|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الجمعة  1 / 11 / 2013                                  مسلم السرداح                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

هروب الى منفى

 مسلم يعقوب السرداح

انا نادم لاني اجلت الكثير من الرغبات . كنت دائما ما اؤجلها على امل ان تتحسن الظروف المحيطة بي . وفي الحقيقة فان ظروفي كانت تحتم ذلك . تلك الظروف التي صادفتها حياتي . ورغم ذلك فانا اتحمل وزر التأجيل المتتالي المستمر مرة بعد مرة . وفي كل مرة اقول انني سوف احقق ذلك في المرة القادمة او المرات القادمة . وكنت اعتقد ان في العمر متسع من الوقت لتحقيق ذلك . بل اني لا اتذكر اني فكرت في ذلك بل ولم يكن يهمني من بعيد او قريب . ويعود السبب في عدم تفكيري الى ذلك النشاط والقوة التي يمتلكها العمر والتي تأفل تدريجيا مع السنين والتي تشبه الضوء الذي تنتجه الشمعة في بداية توهجها ، والذي لا يشبه ضوءها القادم عبر الزمن الاتي بعد ذلك .

انتحلت الاسماء كلها وعبرت بلاد الشرق المحيطة ببلادي معظمها . وذلك في سبيل الخلاص والخروج من محنتي لكي احقق رغبتي في الخروج من مأزق الموت ، في عالم موبوء بالارادات المتباينة . فمرة اصير عمرا واخرى عليا وثالثة اصير توما او جورج او كاكا ، او محمدي او محمد نور ، او محمد علي وهو اسمي الحقيقي في بلادي العراق .

وعبرت حدود ايران وافغانستان وتركمانستان حتى وصلت الى روسيا ليمسكني حرس الحدود ويعيدوني مرة اخرى الى افغانستان والى ايران مرة اخرى ومنها الى تركيا لانتحل صفة الليبي الهارب من حكم معمر القذافي كي لا يعيدوني الى مخابرات بلادي حين يعلموا اني من العراق . وحين امسكت بي الشرطة التركية دخلوا معي في تحقيق طويل عريض . ولكنهم حين علموا اني من ليبيا وهارب من حكم القذافي الذي كانت تكرهه امريكا اطلقوا سراحي . وكل ذلك مقرون بالطريقة التي املتها عليّ الظروف . وكنت اخاف ان يعلموا اني من العراق ليعيدوني اليه .

وحين استقرت بي الحال في تركيا مع عصابات التهريب قبل السفر الى اليونان اشتقت الى والدتي فعدت القهقرى نحو بلادي . وحين علمت بي اجهزة امن النظام وداهموا بيتنا لبدت في المرحاض ، مستغلا انطفاء الكهرباء لاتسلق جدرانه الضيقة واضعا كل رجل على جدار حابسا انفاسي . واتذكر الان كيف انهم فتشوا المرحاض بعيدان الثقاب ، ولم يخطر ببالهم اني واقف فوق رؤوسهم.

وعند ذلك اجبرت على الهروب مرة اخرى . وكانت الخطوة الاولى هي العبور عبر شمالي العراق ثم الى شمالي ايران ثم الى تركيا لاضيع فيها لعدة اشهر ثم الى اليونان لاستقر في المانيا .

كانت الحرب قد اشتعلت لأسباب غير معروفة بين دولتنا وجارتنا الشرقية . وبما أني كنت أريد الخلاص من موت مؤكد في حرب مجهولة النتائج والأسباب ، لا ناقة لي بها ولا جمل فقد كان عليّ الخلاص .

حين اشتعلت الحرب ، القيت عنوة منذ تباشير صبحها المشؤوم ، القذائف على قريتنا الحدودية من الدولة الجارة التي وصفت نفسها بالدولة المظلومة من قبلنا . وعند ذلك مات ابي مقتولا بالسكتة القلبية حين تركناه وحيدا في البيت بعد ان هربتُ بالعائلة في حين اصر هو على البقاء قائلا لنا انه سيبقى في البيت للحفاظ عليه و كان يعتقد كما قال لي ان هي الا ايام حتى تنتهي الحرب . لان الطرف الاخر طرف عاقل ، ويحكمه اتقياء ، ويقصد جارتنا . وتبعه بعد ذلك اخي الكبير حين خرج بسيارته وقت صلاة الجمعة اعتقادا منه ان جارتنا لا تقصف المدن وقت صلاة الجمعة . فقصف الطرف العاقل سيارته بقذائفها التي ابتعد مداها وتوغل حتى وصل عمق مدينتنا . ومنذ اليوم الاول لتلك الحرب التي جهلنا اسبابها ومسبباتها ولم نعرف ولغاية الان من هو الظالم ومن هو المظلوم ، لان كلا منهما يردد شعاراته المقرفة والقاتلة ويحدد بداية الحرب كما تشاء مخيلته ومصالحه . ولذلك فقد تشتت شملنا وراحت تطوينا المدن الحدودية والبعيدة عن الحدود باتجاه الغرب ، لمجرد الخلاص من حرب ابتدأها الحكام وراح يدفع ثمنها للان شعوب مضطهدة . حتى ادت الحرب الى نشوء معتقدات رحنا نرزح تحتها لغاية الان .

بعد فترة سحبت مواليدي لخدمة الاحتياط التي كلفت الجنود من مواليدي حياتهم . ودون تدريب او تأهيل . فقد القينا مثل خراف رقمية لا يحسب لمقدارها احد رغم ان شعار " عرق التدريب يقلل من دماء المعركة " يملأ اركان الثكنات العسكرية .

كانت حربا شعواء وكان كل طرف من الطرفين يعطي مبرراته لاستمرار الحرب . وكانت الجثث من طرفنا تزداد يوما بعد يوم ما دعاني وبعد مشورة امي لي ان اهرب الى بلاد الله الواسعة . فهربت في رحلة شاقة ومرعبة ولكني اراها الان جميلة بسبب زوال الخطر الذي يكمن في داخلها ، وبسبب الشباب الذي كان يبطنها .

الان ها انذا عدت الى بلادي ، المنفى ، بلا ناقة ولا جمل احن الى الهروب مرة اخرى مثل سندباد عاد خاسرا من رحلته الثامنة تكاد تأكلني بلادي مثل قطة جائعة تتغذى على ابنائها الصغار مثلي .

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter