|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  16 / 1 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يتناول المقال تحذير الأمم المتحدة من تلاشي أهوار العراق، بوصفها أزمة تتجاوز البيئة إلى تهديد الهوية وسبل العيش والاستقرار. ويؤكد أن إنقاذ الأهوار لم يعد ملفًا مؤجلًا، بل اختبارًا حاسمًا لإرادة الدولة في حماية إرثها وضمان مستقبل مجتمعاتها.
 

الأهوار.. اختبار الإرادة قبل فوات الأوان

نوري حمدان
(موقع الناس)

يمثل تصريح الأمم المتحدة إنذارًا مبكرًا بشأن مصير أهوار العراق، التي تواجه خطر التلاشي رغم الاعتراف الدولي. فالأزمة لم تعد بيئية فقط، بل تهدد سبل العيش والهوية والاستقرار. إن إنقاذ الأهوار اختبار حقيقي لإرادة الدولة في حماية إرثها ومستقبل مجتمعاتها.

حين يتحدث المنسق المقيم للأمم المتحدة في العراق، غلام إسحق زي، عن أهوار بلاد الرافدين، فهو لا يطلق توصيفًا بيئيًا عابرًا، بل يضع إصبعه على جرح عراقي عميق طال إهماله، حتى بات اليوم مهددًا بالاندثار.

الأهوار، التي اعتُبرت يومًا "جنة عدن" ومهدًا للحضارة، لم تعد تواجه خطر الجفاف وحده، بل خطر النسيان السياسي وتآكل الأولويات. فرغم إدراجها على لائحة التراث العالمي منذ عام 2016، ما زال التعامل معها أقرب إلى ملف مؤجل، لا إلى قضية سيادية تمس الهوية والاقتصاد والأمن الاجتماعي.

ما يلفت في تصريح المسؤول الأممي ليس لغته التحذيرية فحسب، بل الأرقام التي تعكس حجم الانهيار الصامت. تراجع أعداد الجاموس، وانهيار قطاع الصيد، وشح المياه الصالحة للشرب، ليست مؤشرات بيئية فقط، بل علامات على تفكك نمط حياة كامل. الأهوار لا تخسر ماءها فحسب، بل سكانها أيضًا، إذ تتحول الهجرة من خيار اضطراري إلى قدر مفروض على عائلات لم تعرف في تاريخها معنى الرحيل.

الأخطر من ذلك أن هذه الخسارة لا تبقى محصورة في جنوب العراق. فالأهوار تمثل خزانًا بيئيًا واقتصاديًا يؤثر في الأمن الغذائي والتوازن المناخي والاستقرار المجتمعي للبلاد بأسرها. وعندما تجف الأهوار، لا يجف القصب وحده، بل تتآكل واحدة من ركائز الدولة العميقة.

صحيح أن الحكومة العراقية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، أطلقت برامج ومبادرات مهمة في مجالات التكيف المناخي وإدارة المياه ودعم المجتمعات المحلية، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل ما يُنفَّذ اليوم يتناسب مع حجم الخطر؟ أم أننا ما زلنا ندير الأزمة بدل أن نحلها؟

رسالة الأمم المتحدة واضحة: لا جدوى من الاعتراف الرمزي إذا لم يُترجم إلى تدفقات مائية عادلة، واستثمارات مستدامة، وقرارات شجاعة تعيد للأهوار مكانتها بوصفها أولوية وطنية لا ملفًا ثانويًا. فالتحدي لم يعد تقنيًا، بل سياسي وإداري بامتياز.

إن إنقاذ الأهوار ليس مسألة بيئية نخبوية، ولا شعارًا سياحيًا، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على حماية إرثها، وصون تنوعها، وضمان مستقبل مجتمعاتها الهشة. فالخيار بات واضحًا: إما استعادة الأهوار بوصفها مشروعًا وطنيًا جامعًا، أو التسليم بخسارة جزء لا يُعوّض من ذاكرة العراق الحية.

الأهوار لا تنتظر، والتاريخ لا يمنح فرصًا إضافية لمن يتردد.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter