|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  29 / 9 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

في الثلاثين من أيلول، يفتح العراق صفحة جديدة مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، لكن السؤال الأهم لا يتعلق برحيل القوات الأجنبية بقدر ما يتعلق بما سيأتي بعده: هل تكفي مغادرة آخر جندي لاكتمال السيادة؟ أم أن السيادة الحقيقية تبدأ حين يصبح قرار العراق وسلاحه وثروته ومستقبله بيد دولته وحدها؟

30 أيلول.. حين تصبح السيادة مسؤولية

نوري حمدان
(موقع الناس)

ليست السيادة عَلَمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُعزف، ولا مناسبة تُضاف إلى روزنامة الدولة. السيادة، في معناها الحقيقي، هي أن يكون للدولة قرارها، ولحدودها حرمتها، ولمؤسساتها الكلمة العليا، وألا يكون فوق إرادة الوطن إرادة أخرى.

من هنا، فإن الثلاثين من أيلول، الذي اختير ليكون "يوم السيادة" في العراق، ينبغي ألا يُقرأ بوصفه يومًا للاحتفال بانتهاء مهمة عسكرية أجنبية فحسب، وإنما بوصفه لحظة تستدعي سؤالًا أكبر: ماذا تعني السيادة للعراق بعد كل ما عاشه منذ عام 2003؟

فقد دخل عام 2003 تحت الاحتلال، وسقطت معه الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وانفتح البلد على صراعات داخلية وتدخلات خارجية متشابكة. وعلى مدى أكثر من عقدين، أصبح مفهوم السيادة واحدًا من أكثر المفاهيم حضورًا في الخطاب السياسي العراقي، وفي الوقت نفسه واحدًا من أكثرها إثارة للجدل.

واليوم، عندما يعلن العراق انتهاء مهمة التحالف الدولي، فإن صفحة مهمة من تلك المرحلة تُطوى. لكن طي الصفحة لا يعني أن كتاب السيادة قد اكتمل. بل ربما يبدأ الاختبار الحقيقي من هنا. لأن وجود قوات أجنبية على أرض بلد ما يمثل وجهًا واضحًا من وجوه إشكالية السيادة، لكنه ليس الوجه الوحيد. فالدولة قد تستعيد أرضها ولا تستعيد كامل قرارها، وقد ترفع رايتها على حدودها فيما تتنازع إرادتها قوى ومصالح ومحاور من الداخل والخارج.

ولهذا فإن السؤال بعد الثلاثين من أيلول يجب أن ينتقل من: متى يغادر الأجنبي؟ إلى سؤال أصعب بكثير: ماذا سيفعل العراقيون بسيادتهم؟ السيادة تعني، قبل كل شيء، أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في الحرب والسلم. وتعني أن يكون السلاح خاضعًا لمؤسساتها وقوانينها، وأن تكون قواتها المسلحة بمختلف صنوفها وتشكيلاتها جزءًا من منظومة وطنية واحدة، وأن يعرف العراقي أن أمنه تحميه دولة، لا توازنات القوى ولا تفاهمات الجماعات.

والسيادة تعني كذلك ألا يصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. فليس من السيادة أن يتحول موقع العراق الجغرافي، الذي يفترض أن يكون مصدر قوة له، إلى سبب دائم لاستباحة أجوائه أو أراضيه أو جرّه إلى صراعات لم يخترها شعبه.

العراق لا يحتاج أن يكون تابعًا لواشنطن كي يكون بعيدًا عن طهران، ولا تابعًا لطهران كي يثبت عداءه لواشنطن، ولا جزءًا من محور كي يحمي نفسه من محور آخر. الدولة السيدة لا تبحث عمن تختبئ خلفه؛ إنها تبني علاقاتها مع الجميع على قاعدة بسيطة وواضحة: أين توجد مصلحة العراق؟

ومن هنا تصبح السيادة أيضًا قرارًا اقتصاديًا. فبلد يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنه يبقى معتمدًا في أجزاء أساسية من اقتصاده واحتياجاته على الخارج، لا تزال أمامه مسافة ليحوّل استقلاله السياسي إلى قدرة وطنية حقيقية. والسيادة ليست حدودًا وجيوشًا فقط؛ إنها غذاء وطاقة وصناعة ومياه وتعليم واقتصاد قادر على منح الدولة حرية القرار.

وهي كذلك سيادة القانون. فما قيمة أن تمنع دولةٌ الآخرين من انتهاك حدودها إذا كانت عاجزة عن فرض قانونها داخل تلك الحدود؟ وما معنى استقلال القرار الخارجي إذا كان القرار الداخلي موزعًا بين مؤسسات رسمية ومراكز قوة ومصالح حزبية وفئوية؟

لهذا كله، ينبغي ألا يكون "يوم السيادة" مناسبة نقول فيها إن العراق أصبح كامل السيادة، ثم ننصرف. الأجدى أن يكون يومًا نسأل فيه، كل عام: كم أنجزنا من شروط السيادة؟ هل أصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها؟ هل أصبحت الحدود والأجواء العراقية عصية على الانتهاك؟ هل أصبحت الثروة الوطنية أداة لبناء استقلال العراق الاقتصادي؟ هل أصبح المواطن، بصرف النظر عن قوميته ومذهبه ومدينته وانتمائه، يرى في الدولة مرجعيته الأولى؟ وهل أصبحت بغداد قادرة على أن تقول "نعم" حين تكون "نعم" في مصلحة العراق، وأن تقول "لا" حين تكون "لا" هي مصلحته، أيًا كان الطرف المقابل؟ عندها فقط يتحول الثلاثون من أيلول من ذكرى مرتبطة بانتهاء وجود عسكري أجنبي إلى بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية.

لقد دفع العراقيون أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية؛ من الحروب والحصار والاحتلال والإرهاب والانقسام والصراع على أرضهم. وربما يكون الوفاء الحقيقي لكل تلك التضحيات ألا نجعل السيادة شعارًا جديدًا نختلف عليه، بل مشروع دولة نتفق عليه. فالعراق الذي نريده سيدًا ليس العراق المعزول عن العالم، وإنما العراق الذي ينفتح على العالم من موقع الندّ، ويقيم علاقاته شرقًا وغربًا وفق مصالحه، ويحترم سيادة الآخرين بالقدر نفسه الذي يطالبهم فيه باحترام سيادته.

الثلاثون من أيلول يمكن أن يكون يومًا مهمًا في تاريخ العراق، لكن قيمته الحقيقية لن يحددها قرار تسميته، بل ما سيأتي بعده. فخروج القوات الأجنبية حدث يمكن أن تؤرخه الوثائق. أما اكتمال السيادة، فهو دولة يجب أن يبنيها العراقيون. فالسيادة لا تكتمل حين يغادر آخر جندي أجنبي فحسب، بل حين لا يبقى على أرض العراق قرار أعلى من قرار الدولة، ولا سلاح أعلى من سلاحها، ولا مصلحة تتقدم على مصلحة العراق.
 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter