|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  27 / 5 / 2017                                موسى الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



ايطاليا تحتفل بذكرى غرامشي
ثمانون عام على الرحيل
1891ــــ 27 نيسان 1937

موسى الخميسي
(موقع الناس)

أكد غرامشي على ضرورة امتلاك الجماهير كمّا من الثقافة يختلف شكلا ومضمونا عن الثقافة المحترفة.فالثقافة الشعبية يجب ان توجد الموقع الذي على الانسان العادي ان يحتله من اجل اعادة صياغة المجتمع والعالم، وفي هذه الحالة، من وجهة نظر غرامشي، بالامكان انتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين الثقافة المحترفة والثقافة الشعبية. وللوصول الى هذا الطموح يفرض غرامشي ضرورة الغاء الشكل التقليدي لفهم الفلسفة التي يصورها المحترفون من رجال الثقافة على انها امر بالغ الصعوبة ومقتصرة على فئة محددة من العلماء المختصين والفلاسفة المحترفين، والحقيقة هي ان الفلسفة الحقيقية هي فلسفة البشر(كل انسان هو فيلسوف)، فلسفة رجل العفوية، فالجماهير الشعبية لها فلسفتها الخاصة بها. وهو يقول" لانستطيع ان نتصور وجود انسان لايستطيع التفكير حتى وان لم يكن فيلسوفا، لان فعل التفكير من خصائص الانسان من حيث هو كذلك".

والفلسفة الجماهيرية التي تحدث عنها غرامشي مزيج من اللغة والحس العام والحس السليم والفلكلور" باعتباره انعكاسا لشروط حياة الشعب الثقافية". وكذلك المعتقدات الدينية الشعبية، ولا يمكن ان تتحقق هذه الثقافة وتتكامل الا من خلال المنظم لها وهو الحزب السياسي، اذ من دون هذا المنظم الذي يطلق عليه اسم" الامير الجديد" فان هذه الثقافة هي بشكل او بآخر جزء من الثقافة المحترفة المتسلطة التي تقف ضد الثقافة الشعبية التي هي انعكاس حقيقي للشروط المادية والروحية والفكرية للشعب، وما حضور الثقافة الشعبية الا الحضور السياسي للقوى الشعبية وتجسيدها في استقلال سياسي.

وفي تراجع هذه القوى، تغدو الثقافة الشعبية والاشتراكية والحزب، عبارة عن مفاهيم مجردة ليس الا. اما كيف يمكن تحقيق التقدم الثقافي للجماهير، فهذا الامر من وجهة نظر غرامشي، يعتمد بالدرجة الاولى على الحياة اليومية التي في جوهرها تتحول الفلسفة الى تصور متناسق متجانس واضح للعالم، ولا يأتي هذا من خلال استيراد وتلقين خارجي، لان العملية ستقع في المطب نفسه الذي هو امتداد للتلقين الديني والمدارس الرسمية، بل يتحقق من خلال التعليم والتعليم الذاتي، وتحقق من خلال الفعل اليومي المبدع الذي يرتقي بالحس الجماهيري العام الى مقام الفلسفة" ان نقد كل فلسفة اعدت حتى اليوم، انما هو على قدر ما تركت في الفلسفة الشعبية من طبقات مرصوفة، ان بداية الاعداد النقدي هي الوعي لحقيقة الذات، اي" اعرف نفسك" من حيث انك حصيلة سير تاريخي تم حتى الان، وهذا السير ترك في كل واحد منا عددا لانهاية له من اثار لم يتوفر لنا احصاؤها، فيجب البدء باحصاء هذه الآثار ووضع قائمة بها".

التفكير النقدي لدى غرامشي يسعفنا في الاستنتاج لانه يجعل من المساءلة والمراجعة والخلخلة ادواته وآلياته، بغية محاكمة الافكار والنصوص والتراث والسياسة والوجود. فهو يرى بان التفكير النقدي نشاط عقلي يفترض دوما الانتقال من الاسطورة الى العقل، ومن الادراك الى الفهم، مع ما يصاحب هذا الانتقال من إرادة تهدف الى كشف المستور وزعزعة الثوابت ومراجعة اليقينيات. فالنقد الماركسي الذي تبناه في عمله الفكري يشدّد على تعبئة قدرات العقل لتشخيص الواقع التاريخي والاجتماعي والسياسي وكشف آليات السيطرة والاستغلال المتخفية في ثناياه وفي سياقاته المتعرجّة.

لغرامشي مكانة دائمة ومنزلة اساسية في الفكر الماركسي خلال عقود طويلة من الزمن. بل ربما يعاد اليه الفضل حين يدور الحديث حول رياح التحرر التي طبعت مسيرة الاحزاب الشيوعية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الايطالي، والتي جعلته الاقوى والاكثر ديمومة بين الاحزاب الشيوعية الاوربية الغربية، كما جعلته على الدوام قادرا على مواكبة حركة التاريخ، فهو يعتبر احد ابرز المنظرين الاساسيين للفكر النضالي في القرن العشرين. يبقى فضل غرامشي الكبير على الفكر الماركسي في كونه اعتمد وحدة النظرية مع الممارسة كمحور وكمركز ارتباط استراتيجي لتحليلاته، وعارض بشدة اية محاولة للفصل بينهما، بل كان فكره عبارة عن سبيكة متينة من النظرية والممارسة، اذ تتميز مقالاته ومؤلفاته الاجتماعية قبل الاعتقال بطرح المسائل بجرأة وغزارة وبعناصر التحليل النظري التي تجلت حتى في كل مقالة قصيرة تعالج حدثا آنيا. وقد تطور هذا الاسلوب تطورا عضويا لاحقا في فترة سجنه التي تعمق فيها فكر غرامشي وتغلغل في مجالات جديدة.

وغرامشي هو ذلك المفكر المناضل الذي ظل يتساءل باستمرار عن كيفية تحقيق الانتقال من النظرية الى التاريخ. وفعلا لقد اجتهد كي يحقق وحدة الممارسة بين التاريخ والفلسفة، وعلى الصعيد الثوري السياسي عمل بثبات على تحقيق الوحدة بين العفوية والقيادة الواعية ممثلة بحركة المجالس العمالية، وطبيعة علاقة الحزب بالجماهير وبين القيادة والقاعدة، الحزب/ يساوي التثقيف/ يساوي المثقف الجماهيري. اما على الصعيد النظري، فقد أكد بانه من الممكن ان يحدث تعارض النظرية المعاصرة مع المشاعر العفوية للجماهير، ولكن "هذا التعارض هو تعارض كمي وليس تعارضا نوعيا" المهمة كما يراها غرامشي تتمثل في تحقيق ارتباط الماركسية بالحكمة الشعبية فتستوعبها وتتجاوزها في آن معا.

اما على الصعيد الثقافي، فانه قد اولى مسألة الادب الشعبي اهمية كبيرة على ضوء كيفية تحقيق الارتباط بين الادب والشعب، وكيف يمكن وضع أدب النخبة بمتناول الشعب والامة. وهاتان المسألتان تفسران اهتمام غرامشي الدقيق بواقع الامة التاريخي، ذلك الاهتمام الذي لايمكن عزله عن الاهتمام النظري.

ابرز ما يميز هذا المفكر- المناضل تأكيده على ضرورة الانطلاق من خصوصية الواقع المحلي لاي مجتمع من المجتمعات في حالته لايجاد الطريق الخاص الى بناء الاشتراكية، وكانت الكيفية التي يتم بواسطتها تحقيق الانتقال من النظرية الى التاريخ سؤالا دائما لديه.
كرس غرامشي بحوثه النظرية لمفهوم " الهيمنة" الذي نبعت صياغاته الاولى من خلال دوره في المجالس العمالية التي كان وراء تأسيسها في مدينة تورينو عام 1919 وشهدت هذه المدينة في احدى مراحلها، تجربة سيطرة عمالها على مصانعها، فراحوا يديرونها بانفسهم في ظل قيادة غرامشي نفسه. وتتكون عناصر هذا المفهوم من:

1- بسط الطبقة العاملة هيمنتها على مرافق المجتمع كافة قبل استلامها السلطة.
2- منح المثقفين العضويين( اي المرتبطين بهموم المجتمع) دورا في عملية التغيير.
3- تحالف العمال مع جميع القوى الاجتماعية ذات المصلحة في عملية التغيير.
4- الحفاظ على خصوصية العملية الثورية، وعدم استيراد اشكالها واساليبها من الخارج.

ورغم ان تنزيل هذا المفهوم على ارضية الواقع، او لنقل الاسلوب السياسي الشامل، سيصطدم بعقبة السيطرة الثقافية- المادية التي تحوز عليها عادة الطبقات السائدة سياسيا فانه وجد صداه في المجتمع الايطالي حتى اليوم، فيسار الوسط الايطالي الذي يحكم البلاد حاليا يملك ثقلا كبيرا، كما ان التاريخ الانساني حمل تجارب عبرت عن امكان تحقيق هذا الاسلوب نتائج محسومة، ومنها تاريخنا العربي، اذ امتلكت ثقافة المعارضة على الدوام نفوذا جماهيريا اوسع من نفوذ السلطات. واعطى غرامشي اهمية خاصة لمسالة الدين ومكانته في المجتمع، وقد قسم الدين الى رسمي وشعبي، واعتبر المجالس العمالية داخل المصانع مفتاحا رئيسيا لحل المعضلات، وحلا وحيدا لامكان ضمان العمال تجاوز حال الضياع والاغتراب الاقتصادي، النفسي- الثقافي، والشعور بمسؤولتهم ومستقبلهم.

وابرز مساهمات غرامشي النظرية كان في مجال المعرفة وكيفية إنتاج معرفة جديدة تتلاشى فيها الفروقات بين الثقافة الشعبية والثقافة المحترفة. يقول" ان نشر نمط متجانس من الفكر والفعل انطلاقا من قيادة متجانسة هو الشرط الاساسي لكنه ليس الشرط الوحيد، فمن الاخطاء الشائعة الاعتقاد بان كل فئة اجتماعية تصوغ وعيها الذاتي وثقافتها الذاتية بطرق متماثلة بالمناهج، اي بمناهج المثقفين (المحترفين) وهذا المفهوم يرتكز على ثلاث نقاط اساسية هي:
• لا تحقق الطبقات الاجتماعية ثقافتها الذاتية بطرق متماثلة
• لا يمكن ارجاع الانتاج الثقافي الى جهود المثقفين المحترفين
• ضرورة تأمين شروط ومبادرات متعددة، والمبادرة تعني هنا الاقتراح الذي يستلزم التجريب والفعل وتحرير الامكانات. فالمطلوب كما هو واضح ليس تثقيف الجماهير بالمعنى التقليدي، بل المطلوب هو اطلاق حركة الجماهير التي هي المنتج الحقيقي للثقافة الجديدة.

واعطى غرامشي اهمية خاصة لمسألة الدين ومكانته في المجتمع، وقد قسم الدين الى رسمي وشعبي، واعتبر المجالس العمالية داخل المصانع مفتاحا رئيسيا لحل المعضلات، وحلا وحيدا لامكان ضمان العمال تجاوز حال الضياع والاغتراب الاقتصادي، النفسي- الثقافي، والشعور بمسؤوليتهم ومستقبلهم.

وغرامشي يؤكد على ضرورة امتلاك الجماهيركما من الثقافة تختلف شكلا ومضمونا عن الثقافة المحترفة، فالثقافة الشعبية يجب ان توجد الموقع الذي على الانسان العادي ان يحتله من اجل اعادة صياغة المجتمع والعالم، وفي هذه الحالة، من وجهة نظر غرامشي بالامكان انتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين الثقافة المحترفة والثقافة الشعبية. وللوصول الى هذا الطموح يفرض غرامشي ضرورة الغاء الشكل التقليدي لفهم الفلسفة التي يصورها رجال الثقافة المحترفون، على انها امر بالغ الصعوبة وهي مقتصرة على فئة محددة من العلماء المختصين والفلاسفة المحترفين، فالفلسفة الحقيقية هي فلسفة البشر(كل انسان هو فيلسوف) فلسفة رجل العفوية، فالجماهير الشعبية لها فلسفتها الخاصة بها، وهو يقول" لانستطيع ان نتصور وجود انسان لايستطيع التفكير حتى وان لم يكن فيلسوفا، لان فعل التفكير من خصائص الانسان من حيث هو كذلك".

كتب غرامشي مؤلفه الكبير" دفاتر السجن" في سجنه، ويشمل ستة مجلدات موزعة اصلا على 32 كراسا يعالج كل واحد منها موضوعا في حد ذاته، سواء أكان هذا الموضوع سياسيا ام فلسفيا ام اقتصاديا، ام يعالج مسائل التاريخ الثقافي، ام الاجتماعي ام الفني ام الادبي، وهذه النصوص لاتمتلك طابع اليوميات، بل ارتدت طابع الدراسات العلمية الخالصة، بحيث ان كل كراس اتى على شكل بحث علمي مثل" ملاحظات ميكافيلي"، " الدولة الحديثة وسياستها" ، " الانبعاث" الذي يعتبر دائما اقوى الدراسات التي تناولت تطور البرجوازية الايطالية ونموها" بين الماضي والحاضر" ثم خصوصا " الادب والحياة الوطنية" الذي لايزال ينظر اليه دارسو غرامشي وكاتبو سيرته على انه النص الافضل والاقوى بين كل نصوص هذه المجموعة، و" الكوميديا الالهية" و" المادية التاريخية وفلسفة بنديتو كروشى" وصولا الى دراسته المميزة التي تناول من خلالها الادب واللهجات المحلية (العامية) ودور الثقافة حولها من مجرد جزء من " بنية فوقية" في المجتمع، بحسب الفهم الماركسي السائد في ذلك الحين، الى ان يرى دورا خاصا لها، حتى وان ارتبطت ببنية المجتمع واوليات هذا المجتمع، فهي ترتبط ارتباطا خاصا يجب البحث دائما عن هويته وجذوره.

اما مشكلة المثقفين فهي اساسية وجوهرية، اذ يرى غرامشي ام كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، ولكنهم لايملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، وهي وظيفة لايملكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس. ومن هنا يستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي. الاول في برجه العاجي ويعتقد انه اعلى من كل الناس، في حين ان الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين. وعليه، فان المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا امته.
 
ولد انطونيو غرامشي في 23 كانون الثاني (يناير) 1891 في مدينة "اليس" في جزيرة سردينيا.
عام 1908 اضطر الى الانقطاع عن الدراسة بسبب فصل والده من عمله، فعمل في مكتبة صغيرة لاعالة العائلة، ثم عاد في ما بعد لمواصلة دراسته بسبب اصرار امه. وفي عام 1911 حصل على منحة دراسية حكومية لدراسة الادب في جامعة تورينو.
عام 1913 سجل في منظمة الشباب الاشتراكي، وساهم في كتابة نشرة " صرخة الشعب" التي كانت تصدر عن ذلك التنظيم.
عام 1916 انضم الى الحزب الاشتراكي الايطالي في مدينة تورينو، وبدأ الكتابة في جريدة "افانتي"( الى الامام) الناطقة بلسان الحزب، حيث كتب مقالات فنية وثقافية، وبعد عام اصبح مسؤولا عن نشرة" صرخة الشعب" وظهرت تأثيرات فلسفة هيغل وماركس في كتاباته، وفي سنة 1917 انتخب سكرتير لفرع الحزب في تورينو، وفي 1919 بدأ مع رفاقه، تولياتي وتوسكا وترنجيني باصدار المجلة الاسبوعية" الاوامر الجديدة". وكان يصدر العدد الاول من تلك المجلة في الاول من ايار(مايو). بعد ذلك كتب غرامشي برنامج الحزب الاشتراكي الايطالي الذي اعتبره لينين في وقته يلتقي كليا مع المبادىء الاساسية للكومنترن.

وفي عام 1921 تحولت مجلة "الاوامر الجديدة" الى جريدة يومية، ومن ثم بدأت التهيئة لتأسيس الحزب الشيوعي الايطالي، فعقد الاجتماع الاول في مدينة ليفورنا في مقاطعة توسكانا وتشكلت اول لجنة مركزية للحزب الشيوعي الايطالي.

في عام 1921 دعي الى موسكو ممثلا عن الحزب الشيوعي الايطالي في مؤتمر الاممية الشيوعية، ولم يكن يتمتع بصحة جيدة مما حمله على دخول احدى المستشفيات السوفياتية، وتعرف اثناء مكوثه في المستشفى الى فتاة موسيقية وتزوجها واسمها جوليا سكوكت، وانجب منها ولدين، ديليو وجوليانو يعيشان حتى الان في مدينة موسكو. وفي عام 1924 غادر غرامشي الى ايطاليا، وانتخب كنائبا في البرلمان الايطالي عن مقاطعة " الفينيتو" الشمالية، وفي الوقت نفسه تسلم مهام سكرتارية الحزب الشيوعي الايطالي، وفي عام 1926 حضر المؤتمر الشيوعي في مدينة " ليون" الفرنسية، ونال خطه السياسي 90 في المئة من المؤتمرين.

ولكن في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته تم اعتقاله في روما من قبل قوات الحرس الفاشي، وقدم الى محكمة خاصة بتهمة القيام باعمال تخريبية وتعريض امن البلاد للخطر، فحكم عليه بعشرين سنة واربعة اشهر وخمسة ايام. وفي 1929 بدأ كتابة مؤلفه الكبير" دفاتر السجن" الذي يعكس المساهمات الفكرية التي لاتزال تحظى باهتمام المثقفين والسياسيين في جميع انحاء العالم، وتتمتع بتقدير كبير لدى عدد كبير من المع المؤرخين وعلماء الاجتماع. والمعروف ان " دفاتر السجن" عبارة عن رؤوس اقلام وملاحظات حددت الظروف الخاصة التي سجلت فيها طابع هذه المواد غير المكتمل بعض الشيء وكان المؤلف يعتزم انجازها، ومما لاشك فيه ان عدم اكتمال وانجاز مؤلفه الكبير هذا، خصوصا في المرحلة الابكر على حد سواء، يمكن ان يفسر بالظروف التي عاشها وعمل فيها، ومع ذلك لايقل اهمية ان نرى ونؤكد شيئا اخر، فقد عكس بفكره المتنور هذا رفضه الخطوط البيانية المغلقة والجمود العقائدي، وسعيه الى التكيف مع الظروف القائمة، وسير الاحداث بصورة منسجمة.

لقد تحاشى غرامشي فكره السعي الى بناء انظمة مصطبغة، وناهض منذ البداية الجمود العقائدي، فقد كتب يقول" لم يكتب ماركس انجيلا، وهو ليس رسولا ترك بعد غيابه عددا لايحصى من الوصايا المفعمة بتوجيهات قطعية وقواعد مطلقة غير قابلة للنقاش، ان ماركس بالنسبة الينا، مثال روحي واخلاقي، وليس راعيا يمسك بسوط".

ومع نهاية العام 1935، انهى غرامشي 33 دفترا، الا انه كان يحمل الى المستشفى لمعالجته باستمرار، وظلت صحته تتدهور حتى مات في احدى مسشفيات روما في 27 نيسان (ابريل) 1937، وقد اتهم" اومبيرتو كارديا" احد اقطاب الحزب الشيوعي الايطالي في عام 1988، تولياتي بالتهاون مع ستالين في دعم فك حصار العزلة القاتلة التي عاشها غرامشي داخل السجون الفاشية، اذ يعتقد كاديا بان تولياتي لم يفعل شيئا من اجل انقاذ غرامشي ويعزي السبب في ذلك" الى ان غرامشي تميز بمواقفه الواضحة من الممارسات الستالينية داخل صفوف الحزب الشيوعي السوفياتي ضد المعاضة من اعضاء اللجنة المركزية، وكذلك فان غرامشي كان يطالب باستمرار بعدم التنكيل بالمعارضة الداخلية داخل الحزب وضرورة احترام مواقفها، ولهذا فان غرامشي دفع ثمن مواقفه تلك بان بقي وحيدا منعزلا داخل السجون الفاشية حتى وفاته.












 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter