|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  15 / 3 / 2016                    مصطفى محمد غريب                        كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 
 



 تداعيات نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة بين التمني والواقع

مصطفى محمد غريب
(موقع الناس)

شكلت الانتخابات الإيرانية الأخيرة للبرلمان ومجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حدثاً مهما قبل انطلاقها حيث كانت أكثرية المراهنات والاستنتاجات توحي بان المتشددين هم من سيفوز بأكثرية المقاعد البرلمانية بسبب التضييق الذي شهدته عمليات الموافقة على ترشيح الأشخاص المقربين والمتشددين ( المصطلح طائف لأن الجوهر واحد ) فحسب تجربتنا المتواضعة بالنظام الإيراني نعتقد لا توجد حدود ملموسة ما بين الإصلاحيين والمتشددين إلا في القضايا الثانوية، فمحمد خاتمي قيل عنه إصلاحي فماذا فعل وماذا كانت نتائج فترة رئاسته ؟ وجاء بعده احمدي نجاد وكان من المحافظين المتشددين فكيف كان الوضع أليس هو امتداد لما سبقه في الرئاسة ؟ ثم جاء حسن روحاني وقيل انه إصلاحي وهلم جراً لكنه اعتبر نفسه من المعتدلين؟ فهل خرج عن دائرة أوامر المرشد الأعلى علي خامنئي ؟ وجميعهم والذين سبقوهم باركتهم المرجعية الإيرانية تحت مظلة ولاية الفقيه المتمثلة بالسيد على خامنئي، ورضا مجلس خبراء ومجلس صيانة الدستور، وقد تكون هناك سلطة تدير الأمور حسب مشيئتها، ومهما يكن الوضع فقضية الإصلاح تبقى نسبية لان الدولة الإيرانية دولة دينية وطائفية وان يحاول البعض قلب الحقائق والحديث عن الحقوق المدنية أو الإنكار بأن رجال الدين هم صاحبي القرار الأخير بمجالسهم أو عن الشريعة الإسلامية من الناحية النظرية دون العملية، المرشد الأعلى ومجلس خبراء ومجلس صيانة الدستور ، وهذا ما يؤكد بان الدولة الإيرانية دينية طائفية تحت شعارات وتشريعات إسلامية لذر الرماد في العيون، ولهذا إشارة صغيرة من إصبع المرشد الأعلى علي خامنئي ومجلس خبراء ومجلس صيانة الدستور تزيحهم مهما تكن مكانتهم في هرم السلطة السياسية تحت طائلة أي حجة بما فيها تهمة التجسس أو عملاء أمريكا أو الخروج عن الإسلام وحتى تكفيرهم وإسقاطهم كما يُسقط القصر المشيد على الرمال، فليس اعتباطاً ما أكده المرشد الأعلى لولاية الفقيه علي خامنئي " أن الشعب الإيراني لا يريد برلماناً حكومياً ولا برلماناً ضد الحكومة بل برلماناً متديناً لا يخشى أمريكا" إلا أن الأمر بغاية البساطة عندما يتتبع المرء ماذا يعني النهج السياسي المتبع فقد كان الاتفاق النووي وإعادة مليارات الدولارات المحتجزة لدى أمريكا إلى إيران قضية فيها نظر!! إلا أن الأخبار الجديدة تظهر مدى التناقض والتلاعبْ، فهاهو أحمدي نجاد حاكم إيران من ( 2005 ــ 2013 ) يهاجم الاتفاق والدول الغربية " إذا كان الأعداء يعتقدون أن الاتفاق النووي سيمكنهم من التغلب على الشعب الإيراني فهؤلاء لا يفهمون شيئاً" فهل للشعب الإيراني قناعة به وبحكمه الملطخ بدم الأبرياء، وهاهو قائد كبير في الحرس الثوري الإيراني يعلن أن إيران لن توقف برنامجها النووي مهما كانت الظروف، ومن جهة أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الخميس 10 / 3 / 2016 حسين جابري أنصاري إن "برنامج إيران الصاروخي والتجارب الصاروخية التي أجرتها في الأيام الماضية خلال مناورات عسكرية لا تتعارض مع التزاماتها النووية والاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مع القوى الست."

فمن نصدق؟ ومن نكذب؟ وهل نهج حكام طهران عبارة عن خطة تكتيكية تنتظر الفرصة ليتسنى لهم الوقت التراجع والعودة لتنفيذ مخططاتهم؟!.. ولكن لنكن متفائلين ولو ( 5 % ) وننتظر نتائج السنين القادمة ووضع البلاد والشعب الإيراني في خضم قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة وقضايا الديمقراطية ومن خلال هذا التفاؤل نرى أن الحليفين المعتدلين هما المشروع الاعتدالي بدلاً من " الإصلاحي " حسن روحاني ورفسنجاني هكذا قيل عنهما وقد حققا فوزاً كبيراً في انتخابات مجلس الخبراء وحصلا على أعلى الأصوات وهذا دليل عافية على أن الأوضاع تسير نحو الأحسن في الوقت الحاضر، لكن على المدى الأبعد فان مصير الاعتدال سوف يكون موضع تساؤل واستفسارات عديدة !! ومع تفاؤلنا نرى في المشاهدة الأولى للانتخابات ونتائجها لا تعني فوز مطلق للمعتدلين لان هناك مرحلة ثانية من الانتخابات ما زالت تنتظر نتائج أخرى وقد تكون غير متوقعة، فقد أحرز الفوز ( 83 ) معتدلاً وإصلاحياً أمام ( 78 ) من الأصوليين المحافظين ثم فاز المستقلون على ( 60 ) مقعداً وهنا حدد مصير ( 226 ) الذي هو من اصل عدد المقاعد ( 290 ) أي بقى ( 64 ) مقعداً ينتظر المنافسة عليه من قبل ( 128 ) مرشحاً في انتخابات المرحلة الثانية التي ستكون بعد حوالي شهرين وقد تَقْلب المعادلة ولا سيما هناك احتمال قوي لتدخل المرشد الأعلى والقوى المحافظة التي مازالت تستطيع فعل الكثير من اجل صالحها وصالح المشروع الأصولي المحافظ وقد يكون الفوز النسبي للمعتدلين حقنة تهدئة للجماهير الإيرانية التي مازالت غاضبة على نتائج انتخابات عام ( 2009 ) وعلى الاعتداءات والعنف الذي استعمل ضدها من قبل الأجهزة الأمنية بما فيها إطلاق الرصاص وقتل وجرح المتظاهرين السلميين، وحتى الانتخابات قبل الأخيرة وفوز روحاني المعتدل حسب تعبير وسائل الإعلام كان عبارة عن حقنة للتهدئة مقابل اعتقال " مهدي كاروبي ومير حسين موسوي اللذان رفضا التوبة" واعتقلا حسب تصريح قائد الأمن الداخلي أن قرار اعتقال زعماء الحركة الاحتجاجية جاء من " المرشد علي خامنئي" . ووعد الرئيس الجديد، حسن روحاني، خلال الحملة الانتخابية بإطلاق سراحهم لكنهما مازالا قيد الإقامة الجبرية، فالجماهير الإيرانية لم تعد تحتمل التلاعب وفرض الأسماء والأشخاص الذين ينتمون للمحافظين والأصوليين ولهذا كان من الضروري لعمليات التهدئة طريقاً للحفاظ على السلطة التي تتحكم في مفاصل الدولة الأساسية بما فيها " ولاية الفقيه "، وعندما أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية أن حوالي ( 32 ) مليون شاركوا من ( 55 ) مليون ناخب يحق لهم الانتخاب فذلك يعني أن ( 58 % ) أدلوا بأصواتهم في الانتخاب الأخيرة لمجلس الشورى والخبراء في إيران وبالمقارنة مع الانتخابات السابقة ( 2012 ) فقد كانت حسب ما أعلن عنه أن ( 64.2 ) نسبة المشاركة في حينها، إلا أن العزاء الوحيد لدى وزارة الداخلية أو المسؤولين فهم يؤكدون أن نتائج الانتخابات السابقة في طهران كانت حوالي (48%) ويتناسون أن طهران اصغر بكثير عن ما تبقى من مدن وقصبات وأرياف إيران، ومن هنا نشير إلى قضايا مهمة على مستوى نتائج الانتخابات وبخاصة مناطق لبلوشستان والأهواز وغيرها ففي الأهواز على سبيل المثال أن عرب الأهواز، منقسمون فهناك من يقاطع الانتخابات بشكل تام، وآخرون يرفضون ترك الساحة وبالأخص ألقومية اللورية الذي يدعمهم الجنرال محسن رضائي القائد السابق في الحرس الثوري وأمين مجلس تشخيص نظام ويتهم الاهوازيون أن المهاجرين " ينفذون أجندة الحكومة المركزية التي تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي من خلال جلب المزيد من المهاجرين ومنحهم المناصب والوظائف وفرص العمل على حساب تهميش الأهوازيين" إضافة إلى المشاكل المتراكمة مع البلوش والأتراك الأذربجانيين وغيرهم .

وفي هذا المضار هناك الكثير من القوى السياسية الوطنية والديمقراطية لم تشترك وقاطعت الانتخابات، وهي تعارض حكام طهران وأساليب القمع والاضطهاد وفرض نتائج الانتخابات لصالحهم وتعتبرها " مسرحية مدروسة " وقد سخرت المعارضة من الفتاوى التي صدرت بالتأكيد على " إن المشاركة في الانتخابات واجب شرعي" وهذا يمثل مدى تدخل الدولة الدينية في عملية الضغط على وعي الجماهير الإيرانية وتحميلها مسؤولية دينية وطائفية إذا لم تشارك في الانتخابات، والكل يعرف مدى تأثير الفتوى الدينية الطائفية في مجتمع مسلوب الإرادة ومشوه الوعي والذي عليه الالتزام بدون أية مناقشة أو اعتراض عليها بدلاً من منحه الحرية والديمقراطية والاختيار والإرادة وعدم التدخل في قراراته السياسية وهذا ما يحصل دائماً قبل وأثناء الانتخابات، وحالما يضع الحكام أرجلهم كما يقال " في الركاب " يتنصلون عن كل الوعود والتعهدات التي أطلقوها قبل الانتخابات وهذا ما حصل ويحصل في العراق لتشابه الرؤيا السياسية وحتى النهج الطائفي الذي يقسم الشعب إلى قسمين..

الأول - قسم مؤمن ومن أتباع علي بن أبي طالب (ع) والأئمة وهو خيّرٌ وصالح ومطيع للمرجعيات الدينية والمهيمنين على السلطة..
الثاني - قسم معادي لعلي بن علي طالب (ع) وللائمة وخارج عن التشريع والشريعة حتى قد يتهم بالتعامل مع قوى خارجية وإرهابية.

ما زلنا ننتظر تداعيات المرحلة الثانية بعد حوالي شهرين من الانتخابات ومصير أل ( 64 ) مقعداً، ومدى تدخل السلطة في حرف النتائج، ومن موقف المعارضة والمشاركين في الانتخابات الذين لا يثقون بالمحافظين أو حتى الذين قاطعوها لأنهم حسب تصريحات مسؤولين فيها أن لا فائدة من المشاركة فكل شيء محسوب ومدروس إذا كان بالادعاء "معتدلين أو محافظين" فكلاهما سينفذ إرادة مجلس خبراء ومجلس صيانة الدستور اللذان يحكمان بشكل قطعي، وما يريد المرشد الأعلى لولاية الفقيه السيد على خامنئي، فما فائدة المشاركة ؟ وهناك تجارب عديدة على امتداد تاريخ السلطة الإيرانية بعد قيام الثورة الإيرانية ( 1979 ) وسيطرت رجال الدين المطلقة على مقاليد السلطة السياسية إضافة إلى تحكمهم بقضايا تشريعية تشرع حسب المفهوم السياسي الديني المنحاز للسلطة الدينية والطائفية والمعادي للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض الرأي الآخر بشكل مطلق.




 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter