|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  6 / 1 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

قرار حكومي برفع الرسوم الجمركية أثار موجة رفض واسعة بسبب شموله الدواء والمستلزمات الطبية. معارضو القرار يحذّرون من تحميل الفقراء والمرضى أعباءً جديدة، ويطالبون بمراجعته واستثناء ما يمسّ الصحة العامة، مؤكدين أن حماية المواطن أولى من أي جباية مالية.

حين تُجبى الضرائب من أنفاس المرضى

نوري حمدان
(موقع الناس)

في بلدٍ أنهكته الأزمات، لا يُفترض أن يكون الدواء سلعةً خاضعةً لمنطق الجباية، ولا أن تتحوّل صحة الناس إلى رقمٍ في جدول الإيرادات. ومع ذلك، جاء قرار مجلس الوزراء رقم (957) لسنة 2025، برفع الرسوم الجمركية على المستوردات، ليوقظ مخاوف حقيقية لدى ملايين العراقيين، لا بسبب مبدأ تنظيم الاستيراد بحدّ ذاته، بل بسبب اتساع القرار ليطال ما يمسّ حياة الناس مباشرة: الدواء، والمستلزمات الطبية، ومدخلات الصناعة الدوائية.

قد تقول الحكومة إن السلع الأساسية مستثناة، لكن الواقع لا يُقاس بالتصريحات، بل بما يصل إلى جيب المواطن ويد الصيدلي وسرير المريض. فالدواء في العراق، المستورد بمعظمه، لا يحتمل أي زيادة إضافية، وأي رسم جديد ـ مهما بدا صغيرًا على الورق ـ يتحوّل في السوق إلى عبء ثقيل يدفعه المريض وحده، لا الخزينة.

ردود الفعل الرافضة لهذا القرار لم تأتِ من فراغ. الصيادلة، والأطباء، والاقتصاديون، وحتى المواطن البسيط، يدركون أن المساس بسلسلة الدواء يعني تهديدًا مباشرًا للأمن الصحي، خصوصًا في بلد ترتفع فيه نسب الفقر، ويعتمد فيه كثيرون على العلاج المستمر لأمراض مزمنة لا تنتظر مزاج القرارات.

ليس الاعتراض هنا شعبوية، ولا معارضة لأجل المعارضة. إنه اعتراض أخلاقي قبل أن يكون اقتصاديًا. فالدولة التي تسعى إلى حماية صناعتها الوطنية، لا يمكن أن تفعل ذلك على حساب مرضاها، ولا أن تُموّل عجزها من جيوب الفقراء. حماية الإنتاج المحلي لا تكون بفرض أعباء على المستورد الحيوي، بل بدعم البديل الوطني فعليًا، وضمان جودته، وقدرته على سد الحاجة.

الأصوات التي تطالب اليوم بوقفات احتجاجية سلمية، وبمطالب مكتوبة، وبحوار جاد مع الجهات المعنية، لا تبحث عن فوضى، بل عن تصحيح مسار. وهي أصوات تستحق أن تُسمع، لا أن تُهمَّش، لأن السكوت في هذه الحالة ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في تعميق الألم.

إن أخطر ما في هذا القرار ليس نصّه فقط، بل ما قد يؤسّس له: فكرة أن صحة المواطن بند قابل للمساومة. وهذا خط أحمر لا يجب تجاوزه. فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على الجباية، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها.

اليوم، الكرة في ملعب الحكومة. إما مراجعة حقيقية وشجاعة للقرار، تستثني الدواء ومستلزماته بشكل واضح لا يقبل التأويل، أو تحمّل مسؤولية ما سيترتّب من غضب اجتماعي ومعاناة إنسانية.

أما الشارع، فقد قال كلمته: لا رسوم على حياة الناس.
 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter