|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  24 / 12 / 2025                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

السوق الشعبي.. حين يواجه الإنسان خوارزميات العالم

نوري حمدان
(موقع الناس)

لم يكتب صديقي الكاتب والصحفي علي تحسين الحياني عن السوق الشعبي بوصفه مكانًا للتسوّق، بل قدّمه بوصفه ذاكرة حيّة، ومساحة إنسانية تتقاطع فيها المهن البسيطة مع الكرامة، والرزق مع الحلم. في نصه "السوق الشعبي في زمن الذكاء الاصطناعي" لا نجد حنينًا رومانسيًا للماضي فحسب، بل صدمة واقعية بحاضرٍ يزحف بلا رحمة.

المصور الفوتغرافي الذي كان يعجّ بالمشترين، ثم بات وحيدًا يقلب كفيه، ليس حالة فردية؛ إنه رمز لمهن كاملة فقدت معناها الاقتصادي أمام تطبيقات تعدّل الصور، وتُنتج الوهم بضغطة زر. وبائع الأقراص الموسيقية، ومصلّح الراديو، وبائع كروت الرصيد، ليسوا تفاصيل عابرة في السوق، بل شواهد على معركة غير متكافئة بين الإنسان والتكنولوجيا.

الحياني لا يهاجم الذكاء الاصطناعي صراحة، لكنه يضعنا أمام سؤال أخلاقي حاد: من يدفع ثمن التقدم؟ وهل يُقاس التطور بعدد التطبيقات، أم بعدد البشر الذين أُخرجوا من دائرة العمل والكرامة؟

السوق الشعبي في هذا النص يتحول إلى مرآة للمجتمع، نرى فيها وجوهًا تحاول "الصمود" لا "التطور". أناس لا يملكون ترف تعلّم البرمجة، ولا قدرة الانتقال إلى وظائف رقمية، بل يملكون فقط مهارة اليد، وخبرة العمر، وذاكرة المكان. وهنا تكمن المأساة: التكنولوجيا لا تنتظر، لكنها أيضًا لا تلتفت لمن يتعثر خلفها.

قوة النص تكمن في لغته الهادئة، التي لا تصرخ، لكنها توجع. لا شعارات، ولا تنظير، بل مشاهد يومية تقول أكثر مما تقوله الدراسات. كأن الكاتب يهمس لنا: انتبهوا.. العالم يتغير، لكن الإنسان يُترك وحيدًا في الزاوية.

إن أخطر ما يطرحه النص ليس اختفاء المهن، بل اختفاء الأمان. حين كان السوق الشعبي يوفر دخلاً يحفظ ماء الوجه، كانت الكرامة محفوظة. أما اليوم، ففي عالم "لا يرحم"، كما يصفه الكاتب، يصبح البقاء للأسرع لا للأكثر حاجة.

نص علي تحسين الحياني يفتح بابًا لا يجوز إغلاقه: كيف يمكن أن نُدخل الذكاء الاصطناعي في حياتنا، من دون أن نُخرج الإنسان منها؟ وكيف نصنع تقدمًا لا يتحول إلى إقصاء؟ إنها ليست قصة سوق، بل إنذار مبكر، مكتوب بلغة بسيطة، عن عالمٍ قد يستيقظ يومًا ليجد أن كل شيء صار ذكيًا.. إلا العدالة.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter