| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 14 / 1 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يناقش العمود حادثة الشعب بوصفها مؤشرًا على أزمة السلاح خارج سلطة الدولة، رابطًا بين ضعف حصر السلاح وتآكل هيبة القانون. ويؤكد أن نجاح الدولة لا يكتمل من دون موقف مجتمعي واضح ورافض للسلاح غير الشرعي، بوصفه شرطًا أساسيًا للأمن والاستقرار.
السلاح حين يخرج من الدولة
نوري حمدان
(موقع الناس)
لم تكن حادثة الاعتداء على عامل محطة الوقود في منطقة الشعب شرقي بغداد مجرد شجار محلي تطوّر إلى اشتباك مسلح، بل كانت صورة مكثفة لأزمة أعمق تتجاوز المكان والزمان. فحين يُعتدى على مواطن أعزل، ثم تواجه قوة أمنية رسمية مقاومة مسلحة أثناء أداء واجبها، فنحن لا نكون أمام "حادث أمني" فحسب، بل أمام خلل بنيوي في علاقة الدولة بالسلاح، وفي علاقة المجتمع بالدولة معًا.
إلقاء القبض على تسعة مسلحين بعد تبادل إطلاق نار مع الشرطة الاتحادية، يعيد إلى الواجهة سؤالًا لم يُحسم منذ سنوات: هل السلاح وسيلة لحماية الدولة أم أداة لمنازعتها سلطتها؟ والأخطر من ذلك: من يملك الجرأة على رفض السلاح الخارج عن القانون علنًا؟
في كل مرة تتكرر فيها مثل هذه الحوادث، يُعاد إنتاج خطاب التبرير: "تصرف فردي"، "حادث معزول"، "لا يمثل الجهة". لكن الواقع يثبت أن تراكم الحوادث الفردية يصنع ظاهرة عامة، وأن غضّ الطرف عن السلاح غير المنضبط، مهما كانت هويته أو لافتته، يؤدي حتمًا إلى تآكل هيبة القانون، لا دفعة واحدة، بل بالتقسيط اليومي.
دعوات حصر السلاح بيد الدولة، التي تتردد في الخطاب الرسمي منذ سنوات، لم تعد تحتمل التأجيل أو الصياغات الرمادية. فالدولة التي تسمح بوجود سلاح خارج سلطتها، حتى تحت ذرائع "الخصوصية" أو "الاستثناء"، تتحول تدريجيًا إلى دولة تفاوض على سيادتها بدل أن تمارسها. وحين تتردد الدولة، يتقدم السلاح ليملأ الفراغ.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة وحدها. المجتمع شريك في صناعة هذه المعادلة، سلبًا أو إيجابًا. فالصمت الاجتماعي، أو التطبيع مع وجود السلاح في الشارع، أو التعامل معه بوصفه "أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره"، هو شكل غير معلن من القبول. والقبول الصامت، في قضايا كبرى كهذه، لا يقل خطرًا عن الفعل المباشر.
المجتمع الذي يريد دولة قوية، لا يمكن أن يقف على الحياد حين تُنتهك قواعدها. رفض السلاح خارج إطار الدولة يجب أن يتحول من شعار نخبوي إلى موقف اجتماعي عام: في الإعلام، في الخطاب الديني، في النقابات، في الجامعات، وفي الحياة اليومية. فحين يشعر حامل السلاح غير الشرعي بأنه منبوذ اجتماعيًا، لا محاطًا بالصمت أو الخوف، يبدأ ميزان الردع الحقيقي بالتحرك.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُصان بثقافة عامة تحترم القانون. دولة القانون لا تقوم فقط على الأجهزة الأمنية، بل على مجتمع يرفض أن تُختطف حياته اليومية باسم القوة أو النفوذ أو الادعاءات المسلحة. وكلما بقي المجتمع مترددًا في إعلان موقفه، بقيت الدولة وحدها في مواجهة ظاهرة تتغذى على الخوف والتبرير.
حادثة الشعب ليست إنذارًا أمنيًا فقط، بل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا:
هل نريد دولة واحدة أم سلطات متعددة؟
هل نريد قانونًا عامًا أم استثناءات دائمة؟
وهل نملك الشجاعة، كمجتمع، أن نقول بوضوح: لا سلاح خارج الدولة، أيا كان حامله وأيا كان اسمه؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تُكتب في البيانات الرسمية وحدها، بل تُصاغ في الموقف العام. فحين يتكامل قرار الدولة مع رفض المجتمع، فقط عندها يصبح حصر السلاح واقعًا لا شعارًا، وتتحول هيبة الدولة من خطاب إلى ممارسة.