|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  18 / 1 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

السياحة في العراق ليست أزمة موارد بل أزمة إدارة ورؤية اقتصادية. فالعراق يمتلك مقومات سياحية دينية وثقافية وطبيعية قادرة على أن تكون موردًا غير نفطيًا مهمًا، لكن غياب التخطيط والتشريع والإدارة المحترفة أبقاها خارج الاقتصاد الوطني رغم قدرتها على خلق فرص عمل وتنويع الدخل.

في العراق: السياحة ليست أزمة موارد بل أزمة إدارة ورؤية

نوري حمدان
(موقع الناس)

لا يعاني العراق من فقرٍ في الموارد السياحية، بقدر ما يعاني من غياب الرؤية التي تُحسن تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة. فبين مدنٍ تختزن ذاكرة التاريخ، ومواقع دينية تستقطب ملايين الزائرين سنويًا، وطبيعة متنوعة تمتد من الأهوار إلى الجبال، تبقى السياحة خارج معادلة الاقتصاد الوطني، وكأنها ترفٌ ثقافي لا موردٌ سيادي غير نفطي يمكن أن يغيّر شكل الاقتصاد العراقي ويخفّف من ارتهانه لمصدر واحد للدخل.

إن السياحة، بمفهومها الحديث، لم تعد نشاطًا موسميًا أو مناسباتيًا، بل صناعة متكاملة تُدار بعقلية اقتصادية، وتُقاس بعوائد وفرص عمل وسلاسل قيمة تمتد من النقل والفنادق إلى الصناعات الصغيرة والحِرف والخدمات. وفي الحالة العراقية، تكمن المفارقة في أن المقومات متوافرة، بل ومتفوقة مقارنةً بدولٍ بنت اقتصادات سياحية كاملة بموارد أقل، غير أن الإشكال الجوهري يتمثل في التعامل مع السياحة كملف ثانوي، لا كقطاع منتج يحتاج إلى تخطيط، وتشريع، واستثمار، وإدارة محترفة.

السياحة الدينية وحدها، بما تحمله من تدفّقات بشرية ضخمة، قادرة على أن تكون رافعة اقتصادية حقيقية لو أُديرت وفق معايير حديثة تراعي قدسية المكان من جهة، ومتطلبات الزائر من جهة أخرى. أما السياحة الثقافية والأثرية، فهي ثروة معطّلة بالكامل، تُختزل غالبًا في مواقع مهملة، أو في سردٍ تاريخي بلا خدمات، وبلا تجربة متكاملة تحوّل الزيارة إلى قيمة مضافة للاقتصاد المحلي. ويضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية السياحية، وغياب التنوع الفندقي، وتشتت النقل، وافتقار الخدمات إلى الحد الأدنى من التنظيم والجودة، وهي عناصر تجعل أي موقع، مهما بلغت أهميته، غير قابل للاستثمار السياحي الفعلي.

الاقتصادات الحديثة لا تنظر إلى السياحة بوصفها هامشًا، بل كقطاع سيادي غير نفطي، يخلق فرص عمل واسعة، ويحرّك الطلب الداخلي، ويجذب الاستثمار، ويُحسّن صورة الدولة خارجيًا. وفي العراق، حيث الحاجة ملحّة لتنويع مصادر الدخل، تمثل السياحة أحد أكثر الخيارات واقعية وأقلها كلفة مقارنة بقطاعات أخرى، شريطة أن تُدار بعقل الدولة لا بعقل المناسبات. وهذا يقتضي تشريعات واضحة، وهيئة مختصة بصلاحيات تنفيذية، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، وفتح المجال أمام الكفاءات السياحية للعمل في بيئة مهنية تليق بتاريخ العراق ومكانته.

إن إعادة الاعتبار للسياحة ليست مسألة تجميلية، بل خيار اقتصادي استراتيجي. فالعراق الذي يملك هذا التنوع الحضاري والديني والطبيعي، لا يحتاج إلى اختراع موارد جديدة، بل إلى إدارة ذكية لما هو موجود. وعندما تُفهم السياحة كصناعة وطنية غير نفطية، لا كملف مهمل، يمكن عندها أن تتحول من فرصة ضائعة إلى رافعة حقيقية للاقتصاد، ومن ثروة معطّلة إلى مورد مستدام يسهم في بناء مستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter