| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 13 / 10 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
من الشراكة الأمنية إلى الاقتصادية: أين حصة العراقيين؟
نوري حمدان
(موقع الناس)حين يُطرح انتقال العلاقات العراقية الأميركية من المجال الأمني إلى الاقتصاد والمصالح المشتركة، فإن السؤال الوطني لا يقف عند طبيعة العنوان الجديد، بل يتجاوز ذلك إلى مضمون العلاقة: ماذا سيكسب العراق، ومن سيحصد ثمار هذه الشراكة؟ هل تنعكس على حياة العامل والفلاح والخريج العاطل، أم تنتهي أرباحاً تتقاسمها الشركات الكبرى وحلقات الوساطة والنفوذ؟
الانتقال إلى شراكة اقتصادية لا تثبته زيارات المسؤولين ولا لغة البيانات الدبلوماسية. ما يثبته هو اتفاقات معلنة، ومشاريع قابلة للتنفيذ، والتزامات واضحة يمكن مراقبتها ومحاسبة المقصرين فيها. أما الحديث عن "المصالح المشتركة" فيبقى ناقصاً ما لم نعرف كيف تُوزَّع المنافع، ومن يتحمل الكلفة، وما الضمانات التي تمنع تحويل حاجة العراق إلى التنمية إلى وسيلة ضغط على قراره الوطني.
كما أن جدوى الاستثمار تُقاس بما يضيفه إلى قدرة المجتمع على الإنتاج، وبكيفية توزيع عوائده. فحجم الأموال الداخلة وحده لا يكفي للحكم على نجاح الشراكة. الأهم هو عدد الوظائف المستقرة التي تخلقها، ومستوى الأجور، وحقوق العمال، وحصة الاقتصاد المحلي من مشترياتها، وما تتركه وراءها من معرفة وتكنولوجيا.
لهذا ينبغي أن تكون الأولوية لتطوير الصناعات التحويلية، وربط النفط والغاز بسلاسل إنتاج محلية، وتدريب الكفاءات العراقية. وتحتاج هذه الأولوية إلى سياسة صناعية تقودها الدولة، بعقود تشترط نقل المعرفة بنسب ومواعيد قابلة للتحقق، وتمنع أن يصبح "التشغيل المحلي" وعداً دعائياً. كما ينبغي دعم القطاع العام المنتج وتطويره، وفتح المجال أمام المبادرات الخاصة والتعاونية ضمن أهداف تنموية واضحة.
أما حصر السلاح بيد الدولة فهو ضرورة لبناء سلطة عامة مسؤولة أمام مواطنيها، وله أثر مباشر في حماية النشاط الاقتصادي من الابتزاز وفرض الإتاوات. لكن اختزال أزمة الاستثمار في هذا الملف وحده يعفي مؤسسات الدولة من مسؤوليات أخرى: مكافحة الفساد، واستقلال القضاء، واستقرار التشريعات، وتوفير الكهرباء والبنى الأساسية، وضمان شفافية العقود.
والاستقرار الذي نحتاجه يجب أن يشعر به المواطن أيضاً. لا معنى لبيئة آمنة لرأس المال إذا ظل العامل مهدداً بالفصل، أو بقيت المجتمعات المحلية تتحمل التلوث وشح الخدمات. الدولة القوية تحمي الاستثمار المشروع، وتحمي في الوقت نفسه حق الناس في التنظيم النقابي والاحتجاج السلمي والمطالبة بنصيب عادل من الثروة.
وتبقى السيادة هي الاختبار الأهم. فالتعاون مع الولايات المتحدة، كما مع أي دولة أخرى، ينبغي أن يخضع لخطة عراقية تحدد الاحتياجات والأولويات. تنويع الشركاء يمنح بغداد مساحة أوسع للتفاوض، لكن هذه المساحة لن تُستثمر من دون مؤسسات كفوءة ورقابة برلمانية ومجتمعية، وإعلان شروط الاتفاقات الكبرى للرأي العام.
العراق بحاجة إلى التكنولوجيا والاستثمار والأسواق، وبحاجة بالقدر نفسه إلى امتلاك قراره الاقتصادي. والشراكة التي تستحق التأييد هي التي تزيد قدرته على الإنتاج، وتحسن الخدمات، وتصون حقوق العاملين، وتقلل ارتهانه للخارج.
عندها فقط يصبح للتحول الاقتصادي معنى وطني واجتماعي. أما إذا تغيّر عنوان العلاقة وبقي العراقيون خارج حساب أرباحها، فسيكون من حقهم أن يسألوا: شراكة لمصلحة مَن؟