|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  9 / 2 / 2020                                موسى الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

المعرض الايطالي الكبير ''المستقبلية الايطالية' (1909-1944)
النزعة المستقبلية في الفن، فكر متجاوز للعمل

موسى الخميسي / روما
(موقع الناس)

المعرض الذي افتتح في مدينة بيزا الايطالية يوم 11 اكتوبر/ تشرين اول الجاري، وينتهي نهاية الشهر الثاني من السنة الجديدة، في "القصر الازرق" ، يمكن ان يكون الفرصة المناسبة والملائمة لرؤية الماضي (ليس الفني فقط) بعيون اليوم. تعرض فيه لاكثر من مائة عمل لارباب المستقبلية في الفن واغلب هذه الاعمال هي لوحات في حيازة اما متاحف واما ملك خواص من مجمعي الاعمال الفنية ،كما يحتوي المعرض على بعض التخطيطات والمجسمات البلاستيكية، والصور الفوتوغرافية، واشياء فنية متعددة.

المعرض يضع في حسبانه لاول مرة البرهنة عن الكيفية التي تمكّن بها اكبر فناني المستقبلية من البقاء اوفياء الى التأملات النظرية التي سطرّوها في بياناتهم وذلك بترجمتها في صور محدثة لاثار وتأثيرات ولردود افعال ضجيجة وفي صور تجديدية وسعيدة بشكل رائع على المستوى الفني . ومن ثمة فالامر يتعلق بأعمال جوهرها التماسك مع تعدي الحدود.

والمعرض تنظمه "مؤسسة القصر الازرق" ويعرض لنا قصة تعاون متاحف ومؤسسات ايطالية وعالمية. ان كل عمل فني قد اختير، علاوة على الاخذ بعين الاعتبار لجودته، لاشتراكه في النقاط النظرية المؤسّسة للحركة المستقبلية في الفن. واما من التحق في زمانهم بالحركة فلم تندمج اعمالهم في المعرض الا من كانوا من الموقعين على بياناتهم الشهيرة.

لوحة( انهيار الكون)التي رسمها فيفيان اغرين عام 2014 لصالح متحف 'سليمان كاجينهايم' بنيورك والذي يعترف فيها اخيرا بالدور الممتاز والريادي الذي اداه فنانو المستقبلية من بين اكابر رياديي الحركة في ايطاليا اولا، وكامل اروربا في بدايات القرن العشرين.

وهو دور مشهود بالاعداد الكبيرة التي تغص بها المعارض المخصصة للحركة المستقبلية في الفن: منذ ايام قلائل اختتم المعرض الذي شهده بروما قصر ميرولانا المخصص للفنان (جاكومو بالّا) تحت عنوان "من المستقبلية المجردة الى المستقبلية الايقونية " والمركز على العمل الفني الشهير (كارنيرا الاول) لعام 1933، بينما افتتح هاته الايام معرضا اخر مخصص لثلاث فنانين (بالّا ، بوتشوني وديبيرو) ويحمل عنوان "بناء مكان المستقبل" الذي سيظل مفتوحا للزائرين الى غاية3 نوفمبر/ تشرين ثاني القادم، وذلك بمتاحف مدينة دومودوسّولا ، ويعرض 75 لوحة، تغطي المنحنى الزمني الممتد من ما قبل المستقبلية الى الستينيات. بينما في مدينة روفيريتو نجد معرضا اخر بعنون "مثل فيلم" سيظل مفتوحا الى نهاية تشرين الثاني، يشمل عروض السينماالمستقبلية للثلاثينيات تركز اهتمامها على المخرج ايمانويل كاراتشولو (1912-1944) وهو مخرج مجموعة الفنانين المستقبليين بمدينة نابولي ، كما يركز على العلاقة بين ديبيرو وعالم السينما وذلك عبر مقتطفات من فيلم 'تاييس' لمخرج انطون جوليو براغاليا و اخرى من فيلم 'عرفتكِ في وقت متاخر جدا' للمخرج كاراتشولو واخرى من فيلم 'الدمى' للمخرج كارمني غالوني.

اما معرضنا الذي نحن بصدده او معرض بيزا فبدأ افتتاحه باعمال خمسة فنانين (مستقبليي المستقبل) : اومبارتو بوتشوني، كارلو كارّا، لويدجي روسُّلو، جاكمو بالّا و جينو سافيريني. والمعرض مقسم الى اقسام كل منها تحمل عنوان (بيان) – اي بيانات الحركة المستقبلية في الفن. فنجد ان المعرض يستعرض ثلاثين عام من الفن المستقبلي، انطلاقا من عام 1910 حيث ظهر بيانان يحملان توقيعات "الاباء المؤسسين للمستقبلية في الفن" . ولذلك فالاعمال الفنية المعروضة للفنانين الخمسة كلها مستوحاة من نصي البيانين المذكورين ثم تتكشف لها من خلال الاعمال الاخرى المعروضة التسجيل الكتابي لبيان الحركة المستقبلية في الفن لعام 1912 الذي صاغه بوتشوني لوحده اثر سفره الى باريس في نفس العام.

ثم تدخل في لعبة المعرض "كلمات حرة" والتي صاغ مبادئها لاول مرة الشاعر مارينيتّي عام 1913 في بيان "الخيال من دون خيوط وكلمات حرة" ونماذج المعماريات الجديدة التي املاها سنة 1914 انطونيو سانت إلييا في بيان "المعماريات المستقبلية" والذي نجد له اعمالا فنية تترجمه في رسومات وصفت بانها "متنبئة" ومتبوعة باعمال وصفت بانها "حربية" لمساندة تدخل الحركة المستقبلية في الفن مثلما سطرت في بيان "الحرب الكبيرة" (الذي هو مختصر بيان المستقبليين المتعلق لحرب 1914 .

اما مع البيان 'اعادة بناء الكون من وجهة نظر الحركة المستقبلية" لعام 1915 للفنان جاكومو بالّا والفنان" فورتوناتو ديبيرو" فاننا نشهد ارادة جديدة للفنانَين في نشر النماذج الصورية (الشكلية) للمستقبلية لجعلها تكتسح كل التجارب الانسانية وذلك بدفع للتجديد لم يعرف له مثيل لدى سائر رياديي اوربا الاخرين . وتشهد لهذا الدفع الجديد للتجديد اعمال فنية متعددة؛ رسوم ولوحات، منحوتات، اشياء ونسخ اولى لاعمال فنية، بيانات اشهارية في خليط من الالوان والاشكال والاشياء التي كانت تعد عديمة القيمة الفنية (مثل العاب الاطفال) . كما نجد وثائق وبيانات اخرى تختتم هذا المسار وهي وثائق تؤكد على ان فكرة المستقبلية هي "نسق فكري" : بيان "الفن الآلي" (1922) الموقع من قبل انريكو ابرانبولينو، فينيشو بالاديني ، إيفو بنّادجي؛ والذي نجد فيه نماذج هندسية و"صناعية" للفن البصري لعشرية كاملة . كما نجد "بيان رسم الطائرات" لعام 1931 الموقع من قبل الشاعر المؤسس مارينيتّي مع الفنانين: بالّا، مارينيتي وديبيرو ، واخرون من امثال سومانزي وتاتو الذين كانوا كلهم مصدر ايحاء للثلاثينيات كلها.

انها معرفة في عالم اختراعات مشهدية، مشعة وطريفة ، اختراعات تُلعب على حد "الحداثة" و وقادرة على ان تحرك المياة الساكنة واثارة الفضائح وعلى صنع الخبر (بل وتصنع سياسة ايضا) . وربما لاجل كل هذا ظلت المستقبلية في الفن موضة دائمة مع قدرتها على ان تغير من حين لاخر جلدتها محافظة بذلك على ما يتجاوز كل موضة ذلك انها ظلت رمز ارادة التغيير ايا كان الثمن. وهكذا فان مستقبلية الفنان بوتشوني اثرت تاثيرا بالغا وعميقا على الفن الايطالي ممهدة الطريق الى "الفن الفقير". وكذلك من ضلعة اخرى من ضلوع المستقبلية ، مستقبلية بالّا و ديبيرو، تفتحت براعم 'المستقبليين الجدد' في ايطاليا .

ونجد الكاتبة والفنانة 'المارية' المنحدرة من اصل سعودي تجد لها في المستقبلية في الفن مرجعية لها وهي، التي اتمت عرض اعمالها بمعرض نيويورك "الجمعة السوداء" وبميلانو في "غرفة الاسقاط" التابعة لمؤسسة الفنان الايطالي الشهير"أرنالدو بومودورو" مختارة بالذات اسم 'المستقبلية' ،الذي صُك منذ 110 سنة (وتحديدا في 20 فبراير 1909) لتعبر لنا عن نمط فني للاجبال الجديدة في الخليج العربي ؛ اجيال تبدو اليوم مشحونة بارادة صياغة وتشكل طموحاتها وفق المخيال (ذي الالوان المتعددة والمفرط الى حد الغلو) الهيوليودي والعاب الفيديو وهو نفس العالم الذي سمته الماريا 'المستقبلية الخليجية" وهي صيغة "نونية" (اكثر راهنية) للمستقبلية التي ابتدعها المؤسس مارينيتي الذي كتب في 'البيان' التاسيسي للمستقبلية ما نصه: "نحن نغني اضطرابات الجماهير الغفيرة تلك الاضطرابات التي يسببها العمل، اللذة او الانتفاضة: سنغني للمد والزجر المتعدد الالوان والصور للثورات في العواصم الحديثة، سنغني الغليان الليلي المهتز للاسلحة وحظائر العمل المشتعلة باقمار كهربائية عنيفة. وهي كلمات لاتزال تحتفظ اليوم بحداثة مذهلة.

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter