|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  16 / 4 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يناقش المقال ظاهرة "شرعية الفراغ" في السياسة، حيث يُهمَّش الدستور لصالح التوافقات، محذراً من تحوّل التأجيل والتأويل إلى قاعدة تُضعف استقرار النظام.

شرعية الفراغ.. حين يتقدّم التوافق على الدستور

نوري حمدان
(موقع الناس)

في كل مرة تتعثر فيها العملية السياسية، يعود السؤال القديم بثوبٍ جديد: هل الدستور مرجعية حاكمة أم مجرد نصٍّ قابلٍ لإعادة التفسير؟ ما يجري اليوم في ملف اختيار رئيس الحكومة يكشف بوضوح أن السياسة، حين تضيق خياراتها، تميل إلى توسيع هوامش التأويل، حتى لو كان ذلك على حساب وضوح النصوص وروحها.

المشهد الحالي لا يقتصر على خلافات عابرة بين قوى متنافسة، بل يعكس نمطاً متكرراً من إدارة الأزمات، حيث تتحول المدد الدستورية من التزامات ملزمة إلى مواعيد مرنة، قابلة للتأجيل والتكييف وفق ميزان القوى. وهنا لا تكمن المشكلة في النص نفسه، بل في الطريقة التي يُتعامل بها معه؛ إذ يُعاد تفسيره كلما تغيّرت الحسابات، وكأن الدستور وثيقة سياسية تُحرّر عند الحاجة، لا عقداً جامعاً ينظّم العلاقة بين الدولة ومؤسساتها.

هذا الواقع أفرز ما يمكن تسميته بـ"شرعية الفراغ"، وهي حالة لم تعد استثنائية كما يفترض، بل تحوّلت إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق. فالفراغ، الذي يفترض أن يكون مؤشراً على خلل يجب معالجته سريعاً، بات يُدار كمرحلة تفاوض مفتوحة، تُبنى فيها التفاهمات بعيداً عن السقوف الزمنية المحددة. وبذلك، تصبح إدارة الدولة رهناً باتفاقات غير مكتوبة، تتقدم على الاستحقاقات الدستورية.

في قلب هذه المعادلة، تقف القوى السياسية أمام مفترق حساس: هل تذهب نحو مرشح يرضي توازنات الخارج ويخفف الضغوط الدولية، أم تتمسك بخيار يعزز نفوذها الداخلي؟ هذا التردد لا يعكس فقط صراع مصالح، بل يكشف أيضاً غياب معيار واضح للحسم، حيث لم يعد النص الدستوري هو الفيصل، بل مخرجات التفاوض.

قد يجادل البعض بأن المدد الدستورية تنظيمية لا يترتب على تجاوزها جزاء قانوني، وهو طرح يحمل وجهاً قانونياً معتبراً. لكن هذا التفسير، حين يُفصل عن بعده السياسي والأخلاقي، يتحول إلى مبرر لإدامة التعطيل، ويضعف الثقة بمنظومة الحكم ككل. فالدستور، في جوهره، ليس مجرد نصوص جامدة، بل تعبير عن إرادة تنظيمية يفترض احترامها للحفاظ على استقرار الدولة.

المشكلة، إذن، ليست في وجود خلافات، فهذا أمر طبيعي في الأنظمة السياسية، بل في طريقة إدارتها. حين يصبح الفراغ خياراً، والتأجيل أداة، والتوافق بديلاً عن الالتزام، فإننا نكون أمام معادلة مختلة تُدار فيها الدولة خارج إيقاعها الطبيعي.

السؤال الأهم اليوم: هل سينتج هذا الفراغ تسوية تعيد الاعتبار للنص الدستوري، أم أنه سيتكرس كقاعدة تُدار عبرها السلطة مستقبلاً؟ الإجابة لا تتعلق فقط بمن سيشغل منصب رئيس الحكومة، بل بشكل النظام السياسي نفسه، وحدود العلاقة بين النص والتأويل، وبين الدولة والتوافقات.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter