| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 29 / 11 / 2015 مسلم يعقوب يوسف كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
حكاية من خوالي الايام
مسلم يعقوب يوسف
(موقع الناس)كنت طالبا في الصف السادس الابتدائي . وكان درسا العلوم والتربية الوطنية شاغرين ، بدون معلم ، حين دخل علينا مدير المدرسة . وبعد القيام والجلوس ، اخبرنا ان مشكلة الشاغر قد حلت . وان معلما قد جاء نقلا من مدرسة اخرى ، وسوف يباشر في المدرسة ، ابتداء من الاسبوع القادم . الى هنا والحكاية طبيعية . ذلك ان مدير المدرسة اراد ان يبدد قلقنا ، على اعتبار اننا في صف منته ، وان الامتحان الوزاري يحتم ضرورة اكمال المناهج الدراسية ، وان ابن مدير الناحية كان احد تلاميذ الصف .
الذي حدث ان دخل علينا الى الصف بعد ذلك رجل طويل جدا نحيف القوام ، وكان يبدو انه سينكسر لطوله ونحافته . وابتدأ شعره بالتساقط فبدا نصف اصلع . وكان ذا شاربين كثيفين يتدليان حتى يغطيان فمه وتتوغل نهايتهما فيه وتتبللان لعابا اثناء الكلام . اما عيناه فبدتا حمراوين عرفت فيما بعد انهما من فعل شرب الكحول الذي كان يتعاطاه اثناء الدوام وبعده . كان يحمل بيده عودة خيزران طويلة يزيد طولها على المتر . وراح يخطب فينا خطبة لست اتذكر من تفاصيلها سوى التهديد والوعيد بل والتجاوز بكلمات الشتيمة العامة غير المحددة وغير الموجهة لاحد محدد بل لكل من لا يدرس ولا يطيع الاوامر!! .
حين خروجنا من الصف بعد انتهاء الدرس اسر لي صديقي الحميم وزميلي في الصف ورفيق صباي عدنان حسين :
- اتعرف الرجل ؟ انه كمال الطويل . ابن عم ابي . وراح يحكي لي عن الاستاذ كمال الطويل ، ما جعلني اقلق منه حقا :
- هذا الرجل مدمن خمرة . ولقد جاء منقولا من مدرسته في الهور بعقوبة . ولكن مدير الناحية حوّله الى مدرستنا . لان ابنه معنا في الصف .لكنه سيتفاجأ باخلاقه وسيحاول نقله او استبداله . ثم اضاف عدنان :
- سأقول لك كلاما ويبقى سره بيننا اتقسم لي ؟
- انت تعرفني !
- العام الماضي تزوج الاستاذ كمال من ابنة عمه نادرة ابنة الحاج سالم الثري المعروف ومنذ الليلة الاولى هربت الى بيت ابيها رافضة العودة له . وحين سألها اهلها عن السببب اجابت :
- اخاف من شاربيه . ولن اعود له حتى لو حلقهما . يبدو ان وراء خوفها منه سببا اخر كما يدور من حديث بين افراد العائلة . ولم يكن عدنان يدرك بسبب صغر عمره ، ما يكون السبب الذي يجعل فتاة تهرب من زوجها ليلة زفافها . ولم ادرك انا ايضا . بل راحت مخيلتنا الطفولية الواسعة تتسع اكثر فاكثر بحسب ادراكنا . سألته :
- او لم يحاول استعادة نادرة الجميلة ؟. كنا في بداية بلوغنا المبكر . وكنا لا نعرف معنى لرجل تتركه زوجته الشابة الجميلة الا معنى واحد هو الشذوذ .
- كلا . وقد تقبل الامر ببساطة . يبدو انه ارتاح للامر . حتى يشرب براحته .
وفي الحصة التالية دخل علينا السيد كمال الطويل وبيده خيزرانته التي اعتدنا منظرها فيما بعد . وراح ينظر بتمعن في وجوه التلاميذ . قال لتلميذين الاول واسمه مفيد والاخر اسمه محمد ان يأتيا يوم الجمعة الى مرسم المدرسة . ثم راح يجول في الصف . ثم اشار لي يعد ان راح ينظر في وجهي طويلا وقال :
- انت تأتي معهما . كان الامر مفزعا هز كل كياني . ولكن من كان يستطيع ان يقول للضبع انت تأكل الفطائس .
اعرف وبحسب مخيلتي الطفولية ، واستنادا الى معطيات حديث صديقي عدنان لماذا اختارهما ولكني لا اعرف لماذا اختارني انا ، وللان لا ازال لا اعرف . بل ربما اعزو السبب الى خوفي المفرط مما سيحدث لهما ، فالفيلسوف بوذا يقول "ما تفكر فيه تجذبه لنفسك " . اذ كان مفيدا من اجمل طلاب المدرسة قاطبة . واما محمد فيليه في الجمال واما انا ، فربما اختارني للتمويه او شيئا من هذا القبيل . ولست جميلا بالشكل الذي يغري ، هذا ان كان يقصد الشيء الذي كان يدور في مخيلتي .
في يوم الجمعة ذهبت الى مرسم المدرسة وكانت غرفة صغيرة تقبع في مؤخرة القسم الاداري من المدرسة . كنت ذهبت متأخرا ليس كعادتي لاني كنت احترم الواجبات المدرسية وقد كنت الناجح الاول في جميع السنوات السابقة وكنت حريصا على الدوام جيدا . اخرت نفسي متعمدا اجر رجلي على الارض جرا لانني كاره المهمة وخائف مما سيأتي بعدها .
حين دخلت غرفة المخزن او المرسم كما يحلو للسيد كمال ان يسميه وجدته في وضع بدا لي وضعا غير مؤدب - ربما لحساسيتي المفرطة بسبب نشأتي العائلية او بسبب من حديث عدنان معي - .
كان قد صف مفيد ومحمد جنبا الى جنب فيما ادخل هو رأسه بين حوضيهما المترفين مما يعلو وركيهما والثلاثة يضحكون - هو والطفلان - اما انا فاستغل تأخري ذريعة ليطردني بسبب نظرة الارتياب البادية على وجهي امام المنظر الذي رأيته بشعا . قال لي :
- لماذا تتأخر ولا تحترم الواجب ؟ اذهب وانقل لنا قطع الطابوق الموضوع هناك في ساحة المدرسة لاننا نحتاجها في المرسم . ولا ادري ما هي حاجة المرسم الى قطع الطابوق . ولكني انصعت للامر وقمت بنقل الطابوق من ساحة المدرسة الى زاوية تبعد عن المخزن مسافة خمسة امتار ولا تشرف على ما يحدث بداخله . كان الامر اشبه بالاشغال الشاقة بالنسبة لطفل صغير في شهر تشرين الثاني البارد . كان الطابوق من نوع الفرشي كبير الحجم كان يستخدم في تغليف السطوح انذاك .
كان قد امرني ان انقل الطابوق كله ، وهو كثير ، بما يعني ان اقضي ايام الجمع كلها دون توقف . اذ كان المعلم الها يأمر ولا يُعصى له طلب ولا يناقش لانه خارج الميول والاتجاهات .
كان السيد كمال يأتينا بدرسي العلوم والتربية الوطنية . وكنت اخاف اضافة لخيزرانته الحادة التي بضرب بها بعشوائية العصبي المستهتر السكير . كنت اخشى الرسوب في درسيه . وبالفعل فقد كانت درجتا المعدل الاول هما 27 في العلوم و 26 من مائة درجتي في الوطنية في الشهر الاول والثاني . ان الظلم ليس بجديد وهو ازلي . وصحيح اني شعرت بالاحباط لكن ما كان يطمئنني ان الدخول للامتحان الوزاري يتقبل الاكمال بدرسين . وما هي الا هذا العام وسأنتقل الى المتوسطة . و سأخلص من هذه المشقة التي اسمها الاستاذ كمال المدمن المعقد .
من طبيعتي لا ادخل اهلي في مواضيع كهذه . ذلك اني ارى الموضوع مثله مثل كل المواضيع المعقدة لا يمكنك ان تجعل المقابل يفهمك بسهولة .ولو اخبرت اهلي فكيف لي ان اقنعهم بان ما فعله السيد كمال يخصني وحدي ؟ ولماذا انا لا غيري ؟ وانا لا اتمتع بجمال مفيد او محمد ؟ . المسائل العويصة تترك للظروف والمصادفات . فكما جلبتني الصدفة لهذا الاذى ، فان صدفة اخرى قد تخلصني منه او الاكمال وهو اقسى الحلول .
كان اخي الكبير معلما هو الاخر وهو يعرف السيد كمال جيدا ولكني لم اجعله يتدخل في ذلك ربما لان كمال لا يعرف عني شيئا ، كما و اني احب ان احل مشاكلي بنفسي . هكذا هي نشأتي وهكذا خلقت مني الظروف . رجلا صغيرا .
قد يسال القارئ الذكي : وماهي علاقة الاستاذ كمال بالمرسم ؟ وماذا يرسم ؟ ولم ؟.
الجواب هو ان مدارس الناحية دأبت كل عام ان تقيم اسبوعا للنشاط الفني والمدرسي . تبذل فيه كل الجهود الابداعية للطلاب باشراف وارشاد معلم الفنية . وكان معلم الفنية في المدرسة الاستاذ يوسف ولم تكن للاستاذ كمال اي علاقة بالموضوع . بل اراد ان يتدخل لغرض في نفس يعقوب بحجة نقل خبراته السابقة في مدارس الارياف .
وهنا لابد لي ان اعرج على السبب الذي ادى الى عقوبة نقل السيد كمال . فهو في نهاية كل اسبوع كان يركب خلسة في احد لوريات النقل الذاهبة من والى المدينة . و بعد ان يشتري مشروب اسبوع كامل ، يعود خلسة ويصعد في احد اللوريات التي يعرف انها ستعود الى الهور الى حيث تقبع مدرسته . ولكنه في هذه المرة قد اكثر من الشرب ونام . ولم يصل للمدرسة الا بعد ثلاثة ايام لان السائق اتجه وجهة اخرى . وحين حضر للمدرسة كان مخمورا كعادته مما دعا المدير للكتابة عليه بغية نقله وهذا ما كان .
اسبوع النشاط الفني يعقد في واحدة من مدارس الناحية بداية شهر نيسان على ما اتذكر .
كان الاستاذ يوسف مدرس الفنية فنانا حقيقيا . كان دمث الاخلاق ، يشهد على ذلك مرسمه الشخصي الخاص الذي يرسم فيه لوحاته الجميلة . وكان الناس المهتمون بالفن يترددون على مرسمه . وكان بعضهم يقوم بشراء لوحاته الخاصة . وكان الاستاذ يوسف ينجز في كل عام معرضا فنيا يليق بالجائزة الاولى على عموم الناحية . وهذا العام كان سينجز المركز الاول لو تمت العملية دون تدخل السيد كمال في افشال الامر . وملخص ذلك ان كمالا هذا كان قد دخل المدرسة مخمورا تماما حين سمع مدير المدرسة يمدح بالاستاذ يوسف . كان يقول :
- الله ينطيه الاستاذ يوسف . سوف يرفع راسنا عاليا كما رفعه في السنوات الماضية . فانتفض الاستاذ كمال مثل ثور هائج على وقع كلمات مدير المدرسة . وقام بتكسير كل التحف الفنية الجميلة . ومزق اللوحات قائلا :
- نسيت دوري انا يا ابن الكلب . وكاد يضرب المدير لولا تدخل الحضور من المعلمين والفراشين .
فقام مدير المدرسة بالكتابة عن الحادث . وقامت لجنة تحقيقية بنقله واعادته الى الهور من حيث عاد . وقد يحالفني الحظ لاكتب عما جرى بعد ذلك للاستاذ كمال فقد عرفته جيدا ، وعرفت عائلته .
ملاحظة : الاسماء التي ذكرتها وهمية .