|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  15 / 10 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

سيادة على الورق وغذاء مستورد

نوري حمدان
(موقع الناس)

لا يحتاج المواطن إلى قراءة بيان عن سعر الصرف كي يعرف أن قيمة ديناره انخفضت. تكفيه زيارة السوق، أو مقارنة ما يحمله إلى البيت بما كان يشتريه بالراتب نفسه. هناك، عند بائع البيض واللحوم والخضراوات، تظهر السياسة الاقتصادية في صورتها الأكثر وضوحًا: مبلغ ثابت في اليد، وحاجات تتزايد كلفتها، وأسرة تعيد توزيع النقص بين الطعام والعلاج والتعليم. ومن هذه المسافة بين أرقام الحكومة ومائدة المواطن، يبدأ السؤال عن السيادة: أي قدرة للدولة على القرار إذا كانت معالجة اختلالاتها المالية تضيق حياة الناس، ثم تعيد ربط غذائهم بتسهيلات تمنح للاستيراد؟

خفض قيمة الدينار، الذي رفع سعر الدولار للمستفيد النهائي إلى 1520 دينارًا، لا يغير رقمًا في نافذة المصرف فحسب. إنه يعيد توزيع القوة الشرائية بين من يملك الدولار ومن يتقاضى دخله بالدينار، وبين خزينة تحصل على دنانير أكثر مقابل إيراداتها الدولارية وأسرة تشتري بهذه الدنانير سلعًا ترتبط كلفتها بالخارج. وقد يقال إن التعديل يساعد الإنتاج المحلي على منافسة المستورد. لكن هذه الحجة تحتاج إلى اختبار في القرارات التي تتخذ بعده، وفي الشروط التي يعمل فيها المنتج العراقي، لا إلى تكرارها بوصفها نتيجة مضمونة لكل تخفيض للعملة (1).

هنا يبرز قرار إعفاء المواد الغذائية والأدوية المستوردة من الرسوم الكمركية، المعلن ضمن قرارات جلسة مجلس الوزراء في الثالث عشر من تشرين الأول 2026، على أن يبدأ تطبيقه من السابع من الشهر نفسه. الغاية المعلنة هي حماية الأمن الغذائي والصحي وتخفيف الأعباء عن المواطنين. وهي غاية لا يجوز الاستخفاف بها؛ فالأسرة لا تستطيع انتظار موسم إنتاج جديد أو اكتمال إصلاح اقتصادي حتى تحصل على طعامها ودوائها. غير أن مشروعية الغاية لا تعفي الحكومة من تفسير علاقتها بسائر سياساتها، ولا من بيان كلفة الوسيلة التي اختارتها وحدود استخدامها (2).

تبدو المفارقة مباشرة: تطالب الدولة بزيادة إيراداتها غير النفطية، ثم تتنازل عن مورد كمركي في قطاع واسع من المستوردات؛ وتقدم خفض الدينار باعتباره فرصة للمنتج الوطني، ثم تفتح للمنافس المستورد بابًا أقل كلفة. لا يعني ذلك أن كل إعفاء خطأ، أو أن حماية الإنتاج تستوجب ترك المستهلك تحت ضغط الغلاء. لكنه يعني أن الحكومة مطالبة بإظهار السياسة التي تجمع هذه الإجراءات، وتحديد من يتحمل كلفتها ومن يحصل على منفعتها. فجمع قرارات متجاورة في بيانات رسمية لا يصنع وحده برنامجًا اقتصاديًا متماسكًا.

وتضيف تصريحات وزارة التجارة تفصيلًا يستحق التوقف. فقد ميزت بين التعبير الشائع عن إلغاء التعريفة وبين تأجيل استيفائها، وأعلنت أن فتح استيراد اللحوم والدواجن وبيض المائدة من دون الأعباء المشار إليها سيساعد على خفض الأسعار خلال الأسبوع المقبل. كما ذكرت أن طبقة البيض تباع في منافذ التعاون بخمسة آلاف وخمسمئة دينار، مع توقع انخفاضها لاحقا. هذه وعود قابلة للقياس، لكنها تظل توقعات إلى أن تظهر أسعار البيع الفعلية ومدى انتشارها واستمرارها (3).

والفارق بين الإعفاء وتأجيل الاستيفاء ليس مسألة لغوية. فالأول قد يسقط عبئًا عن مستوردات مشمولة ضمن شروط محددة، بينما قد يعني الثاني تغيير موعد التحصيل مع بقاء الالتزام، تبعًا للنص التنفيذي. ولا يكفي تصريح صحفي لحسم الأثر القانوني. لذلك يتعين نشر القرار وتعليماته، وبيان مدته والسلع المشمولة وكيفية التعامل مع الشحنات الداخلة منذ تاريخ النفاذ المعلن. وكل غموض هنا يربك التسعير، ويضعف القدرة على معرفة ما إذا كانت الخزينة فقدت إيرادًا نهائيًا أم أخرت تحصيله، وما إذا كانت الكلفة ستعود لاحقًا إلى السوق.

أما التناقض المالي، فيبدأ من طريقة فهم الإيرادات غير النفطية. فالكمارك أحد مواردها، لكن زيادتها ليست غاية منفصلة عن التشغيل والإنتاج ومستوى المعيشة. قد يكون التنازل المؤقت عن جزء منها مبررًا إذا منع أزمة غذاء أو خفف ضررًا واسعًا. المطلوب، مع ذلك، حساب معلن: كم تبلغ الإيرادات المتوقع عدم تحصيلها؟ وما مقدار الانخفاض المتوقع في أسعار المستهلك؟ وهل تصل المنفعة إلى العائلات أم يتسع بها هامش الربح في حلقات الاستيراد والتوزيع؟ من دون هذه المقارنة، تصبح الخزينة طرفًا يتنازل عن مورد لا يعرف المجتمع مقابل تنازله.

ولا يمكن اعتبار زيادة الدنانير المتحصلة من بيع الدولار النفطي تنويعًا لموارد الدولة. إنها زيادة في المقابل المحلي للمورد نفسه، مع بقاء أصل الاعتماد على النفط. التنويع الحقيقي يتطلب نشاطًا ينتج قيمة وفرص عمل وقاعدة إيرادات مستدامة، وإدارة تحصيل تقلل التهرب وتمنع الامتيازات الانتقائية. فإذا استبدلت الدولة هذا المسار بإضعاف العملة لتغطية حاجاتها العاجلة، ثم خففت بعض الرسوم لامتصاص الغلاء، فإنها تدور حول الأزمة المالية والاجتماعية من دون أن تثبت أنها قللت أسبابها البنيوية أو وسعت قدرتها على مواجهتها مستقبلًا.

وأشد ما يستحق المساءلة أن المواطن قد يتحمل هذه الدائرة مرتين. يتحمل أولًا ارتفاع كلفة المستوردات مع الدولار الأعلى، ثم قد يتحمل لاحقًا آثار نقص الموارد العامة إذا عولج بتقليص الخدمات أو بفرض أعباء أخرى. ولا يعني هذا أن النتيجة حتمية، بل إنه خطر ينبغي إدخاله في الحساب قبل إعلان نجاح المعالجة. فالسياسة التي تخفض سعر سلعة اليوم، ثم تضيق التمويل المتاح للصحة أو التعليم غدًا، لا يمكن تقييمها من لافتة سعر واحدة. موازنة الدولة وموازنة الأسرة تتداخلان في حياة المواطن نفسه.

أما التناقض الإنتاجي، فيحتاج إلى قراءة تتجاوز الشعار. خفض قيمة العملة قد يرفع السعر النسبي للسلعة المستوردة، فيمنح المنتج المحلي مساحة للمنافسة. لكنه لا يبني مزرعة، ولا يشغل مصنعًا متوقفًا، ولا يوفر كهرباء مستقرة أو قرضًا ميسرًا. وقد ترتفع كلفة المنتج العراقي نفسه إذا اعتمد على أعلاف أو بذور أو أدوية بيطرية أو معدات وتعبئة مستوردة. لذلك لا يستطيع المنتج الاستفادة من فرصة سعرية مفترضة إلا إذا كانت لديه قدرة فعلية على التوسع، وكانت زيادة إيراداته تغطي ارتفاع مدخلاته ومخاطر عمله.

وعندما تخفض الحكومة الأعباء على السلعة المستوردة الجاهزة، بينما تبقى كلفة مستلزمات الإنتاج المحلي مرتفعة، فإنها قد تضيق الفرصة التي تحدثت عنها عند تخفيض الدينار. هنا يقع الامتحان العملي لحجة دعم المنتج الوطني. فهل شملت المعالجة مدخلات الإنتاج؟ وهل جرى تقدير أثر فتح الاستيراد على المربين والمزارعين والمنشآت القائمة؟ وهل توجد خطة تمنع خروج المنتجين القادرين على الاستمرار؟ الأسئلة لا تدعو إلى حماية أرباح مضمونة لأي منتج، بل إلى تجنب سياسة تجعل الاستثمار في الاستيراد أسرع وأوضح عائدًا من الاستثمار في الإنتاج.

ومع ذلك، لا يصح الجزم بأن الإعفاء الكمركي يمحو أثر خفض العملة كله. فالكلفة النهائية تتكون من سعر المنشأ وسعر الصرف والنقل والتأمين والرسوم وهوامش التوزيع، وتختلف هذه العناصر بين سلعة وأخرى. كما أن ارتفاع سعر الدولار بنسبة معينة لا يعني ارتفاع كل أسعار التجزئة بالنسبة نفسها، وإزالة رسم لا تضمن انخفاض السعر بمقداره. النقد الدقيق يقول إن الحكومة تتحرك بأداتين قد تتعاكسان في أثرهما على المنافسة، ويطالبها بنشر حساب الأثر الصافي بدل الاكتفاء بإعلان منفعة كل أداة منفردة.

ومن حق المستهلك أن يحصل على غذاء ميسور، ومن حق العامل في مشروع محلي أن يسأل عن مستقبله. فالمستهلك والمنتج ليسا مجموعتين منفصلتين دائمًا؛ العامل الذي يشتري البيض الرخيص قد يكون دخله مرتبطًا بمزرعة أو منشأة تتضرر من استيراد غير منظم. وإذا خسرت الأسرة مورد رزقها، فلن يعوضها انخفاض محدود في بعض الأسعار. لهذا تحتاج السياسة العامة إلى موازنة الزمنين: تخفيف ضغط المعيشة فورًا، والمحافظة على قدرة الاقتصاد على توفير الدخل والغذاء في الأشهر والسنوات التالية.

ولا تعني السيادة الغذائية أن ينتج العراق كل ما يستهلكه مهما بلغت الكلفة، أو أن يغلق حدوده أمام التجارة. إنها تعني امتلاك قدرة محلية معتبرة في السلع الحيوية، وتنويع مصادر ما يحتاج إلى استيراده، والاحتفاظ بخيارات عند الأزمات. فإذا تحولت الاستجابة لكل موجة غلاء إلى توسيع الاستيراد وحده، فقد يصبح استقرار المائدة معتمدًا بصورة أكبر على توافر الدولار وأسعار الخارج وسلامة طرق النقل. وعندئذ تتراجع مساحة القرار حتى لو بقيت صلاحية إصدار القرارات كاملة من الناحية الشكلية.

ويحتاج وعد خفض الأسعار إلى آلية تضمن انتقال التوفير إلى المستهلك. فقد يتنازل المال العام عن مورد، بينما يحتفظ بعض الوسطاء بالتوفير أو بجزء منه. ولا يصح افتراض ذلك من دون بيانات، كما لا يصح افتراض انتقال المنفعة تلقائيًا. المطلوب مقارنة أسعار الاستيراد والجملة والتجزئة قبل التطبيق وبعده، مع مراعاة تغير الدولار والكلف الأخرى. ونشر هذه المقارنات أسبوعيًا، للسلع نفسها وبمواصفات متقاربة، يتيح معرفة ما إذا كانت السياسة قد خففت العبء، وأين توقفت فائدتها داخل سلسلة التداول.

أما القول إن المواطن يستطيع الانتقال إلى منفذ أرخص إذا وجد سعرًا أعلى، فيفترض أن البدائل متاحة وقريبة وأن كلفة الوصول إليها محدودة. وهذا لا ينطبق بالتساوي على الأحياء والمحافظات والأسر. فقد يستهلك النقل جزءًا من فرق السعر، وقد يعجز المسن أو المريض عن التنقل، وقد لا يمتلك صاحب الدخل اليومي سيولة تسمح بشراء كمية أوفر. لذلك لا يكفي نجاح منفذ تسويقي بعينه للحكم على وضع السوق كلها. معيار الحماية هو قدرة الفئات الأضعف على الوصول الفعلي إلى السلع، لا وجود سعر منخفض في موقع محدد.

ومن هنا يمكن بناء استجابة أكثر اتساقًا: تسهيلات استيراد محددة المدة والسلع عند ثبوت النقص أو الارتفاع الحاد، مع موعد مراجعة واضح ومؤشرات معلنة. وبالتوازي، تخفيف اختناقات الإنتاج المحلي في الطاقة والتمويل والنقل والمدخلات، وربط الدعم بتحسن قابل للتحقق في الكميات والجودة والكلفة. وعند توافر بيانات موثوقة، يمكن ضبط توقيت الاستيراد وكمياته بما يسد الفجوة ويمنع الاحتكار، مع تجنب الإغراق الذي يهدم قدرة إنتاجية يحتاج إليها البلد بعد انتهاء الإجراء الطارئ.

وتحتاج حماية المعيشة أيضًا إلى أدوات تصل مباشرة إلى المتضررين، عبر قنوات الدعم القائمة بعد تحسين استهدافها وانتظامها. فالإعفاء العام يمنح المنفعة لمن يشتري كثيرًا ولمن يشتري قليلًا، ولا يضمن وحده حماية من تآكل دخله أكثر. وعلى الحكومة أن تقارن كلفته ببدائل الدعم، وأن تشرح اختيارها. كما ينبغي أن تشمل المراجعة توزيع العبء بين أصحاب الدخول الثابتة وأصحاب الأصول الدولارية، لأن عدالة السياسة جزء من قدرتها على كسب الثقة والاستمرار، وليست قضية مؤجلة إلى ما بعد إغلاق الحسابات المالية.

وفي ملف السيادة، لا ينبغي الاكتفاء بعدّ القرارات أو جمع عباراتها عن الأمن الغذائي وتشجيع الصناعة. ينبغي تتبع نتائجها: ما الذي حدث لأسعار سلة الغذاء؟ وما الذي تغير في كميات الإنتاج والتشغيل؟ وكم بلغت الإيرادات المتروكة؟ وكيف تطورت الحاجة إلى الدولار للاستيراد؟ هذه الأسئلة تحول السيادة إلى موضوع يمكن فحصه. وقد تثبت البيانات أن إجراءً استثنائيًا نجح في حماية المواطنين من دون إضعاف الإنتاج، وقد تكشف العكس؛ وفي الحالتين تكون المحاسبة أقوى حين تستند إلى نتائج منشورة.

إن الدولة التي تطلب من مواطنيها تحمل كلفة خفض العملة مطالبة بأن تقدم لهم تفسيرًا متماسكًا لما يأتي بعده. فإذا كان الهدف تشجيع المنتج المحلي، فأين شروط هذا التشجيع؟ وإذا كان الهدف زيادة الموارد، فما حساب التنازل عن الكمارك؟ وإذا كانت الأولوية إنقاذ القوة الشرائية، فما الضمانة أن يصل التوفير إلى من يحتاجه؟ لا تختصر الإجابة في تأكيد حسن النيات، بل في برنامج يربط السياسة النقدية والمالية والتجارية بحياة الناس وقدرة البلد على الإنتاج.

السيادة تبدأ من قدرة العراقي على إطعام أسرته بكرامة، ومن قدرة العامل والمزارع والصناعي على التخطيط لعمل لا تبدده القرارات المتقلبة. وفي غياب هذا الترابط، قد تتكاثر بيانات دعم الإنتاج فيما تتوسع أبواب الاستيراد، وتزداد الدنانير في حساب الخزينة فيما تضيق قيمتها في يد المواطن. عندها يصبح السؤال الذي تفرضه المائدة على السياسة: كم من استقلال القرار يبقى لدولة تعالج ضعف عملتها بتسهيل شراء غذائها من الخارج، من دون أن تبني طريقًا واضحًا لتقليل هذا الاعتماد؟


المصادر:
1. وكالة الأنباء العراقية، البنك المركزي يحدد سعر بيع الدولار عند 1520 دينارًا، بيان أسعار الشراء من وزارة المالية والبيع إلى المصارف والمستفيدين. https://ina.iq/en/economy/52665-cbi-sets-dollar-selling-rate-at-1520-dinars.html
2. المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، إعلان إعفاء المواد الغذائية والأدوية المستوردة من الرسوم الكمركية ابتداء من 7 تشرين الأول 2026، منشور 13 تشرين الأول 2026. ونقلته زاكروس في 14 تشرين الأول 2026: https://zagrosnews.net/ar/news/92860
3. أخبارنا 24، التجارة أسعار اللحوم والدواجن والبيض ستنخفض خلال الأسبوع المقبل، 15 تشرين الأول 2026، نقلًا عن لمى الموسوي. https://akhbaruna24.com/2026/10/15/التجارة-أسعار-اللحوم-والدواجن-والبيض/

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter