| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 14 / 7 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
هل تقود زيارة واشنطن إلى مرحلة جديدة في العلاقات العراقية الأميركية؟ قراءة تضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، وتناقش فرص السيادة والاستثمار والأمن والتنمية بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
واشنطن.. عندما تكون مصلحة العراق هي البوصلة
نوري حمدان
(موقع الناس)
في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. ومن هذا المنطلق ينبغي قراءة زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. فنجاح الزيارة لا يقاس بعدد البيانات المشتركة أو الصور البروتوكولية، وإنما بما تحققه للعراق من مكاسب استراتيجية واقتصادية وأمنية تلامس حياة المواطن وتدعم سيادة الدولة.
العراق اليوم ليس ذلك البلد الذي كان يذهب إلى واشنطن حاملاً ملفات الحرب والأزمات فقط، بل يمتلك فرصة حقيقية للانتقال بعلاقته مع الولايات المتحدة إلى مرحلة مختلفة، يكون عنوانها الاقتصاد والاستثمار والتنمية، مع الحفاظ على شراكة أمنية تخدم المصالح الوطنية العراقية. وهذه النقلة تمثل تطوراً مهماً إذا ما أُديرت بعقل الدولة وليس بعقل المحاور.
الرسائل الصادرة من بغداد تؤكد أن الحكومة تريد إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة، وأن مرحلة ما بعد التحالف الدولي تستوجب بناء نموذج جديد للتعاون الأمني يركز على التدريب، ونقل التكنولوجيا العسكرية، والتبادل الاستخباري، وتعزيز قدرات القوات العراقية، بما يجعل العراق أكثر اعتماداً على إمكاناته الوطنية وأقل حاجة إلى أي وجود أجنبي مباشر.
وفي المقابل، تبدو واشنطن مستعدة لفتح صفحة جديدة مع بغداد، ليس فقط في الملف الأمني، وإنما في الملفات الاقتصادية والطاقة والاستثمار. فالتصريحات الأمريكية تتحدث بوضوح عن رغبة في توسيع حضور الشركات الأميركية في مشاريع النفط والغاز والكهرباء والبنى التحتية، وهي قطاعات تمثل اليوم التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية.
ولا يمكن إنكار أن العراق يحتاج إلى استثمارات وتقنيات حديثة لمعالجة أزمة الكهرباء، واستثمار الغاز المصاحب، وتطوير الصناعات البتروكيمياوية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وإذا كانت الشركات الأميركية تمتلك الخبرة والتكنولوجيا والقدرة التمويلية، فإن مصلحة العراق تقتضي الاستفادة منها، ولكن وفق عقود شفافة تحقق نقل المعرفة، وتوفر فرص العمل للعراقيين، وتحفظ الثروة الوطنية، بعيداً عن أي اتفاقات لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
في الوقت نفسه، يحمل الملف الأمني أهمية لا تقل عن الاقتصاد. فإعلان الحكومة أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل قراراً سيادياً عراقياً ينسجم مع تطلعات غالبية العراقيين في بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون. وهذه القضية ليست مطلباً خارجياً بقدر ما هي ضرورة داخلية لبناء دولة قوية تحتكر استخدام القوة وفق الدستور، وتوفر بيئة آمنة للاستثمار والتنمية.
ومن الطبيعي أن يحظى هذا التوجه باهتمام ودعم من المجتمع الدولي، لأن استقرار العراق يمثل مصلحة إقليمية ودولية، لكن يبقى تنفيذ هذا المشروع مسؤولية عراقية خالصة، تنبع من الإرادة الوطنية وتحكمها المصلحة العليا للدولة، وليس استجابة لأي ضغوط خارجية.
ومن الملفات التي ينبغي أن تحظى بأولوية في مباحثات واشنطن أيضاً، ملف الاستقلال في مجال الطاقة. فالعراق يمتلك ثروات هائلة من الغاز، لكنه ما يزال يعتمد على الاستيراد لتشغيل محطات الكهرباء. وإذا استطاعت الزيارة أن تفتح الباب أمام مشاريع حقيقية لاستثمار الغاز المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الشبكات الكهربائية، فإن ذلك سيشكل أحد أهم الإنجازات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
كما ينبغي أن تكون الاستثمارات الأميركية جزءاً من سياسة عراقية قائمة على تنويع الشركاء، فلا يكون العراق رهينة لطرف دولي واحد، وإنما ينفتح على الجميع وفق معيار واحد هو: ماذا يقدم هذا الشريك للعراق؟ فالدبلوماسية الناجحة هي التي تحول الموقع الجغرافي للعراق إلى نقطة توازن لا إلى ساحة صراع.
ويبقى نجاح الزيارة مرهوناً بقدرة الحكومة على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع واقعية يلمسها المواطن العراقي. فالناس لا تنتظر بيانات دبلوماسية بقدر ما تنتظر كهرباء مستقرة، وفرص عمل، ومدارس ومستشفيات، واستثمارات حقيقية، واقتصاداً أكثر تنوعاً، وأمناً يرسخ هيبة الدولة.
إن لقاء الزيدي وترامب يمثل فرصة مهمة لإعادة تعريف العلاقة العراقية الأميركية بما يخدم العراق أولاً. فإذا خرجت الزيارة باتفاقات تعزز السيادة، وتطور الاقتصاد، وتدعم أمن الدولة، وتجذب الاستثمارات النوعية، فإنها ستكون محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين. أما المعيار الحقيقي الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع، فهو بسيط وواضح: كل ما يعزز قوة الدولة العراقية ويحقق رفاه شعبها هو مكسب وطني يستحق الدعم، وكل ما يبتعد عن هذه الغاية يبقى مجرد عنوان سياسي لا يغير من واقع العراقيين شيئاً.