعد حوالي خمسين متراً. صعودها كان قاسياً، لكننا بلغناها، ونظفناها من الثلج، وجلسنا فيها نرتجف. أدركنا أننا سنموت إن لم نجد ناراً. لم يكن البرد مجرد إحساس، كان كائناً يزحف نحونا، يختبر حدود أجسادنا.

خرجنا نبحث عن حطب، لكن الثلج ابتلع كل شيء. ثم رأيت شجرة هرمة، تيبست أفرعها. لو سقطت، لأشعلناها. لكن كيف نسقطها؟ قلت لعزيز"جرّب البرنو على ساقها". أطلق طلقة… فاخترقت الساق. ثم طلقة جنب طلقة… والظلام يهبط رويداً رويداً، كأنه يشاركنا المهمة.

فجأة ارتفعت إطلاقات تنويرية من القرية القريبة. أطلقنا تنويراً بدورنا. جاء الرد. الأمل عاد، لكنه كان هشاً، كضوءٍ صغير في عاصفة.

واصلنا إسقاط الشجرة تحسباً. ربطنا الساق بالبشاتين، شدها البعض، ودفعها البعض الآخر، حتى تهاوت الشجرة أخيراً. سحبناها إلى الفجوة، وقطعنا أغصانها بالحراب، وأشعلنا النار. رزقي أخرج زوج أحذية سامسونغ تركي، كبير المقاس، لكنه كان نعمة.

قسمنا الطعام، وانتظرنا الفجر… أو النجدة… أو معجزة صغيرة. وعند المساء وقريبا من الساعة العاشرة ليلا ، ظهرت أضوية المصابيح اليدوية قرب بركة الماء. عشرة رجال من القرية، جاؤوا لإنقاذنا. صعدوا إلينا، حملوا الطعام، وساعدونا على النزول. تحدثوا عن أبو جوزيف وعن رفاقنا في كوماته، وعن تعاملهم النبيل معهم. كانت كلماتهم دافئة مثل النار التي أشعلناها.

سِرنا خلفهم ساعتين، حتى وصلنا إلى القرية الطينية الصغيرة المعمر حديثا، حيث كان الجميع ينتظرنا، رجال، نساء، أطفال. كأن القرية كلها كانت في حالة استنفارٍ من أجلنا.

دخلت بيتاً دافئاً مع نصيرآخر أو نصيرين، أشعلت فيه امرأة مدفأة الحطب، وسخّنت ماءاً بدرجة منخفضة لغسل أقدامنا المتجمدة. كانت تمسحها بيديها (كم كنت أتمنى أن أقبل تلك اليدين الآن) كأنها تمسح على قلوبنا. قدمت حساءاً حاراً، ثم رزاً ولحماً لم نذق مثله منذ زمن طويل. كانت تلك الليلة درساً في الإنسانية، درساً لا يُنسى.

في الصباح، جاء رب الأسرة بزوج حذاء على مقاسي، رفض أن يأخذ ثمنه، وقال، "هذا رد جميل للعم توما توماس ورفاقه".

غادرنا القرية بمعنويات عالية، ووصلنا إلى كوماته، وروينا للرفاق ما فعلته تلك القرية. فرح أبو جوزيف كثيراً، وخصص صندوقاً كاملاً من عتاد الكلاشينكوف لأهلها.

هكذا نجونا… وهكذا صار الثلج الذي كاد أن يكون سبب هلاكنا، شاهداً على إنسانية لا تُنسى، وعلى رحلة لا تزال، رغم مرور الزمن، تضيء في الذاكرة كأنها حدثت البارحة.
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter