|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  7 / 3 / 2020                                موسى الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

وفاة رجل الدين والشاعر والوزير الثائر
ارنيستو كاردينال
(1)

موسى الخميسي / روما
(موقع الناس)

سنوات كثيرة مرت، ولازالت افكاره التحريرية تعيش معنا، عيشنا الغرائبي العراقي، وكان يشعر ما نشعر به الان تماما. كان يرغب في التبصر في فحوى حياتنا الدينية والاخلاقية، في امورنا وكشف غموضها. انه المناضل الشاعر ورجل الدين إرنيستو كاردينال. مات هذا الرجل الرائع قبل ايام في بلده، نيكاراغوا، عن عمر 95 سنة.التقيته شهر حزيران عام 1986في روما، كنت مراسلا لمجلة " الأفق" الفلسطينية من روما ، بعد انتهاء لقاء صحفي جماعي في نقابة الصحفيين الاجانب في روما ،اختليت به وطلبت منه ان نلتقي سوية، فوافق الرجل بعد ان عرف باني عراقي واعمل مراسلا للصحافة الفلسطينية، فجلسنا بعيدا عن الانظار في احدى بارات الاحياء القديمة " سان لورينسو" التي كنت اسكن فيها . أرنيستو كاردينال ،جمع بين الإبداع الأدبي وتزعم مع رفيق دربه القسيس"ليوناردو بوف" ثورة لاهوت التحرير، التي جعلت من الدين المسيحي عنصرا للتحرر في منطقة أمريكا اللاتينية، ويعد من الوجوه الثورية البارزة. ثار في وجه ديكتاتورية ساموزا، وانتقد تورط الكنيسة في دعم الديكتاتورية، ودفعه كل هذا إلى الدعوة إلى التحرير، اعتمادا على ما يعرف بلاهوت التحرير . ويعتبرالشاعر الثائر والقسيس كاردينال من أبرز عناصر هذا التيار الديني، الذي انخرط فيه الكاثوليك والبروتستانت منذ الستينيات في أمريكا اللاتينية، للدفاع عن أطروحة أن إنقاذ الكائن لن يتم بدون التحرر الاقتصادي والأيديولوجي والسياسي، الذي يضمن كرامة الإنسان. ولهذا السبب، يدعو لاهوت التحرير رجال الدين إلى اكتساب وعي بالوضع الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، والنضال ضد كل أنواع الظلم لاسيما الأنظمة.

وتجسيدا لهذه التعاليم، انخرط في الثورة السندينية في نيكاراغوا، التي كانت ثورة مسلحة، وبعد نجاحها سنة 1979 تولى منصب وزير الثقافة فيها، بينما تولى رجال دين آخرون مناصب وزارية، وهو ما أغضب الفاتيكان، إبان عهد البابا يوحنا بولس الثاني(الرجعي ) ، الذي عاقب دينيا كل من الأب بوف ولأب إرنيستو كاردينال سنة 1984 بمنعهما من لقب القسيس والصلاة بالناس، لكن البابا الحالي " فرانشيسكو" أعاد لهما اللقب، خلال فبراير/شباط من السنة الماضية. ونظرا لانحياز الكنيسة التاريخي إلى الأنظمة الحاكمة الديكتاورية في أمريكا اللاتينية، كان كاردينال يؤكد أن الفاتيكان لا يمثل بالضرورة المسيح.

ويعد إرنستو كاردينال من الشعراء الكبار في أمريكا اللاتينية، خلال القرن العشرين، ما أهله الى دخول الأكاديمية الإسبانية، لكن الصورة المعروف بها وسيحتفظ له بها التاريخ، هي شخصية رجل الدين الذي ساهم في جعل الكنيسة إلى صف التحرر الاقتصادي والفكري، بدل خدمة الأنظمة الديكتاتورية. ويقدره المفكرون في أمريكا اللاتينية لنجاحه في تجسيد مبادئ لاهوت التحرير على أرض الواقع، بإعطاء الكنيسة طابعا تقدميا مخالفا لطابعها المحافظ الداعم للأنظمة الرجعية.

" نطالب باسم الرب بجمع مليون توقيع من المترجين لقداسة البابا جوفاني باولو الثاني، وسوف لن نقف عند حد هذا الطلب،بل سوف نتواصل للعمل نحن كاثوليك كنيسة يسوع، ومريم العذراء، وبطرس، لاجل مضاعفة هذا الرقم ليصل الى مليونين من التواقيع المؤمنة بمحبة البابا والكرسي المقدس". هذا هو مقطع صغير من المقالة المطوّلة التي نشرت في الصفحة الاولى من الجريدة اليومية( ساوباولو) التي تصدر في البرازيل، ونشرت في ابرز صحف العالم ،حيث اقيمت حملة مكثفة لجمع التواقيع تقدم بها مجموعة من الاساقفة الكاثوليك البرازيليين من اجل رفع العقوبة التي فرضها الفاتيكان ضد ليوناردو بوف وارنيستو كاردينال، ابرز من من يمثل اللاهوت المتحرر في البرازيل. بابا الفاتيكان البولندي، الذي ساهم مساهمة كبيرة في تهديم الاتحاد السوفياتي، رفض مثل هذه الدعوات التي طرحها لاهوت التحرر، ورفض استخدام افكار الصراع الطبقي، وتصوير المسيح على انه مناضل نشيط ضد السيطرة الرومانية والسلطات الاستغلالية، كما ان البابا قد صرح علانية في اكثر من مناسبة حول ضرورة النضال ضد الماركسيين داخل الكنيسة الكاثوليكية، وضد افكار الصراع الطبقي وقال" ان الخطوة التي يحملها لاهوت التحرر تكمن في اخضاع تعاليم الانجيل لبعض المقاييس السياسية مما يعني افقاد الكنيسة لواجهتها الدينية المسيحية". والكل يعلم ان البابا البولندي، كان من انشط البابوات سياسيا، فله مواقف وتصريحات حول بولونيا، واحداث نقابة التضامن تشهد على ذلك، وكان اليسار الايطالي يعتبر بان البابا يناقض نفسه حين اكد بشكل مباشر وبعد دعوة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ايطاليا قبل الانتخابات منتصف الثمانينات، الى ضرورة التصويت لمنع تحريم قانون الاجهاض الذي جاء نتيجة للنضال القوى اليسارية في البلاد، بل ان اطروحة" ما لقيصر لقيصر وما لله لله" كانت له واجهة متناقضة.

" يتبع"

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter