| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 18/1/ 2012 مسلم السرداح كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الى الشاعر د . عبد الله الفيفي مع الاحترام
مسلم السرداح
حين غزا صدام حسين الكويت في عام 1990 م وجيشت الولايات المتحدة الجيوش لاخراجه منها ، حدثت اشياء كثيرة ما يهمنا منها في هذا الموضوع ، الاتي :
طلب صدام حسين من بوش ان يقوم هو - أي صدام حسين - بالقاء كلمة تبث على الشعب الامريكي عن طريق الاعلام الامريكي والعراقي ومقابل ذلك يقوم جورج دبل يو بوش ببث كلمة الى الشعب العراقي تبث عن طريق الاذاعة والتلفزيون العراقيين والاميريكيين .
وهذا ما حدث بالضبط : استغرقت كلمة بوش عشرة دقائق واستغرقت كلمة صدام حسين قرابة الساعة ونصف الساعة . وفهم العالم بوش ولم يفهم شيئا مما قاله صدام حسين .
تكلم بوش عن منجزات الحضارة الانسانية والمهمة الملقاة على العالم المتحضر لحمايتها !! وان العالم الحر لن يسمح لصدام او غيره بالتجاوز على حق الشعب الكويتي او غيره من الشعوب او السيطرة على منابع النفط التي هي حق من حقوق العالم المتحضر باكمله . واكد ان صداما يجب عليه ان يخرج بارادته والا فان امريكا والعالم الحر سيخرجانه بالقوة .
هذا ما قاله بوش وكانت الكلمات واضحة والرسالة مفهومة رغم وقتها المختصر القصير.
واما صدام فراح يلف ويدور ويحاول اقناع العالم والشعب الامريكي اننا اصحاب حضارة . وان العرب هم اصحاب المعلقات والبلاغة و..و.. والسيف والدرع ...
وطلب من العالم اقناع بوش بان ينزل هو وبوش في صحراء من الصحاري العربية في أي مكان يختاره للنزال بالسيف .!!
كانت هذه هي عقلية صدام . والذي حدث ان العالم حتى لو انه عرف المعلقات فهو لن يعطي لصدام الحق في دخول الكويت . وراح العالم كله يضحك من فكرة الحرب بالسيف بمن فيهم افراد جيشنا العراقي البسطاء .
من خلال هذه المقدمة اقول ان شعراء المعلقات او غيرهم من شعراء القصيدة الكلاسيكية في ذلك الوقت كانوا يكتبون الشعر بلغتهم التي يتكلمون بها وهي الفصحى ولم يكونوا بحاجة الا الى ذاكرة قوية ترتّب لهم لغتهم لتتحول الى شعر ( هل نعتبر الطفل البريطاني عبقريا لانه يتكلم الانجليزية ؟ والفرنسي غير المتعلم عبقريا لانه يتكلم الفرنسية بطلاقة ؟ ) ولم تكن الحياة معقدة كما هي الان ليتكلموا عن تعقيداتها .
لقد نشأت في عالمنا المعاصر تعقيدات في الحياة والعلم والفلسفة لم يكونوا يتخيلونها حتى في عالمهم البسيط الساذج ذاك ( هل كان المتنبي بحاجة الى جواز سفر للتنقل بين سوريا والعراق وايران ؟ وهل كان بحاجة الى تلفزيون او راديو يبث اشعاره ليسمعها كافور الاخشيدي ؟ انا اعتقد لو ان المتنبي القى الان قصيدته لا تشتري العبد لتم اعتقاله من قبل لجان ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان بتهمة احتقار الانسان الاسود بسبب لونه ) .
انا اعتقد كذلك ان شعراءا محدثين من امثال البياتي وسعدي يوسف ونازك الملائكة والبياتي والماغوط وادونيس وغيرهم من شعرائنا استطاعوا ان يعالجوا مشكلات اقل واحدة فيهن اكبر من اكبر من مشاكل العشيرة التي عانى منها طرفة بن العبد او الحطيئة وحتى المتنبي نفسه . وان اصغر جسور العالم المعلقة يفوق الجنائن المعلقة فتنة وتكنولوجيا . وان الكلاشنكوف البسيط يفوق اقوى وابهر السيوف العربية وحتى الهندية .
الحديث طويل ومن السذاجة ان نظل نصرخ على ماضينا الذي فات اوانه . السؤال هل تجاوزت الجزيرة العربية - وهي اصل ومنبت الدكتور الفيفي - مشكلات الفقر والالغاء والطائفية والديكتاتورية لتبحث عن شعر مقفى وموزون يتحدث فقط عن مفاتن المرأة والرجل الذي يفور امامها من فرط الشبق الجنسي ؟ واعطاءه الحق في تعدد الزوجات مثلا ..
يبدو ان وفرة النفط الايل للنضوب جعل البعض يعتقد ان المال الذي يتنعم به هؤلاء قد الغى مصائبنا الاخرى .
واسأله من ثمّ ما هو الضير في ان يكتب كل اديب بطريقته ؟ ثم يتبارى الجميع امام القارئ الذوّاقه ليحكم ايها الاحسن والاجمل .
وانا شخصيا ارى ان القصيدة العمودية تقيّد الشاعر بقافيتها ووزنها ولا تطلق حريته في قول ما يعتقده بوضوح . أي انها فن لاجل الفن ، ونحن بحاجة الى الفن من اجل الانسان ومعالجة قضاياه التي باتت اكثر الحاحا في عصرنا هذا واكثر تعقيدا .
نعم ان علينا الان ان نجعل الشعر والادب الحديث يعالج مشاكلنا الغارقين بها الى ما فوق انوفنا من التجزئة والدكتاتوريات والاحتلال والطائفية والكره فيما بين افراد شعوبنا وان ننظر الى مستقبلنا وكيف سنعيش في عالم متوحش سيلغي وجودنا ان لم نستيقظ من نومتنا الهنيئة !!.
وكفانا وقوفا على الاطلال ونحن نبكي القافية .