|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  11 / 1 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يتناول المقال تصاعد الجدل حول ملف الضرائب في العراق، عقب قرار رفعها إلى 30٪، وما أثاره من احتجاجات في بغداد والموصل. ويركز على تداعيات القرار الاقتصادية والاجتماعية، وينتقد السياسات الحكومية المرتبكة التي تزيد الأعباء على المواطنين وتهدد الاستقرار الاقتصادي.

الضرائب حين تتحول إلى شرارة غضب

نوري حمدان
(موقع الناس)

يتّسع ملف الضرائب في العراق على نحو لم يعد من الممكن تجاهله، لا في أروقة الاقتصاد ولا في الشارع العام. فحين تخرج الاحتجاجات من الموصل إلى بغداد، وحين يقف التجار أمام غرفة تجارة العاصمة رافضين قرار رفع نسبة الضرائب إلى 30 بالمئة، فإن الرسالة تصبح أوضح من أن تُفسَّر أو تُؤوَّل.

الضرائب، في أي دولة مستقرة، أداة تنظيم وعدالة مالية، لكنها في العراق باتت تُستَخدم كحلٍّ سهل لأزمة مركّبة، تُدار بعقلية الجباية لا بعقلية الإصلاح. فالقرار الأخير لا يفرض أعباءً على التجار فحسب، بل يفتح سلسلة من التداعيات تبدأ من ارتفاع الأسعار ولا تنتهي عند تآكل القدرة الشرائية للمواطن، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وغياب الثقة بين الدولة والسوق.

ما يثير القلق ليس رقم النسبة بحد ذاته، بل السياق الذي جاء فيه. سياق سياسات اقتصادية مرتبكة، تُتخذ فيها القرارات بمعزل عن التشاور الحقيقي مع الفاعلين في السوق، وبدون دراسة أثرها الاجتماعي، وكأن المطلوب هو سدّ فجوة مالية آنية، ولو على حساب الاستقرار الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي.

الاحتجاجات التي شهدتها بغداد والموصل مؤشر على تراكم غضب صامت. فالتاجر الذي يحتج اليوم، سينقل عبء الضريبة غدًا إلى المستهلك، والمواطن الذي يُثقل كاهله الغلاء، سيجد نفسه أمام معادلة قاسية: دخل ثابت مقابل أسعار متصاعدة، في ظل خدمات عامة لا ترقى إلى حجم ما يُدفع من ضرائب ورسوم.

المشكلة الأعمق أن هذه القرارات تصدر عن طبقة سياسية فشلت، مرارًا، في إدارة الدولة، ومع ذلك لا تزال تصرّ على المضي في النهج ذاته، وكأن الفشل أصبح سياسة، لا نتيجة. فلا إصلاح ضريبي حقيقي من دون إصلاح إداري، ولا عدالة مالية من دون محاربة جدية للفساد، ولا ثقة بالسوق دون شفافية في الإنفاق العام.

إن ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الاستماع، لا على الفرض. فالدول لا تُدار بالأرقام المجردة، بل بفهم الواقع الاجتماعي، واحترام حدود الاحتمال لدى الناس. وحين تتحول الضرائب من أداة تنظيم إلى شرارة غضب، فإن الخلل لا يكون في الشارع، بل في القرار.

الكرة اليوم في ملعب من يملك القرار: إما مراجعة جادة، وحوار مسؤول، وسياسات تراعي الواقع، أو الاستمرار في نهج يوسّع الفجوة بين الدولة ومواطنيها.. حتى تصبح الاحتجاجات قاعدة لا استثناء.
 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter