| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 19 / 10 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
رواتب الحشد وسلاح الفصائل: السيادة تبدأ من خزينة الدولة
نوري حمدان
(موقع الناس)حين يُثار اتهام بتحويل أموال من رواتب مقاتلين عراقيين إلى الحرس الثوري الإيراني، يصبح السؤال أكبر من خلاف بين واشنطن وطهران. إنه يمس حق العراقيين في معرفة مصير أموالهم، وحدود سلطة حكومتهم، والجهة التي تملك قرار السلاح والحرب. فالدولة التي تدفع الرواتب ينبغي أن تملك الرقابة على إنفاقها، وأن تكون صاحبة الأمر على من يتقاضاها. وحين تنفصل هذه السلطات، تتحمل الخزينة الكلفة، بينما قد يذهب القرار إلى خارج مؤسساتها.
هذا السؤال حضر في حلقة برنامج "الحق يقال"، الذي يقدمه الزميل عدنان الطائي عبر شاشة UTV، وبُثت يوم 18 تشرين الأول 2026، بمشاركة الدكتور هاشم الكندي والدكتور عقيل عباس. وبين اعتبار الاتهام الأميركي سردية تستهدف إيران وعلاقتها بالعراق، وقراءته بوصفه مقدمة محتملة للتصعيد، بقيت مسألة تستحق أن تتصدر النقاش: ماذا فعلت المؤسسات العراقية للتحقق من الاتهام وحماية المال العام؟
تبدأ المعالجة الدقيقة من ضبط الواقعة. ففي رسالته المصورة المنشورة يوم 16 تشرين الأول، تحدث قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، عن تقارير بشأن حجب جماعات موالية لإيران في المنطقة مدفوعات مقاتليها لتوجيه أموال إلى الحرس الثوري. وهذه صياغة لا تكفي وحدها لإثبات أن الأموال خرجت من بند رواتب الحشد الشعبي في الموازنة العراقية؛ فالمادة العلنية التي أمكن مراجعتها لا تقدم حسابات أو مبالغ أو مسارات تحويل تثبت ذلك الربط تحديدًا.
لذلك، فإن اعتماد الاتهام حقيقة مكتملة يسبق الدليل. لكن وصفه بأنه كذبة لا تستحق الرد يغلق باب التحقق قبل فتحه. وبين الموقفين توجد مسؤولية عراقية واضحة: مطالبة الجهة الأميركية بأدلتها، وإخضاع ما يخص الأموال العراقية لتدقيق مؤسسي مستقل. فالخصومة مع مصدر الاتهام لا تثبت بطلانه، مثلما لا تمنح القوة السياسية والعسكرية لصاحبه أقواله حصانة من الفحص.
هنا يبدو الخلل في موقف الكندي، بحسب الطرح المنقول عنه في الحلقة. فالقول إن واشنطن تريد شيطنة إيران قد يفسر غرضًا سياسيًا محتملًا، لكنه لا يجيب عن سؤال حركة الأموال. وحتى إذا كان الاتهام جزءًا من حملة ضغط، تظل معرفة المستفيد النهائي من المال العام واجبًا عراقيًا. ولا تستطيع أي جهة أن تجعل خصومتها مع الولايات المتحدة بديلًا عن كشف الحساب.
ويزداد هذا الواجب إلحاحًا لأن وزارة الخزانة الأميركية سبق أن اتهمت كتائب حزب الله بالاستفادة من تمويل الحشد وتوجيه ثروة العراقيين لدعم النظام الإيراني ومصالح قادتها. هذه اتهامات رسمية أميركية ينبغي نسبتها بوضوح إلى مصدرها، وهي لا تقوم مقام إثبات قضائي مستقل؛ لكنها تجعل الاكتفاء بالرد الإعلامي أقل من مستوى المسؤولية المطلوبة.
وفي المقابل، فإن الاتفاق مع عقيل عباس في أولوية المصلحة الوطنية ورفض إخضاع العراق لحسابات الفصائل لا يفرض التسليم بكل تقديراته. فنسبة انفجار مقر الحشد في بغداد إلى إسرائيل تحتاج إلى دليل. وما نُشر عن حادث 17 تشرين الأول تضمن رواية عن انفجار عتاد تالف، وإعلانًا عن تشكيل لجنة تحقيق. وإلى حين ظهور نتائج موثوقة، تبقى المسؤولية الخارجية احتمالًا، كما يبقى التفسير الأولي للحادث قابلًا للفحص.
غير أن الخلاف بشأن مصدر الانفجار لا يلغي سؤالًا داخليًا: من يراقب مواقع تخزين العتاد، وكيف تُدار المواد الخطرة، ومن يُحاسب عن تعريض السكان للخطر؟ فإذا ثبت اعتداء خارجي، فهو اعتداء على السيادة العراقية يستوجب موقفًا من الدولة. وإذا ثبت خلل في التخزين أو الإدارة، فالمساءلة واجبة أيضًا. وفي الحالتين، ينبغي أن تكون المؤسسات المختصة هي صاحبة التحقيق والقرار.
وهذا يقود إلى جوهر الملف: العلاقة بين تمويل القوة المسلحة وإخضاعها للدولة. فالراتب الذي تدفعه الخزينة ينشئ التزامًا بالخدمة العامة وبسلسلة القيادة الرسمية. وعندما تتلقى تشكيلات تمويلًا عامًا، فيما تحتفظ بقيادة فعلية أو موارد أو قرارات عسكرية مستقلة، تنشأ فجوة بين الجهة التي تتحمل الكلفة والجهة التي تتحكم بالفعل.
من هنا، يصبح حصر السلاح بيد الدولة شرطًا لسيادة الموازنة أيضًا. فلا تستقيم الرقابة المالية إذا عجزت أجهزة التدقيق عن الوصول إلى السجلات، ولا تستقيم القيادة العسكرية إذا استطاع فصيل اتخاذ قرار يجر البلاد إلى مواجهة من دون تفويض من مؤسساتها. وقد تكون كلفة هذا القرار أوسع كثيرًا من رواتب المقاتلين: منشآت تتضرر، واستثمارات تتراجع، وتجارة تتعطل، ومواطنون يدفعون الثمن.
ولا يكفي لتحقيق حصر السلاح إلحاق أسماء التشكيلات بالموازنة أو إدراجها ضمن هيكل رسمي. المعيار هو وحدة القيادة، ووضوح الأوامر، وخضوع الموارد والتسليح والحركة العسكرية للمساءلة. فالمؤسسة لا تصبح موحدة بمجرد أن تدفع جهة واحدة رواتب أفرادها، إذا بقيت مراكز القرار متعددة.
وهنا يجب التمييز بين حقوق منتسبي الحشد، وتضحيات من قاتلوا الإرهاب، وبين مساءلة أي قيادة أو شبكة مالية. إن حماية راتب المقاتل من الاقتطاع أو الاستغلال تقتضي رقابة أشد. ولا يجوز تحميل جميع المنتسبين مسؤولية اتهامات موجهة إلى جماعات أو أشخاص، كما لا يجوز استخدام تضحياتهم لمنع التحقيق في تصرفات القيادات.
وإذا ثبت تحويل أموال عامة إلى جهة عسكرية أجنبية، فنحن أمام واقعة تستوجب تحديد المسؤولية المالية والجنائية، وفحص ما تكشفه من خلل في القيادة والولاء المؤسسي. وإذا لم يثبت الاتهام، فعلى الدولة إعلان نتائج تدقيقها بما يحفظ حقوق المنتسبين ويواجه الادعاء بالدليل. أما إبقاء الملف معلقًا بين بيان أميركي ونفي فصائلي، فيضعف الثقة ويترك المجال مفتوحًا للضغط والتوظيف السياسي.
المطلوب، إذن، مراجعة موثوقة لسجلات المستحقين وآليات الصرف والاقتطاعات، والتحقق من أي تحويلات يُشتبه في اتصالها بالملف، ونشر نتائج تحمي البيانات الشخصية وتوضح المسؤوليات. ويجب أن تقترن هذه الرقابة بسلطة فعلية على السلاح؛ لأن المؤسسة الرقابية التي لا تستطيع مساءلة صاحب القوة ستظل عاجزة مهما كانت نصوصها محكمة.
إن السيادة التي نبحث عنها تُقاس بقدرة الحكومة على حماية المال، وإخضاع السلاح، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لحروب الآخرين. وأي تدخل أميركي أو إسرائيلي يستهدف العراق يستوجب الرفض والمساءلة، كما أن أي تصرف فصائلي يربط المال والقرار العراقيين بأولويات إيران يستوجب المساءلة نفسها.
يستحق العراقيون جوابًا تصدره مؤسساتهم وتتحمل مسؤوليته: أين ذهبت الأموال، ومن أصدر الأوامر، ومن يملك قرار استخدام السلاح؟ وعندما تصبح الإجابة قابلة للتحقق، ويخضع أصحابها للقانون، تكون الدولة قد خطت خطوة فعلية نحو السيادة.