|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  24 / 2 / 2018                                موسى الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



كتاب جديد للفنان والناقد السوري طلال معلا
 "بؤس المعرفة في نقد الفنون البصرية "

موسى الخميسي / روما
(موقع الناس)

هل ثمة جدوى بعد الان لوجود نقاد في الفنون البصرية؟ وهل  ان وجودهم يسهم  في تطوير الفنون؟ وهل حافظ النقد على وظيفته المتمثلة في تقريب العمل الفني من المتلقي ؟ ثم ماذا يحتاج النقد الجديد لتكوين لغة بصرية متخصِّصة بمفردات وصيغ وتقنيات خاصة تتجاوز حالات الوصف والتعميم ؟ ومن أين نستمد النقد البصري اليوم ؟        

انطلاقا من هذه الحيثيات، صدر هذه الايام عن الهيئة العامة السورية للكتاب ، كتاب (بؤس المعرفة في نقد الفنون البصرية)،للفنان الناقد التشكيلي طلال معلا الذي استطاع  بفعل الممارسة والبحث أن يجمع بين الشقين التطبيقي والنظري، بين الفعل بالالوان والفعل بالكتابة، بين اللون والكلمة. يستعرض الكاتب الفنان طلال معلا، ما وقع على النقد في بلداننا العربية من تغيرات خلال السنوات الاخيرة ، واتهامات  البعض بان الناقد (ضلّ طريقه ، فبدأ بعرقلة الفنانين وهم ماضون في طريقهم.. عرقلة لاتقف عند حد الكتابة، إنما تتجاوز ذلك للعب دور كابح ومعيق، حين يتم إبراز النقاد كموظفين في الصالات والمؤسسات الفنية) .        

النقد من وجهة نظر طلال معلا، ظل حتى الوقت الحاضر، نشاطا يباشر الناقد عبره الأعمال الإبداعية  في مجال الفنون البصرية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك تقييمها وتقويمها بتحديد مكامن الضعف وعناصر القوة فيها، ويقوم ذلك على عمليات منها الملاحظة الدقيقة والفاحصة، ومنها التفكيك بقصد التبرير للأحكام، ومنها التلميح إلى ما كان ينبغي أن يقوم عليه بناؤها بديلا للمنجز. وبهذا يكون النقد نافذة نرى من خلالها إعادة بناء الأعمال وفق ملاحظات وإشارات مبنية على تحليل منهجي له آلياته ومصطلحاته الخاصة في نقد الفنون البصرية. يقول الكاتب في معرض رده على تلك التقولات (تكشف هذه المرارة عن حقيقة ماتزال تسكن الصلة بين الابداع البصري والابداع النقدي الموازي،إن لم يكن الاخير متقدما على الاول في أيامنا هذه مع بروز التوجهات الابداعية الجديدة، حيث بات من السهل اكتشاف الكثير من الادعاءات، ولعل تصفح تاريخ الكتابات النقدية عن الفنون التشكيلية العربية تاريخيا وحاضرا، ومحاولة حصره ودراسته الدراسة الصحيحة يثبت مدى التراكم المتحقق، والنصوص النوعية المميزة لدى بعض الباحثين والنقاد، جراء الثمار المعنوية التي قدمتها فنوننا على مدى القرن الماضي).  

نعلم بان النقد ممارسة تعتمد المعرفة، وله التأثير المباشر على النهوض بالفنون والتأثير العميق فيها استنادا إلى مقوماتِ التربية الفنية، وما تحمله من دعائم تفيد المبدعين تقنيا وفنيا وشكلا ومضمونا، وعبر الملاحظة والتوصيف والشرح والتحليل يقود الناقد إلى إصدارانطباعات تحمل الملاحظة الثاقبة والتفسير والقدرة على الغوص في تفسير تركيبة العمل الفني. يقول معلا (كيفما كانت الكتابات البصرية فلا بد ان تكون لها رسالتها التي تجعلها موضع الاهتمام، باعتباراتها التوثيقية والتحليلية والمنهجية.. الثقافية والفكرية والفلسفية).      

يؤكد الكاتب الفنان من خلال فصول كتابه الـ32 زائدا توطئة ومقدمة، بان النقد ممارسة تعتمد المعرفة، وله التأثير المباشر على النهوض بالفنون والتأثير العميق فيها استنادا إلى مقوماتِ التربية الفنية، وما تحمله من دعائم تفيد المبدعين تقنيا وفنيا وشكلا ومضمونا، وعبر الملاحظة والتوصيف والشرح والتحليل يقود الناقد إلى إصدارانطباعات تحمل الملاحظة الثاقبة والتفسير والقدرة على الغوص في تفسير تركيبة العمل الفني.الا ان عملية النقد ، او الكتابة النصية البصرية لايجاد حلول لاية إشكالية تتعلق بجوهر الابداع، قدر الانخراط النظري في الانساق المعرفية المولدة للجوهر ذاته من طريق آخر هو الكتابة. حول مثل هذا الجهد يقول لنا الفنان الكاتب طلال (اذا كانت الفنون بعمومها تحتاج الى دعم حكومي او مؤسساتي او مجتمعي مدني كي تستطيع ان تبلور مشروعها، وتحّول الوعي الاجتماعي الى قيم جمالية، فإن مظاهر الفنون كما نريد اليوم بقيت مع بدايات القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر باهتة المظهر لاحتياجها للخلفية الفكرية والفلسفية التي لم تستطع ان تحققها تحولات ثورية كتلك التي طالت التغيير الفلسفي في الغرب، كما حدث في انقلابات كالثورة الفرنسية (1798) والثورة الصناعية، والثورة التقنية، التي واكبها تغيير في الوعي، وتغيير في المذاهب والاتجاهات الفنية التي ما زالت تحدد معالم وتيارات الفنون في عالم اليوم).

من يواكب عملية النقد، يجد من الضروري  وهو يتقصى هذه العلاقة، ان ممارسة النقد تتحقق في شكل حوار بين طرفين يقبل كل منهما بوجود الاخر. وعملية النقد تضعنا امام شكلين متفارقين من الممارسة. النقد حوار بين منهجين مختلفين، وان يعترف كل منهج بوجود المنهج الاخر، وهي علاقة قبول واختلاف .لقد أصبح النقد الفني في اغلب الدول العربية هذه الأيام في عموميته، يحتكم إلى الشخص بدل العمل الفني، وما يفرضه من معاينة دائمة ومن فتنة فنية وجمالية وقيمة معرفية وفلسفية كبرى، تفرض سلطتها على المشاهد ليكون محصنا ذاته بجملة من التخصصات الأدبية والفنية والتاريخية والأنثروبولوجية، تساعده على الوصول إلى ماهية العمل الفني، وفك شفراته الملغزة من خلال عنصر مهم في القراءة التحليلية أو عتبة أولى ، لاتتحق الا من خلال احياء وتنشيط. و  يقول معلا في هذا الصدد (كما مثلت الرومانتيكية نزوعا شاملا في الغرب في تلك الفترة ، نهايات القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر، تمثل في سيادة انواع ادبية وفنية ألهبت المشاعر القومية في اكثر من مكان كإيطاليا وروسيا وامريكا، فإن نزوعا عربيا الى تمثل الصراع الثقافي القائم في العالم استدعى تنشيط الفهم العام للفنون البصرية، إذ بات العمل على نشر الثقافة جزءا لا يتجزأ من مشروع إحياء النهوض القومي في المنطقة العربية، ما أدى فيما بعد الى انتقال مباشر للادوات الابداعية من عمومية رومانسية الى توجهات واقعية جعلت الارتباط بالمجتمع سبيلا لايقاظ قوى التحرر، والانعتاق من التبعية والاستعمار الذي كان مهيمنا على مقدرات وخيرات واراضي الوطن العربي).                                                                                 

رغم ما وقع على النقد من تغيرات حسب العصور، فإنه ظل وسيظل نشاطا يباشر الناقد عبره الأعمال الإبداعية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك تقييمها وتقويمها بتحديد مكامن الضعف وعناصر القوة فيها، ويقوم ذلك على عمليات منها الملاحظة الدقيقة والفاحصة، ومنها التفكيك بقصد التبرير للأحكام، ومنها التلميح إلى ما كان ينبغي أن يقوم عليه بناؤها بديلا للمنجز. وبهذا يكون النقد نافذة نرى من خلالها إعادة بناء الأعمال وفق ملاحظات وإشارات مبنية على تحليل منهجي له آلياته ومصطلحاته الخاصة.

ولا شك أن  عملية نقد الفنون التشكيلية ـ كغيرها من الفنون ـ نشاط ملازم لها، يحاول استنباط الكامن والدفين فيها شكلا ومضمونا، معيناً على اكتشاف أسرار الجمال والنقص في ما يتناوله من أعمال، وبذلك يخوض مع سائر المتلقين ومنهم المبدعون تجربة الاستمتاع والكشف والتحليل وإصدار الأحكام. والناقد من هذه الناحية عليه أن يكون أكثر ثقافة وأدق ملاحظة وتحليلا من غيره، ما يكفل له إصدار الأحكام المبررة حول ما يشاهده من أعمال فنية. إلا أن هذا لا يلغي ما يطلق عليه النقد التأثري أو الانطباعي القائم على ما نشعر به إزاء العمل الإبداعي تلقائيا، فنظهر إعجابنا أو امتعاضنا إزاءه، وقد نبرر ما نحس به بشكل ما فنقترب إلى النقد التخصصي ولكن بنكهة مختلفة. وتتجلى أهمية النقد في كونه مساعدا على الاستنارة والإبانة عن مواطن الرقي الجمالي والفني في الأعمال الإبداعية عامة والتشكيلية خاصة، علاوة على كونه معينا على تذوق الفنون التشكيلية باختلاف فروعها، وعاملا دافعا إلى بلورة وتجديد الفنون التشكيلية، مساهما في إرساء قواعد وأسس متينة تساهم في تطويرها والتعريف بسر الجمال فيها، كما يساعد على اكتشاف الهنات والثغرات التي يمكن أن تعتري المنجز الإبداعي.

السؤال الملحّ والمتداول في الاوساط الفنية، هو هل العمل الفني الحديث (المفاهيمي) يحتاج إلى نقد؟ يقول طلال معلا،ان ذلك يستدعي من الناقد مجموعة كبيرة من المعارف ليحقق نصه النقدي المطلوب حول الفنان وعمله الفني، وان (غموض الفن، بألعابه الافتراضية يمنح اللغة طاقات تجاوزية تجعل منها جزءا من العملية الشعرية والابداعية ذاتها، والافكار التي كان يتم تركيبها بطريقة ذهنية محددة باتت اليوم خارج القواعد التي ترتب التجربة البصرية المعاشة في ظل التدفق اللايقيني للصور التي لم يعد بالامكان رؤيتها بجزئياتها بل بكلياتها التي تقدم حقائق العصر ومواضيعه وقضاياه الانسانية. يميز الكشف الناقد المبدع، ويدعم رؤيته، ويؤكد اختياراته باستمرار حين تحتوي ارادته الحرة الطروحات البصرية المتنوعة، توجهاتها الفلسفية والفكرية التي تشكل قمة العطاء لدى المبدعين، وكأن هذا الكشف جزء لايتجزأ من كينونة الناقد، الذي يجيد التعبير عن الاستعارات الجمالية وهو يحولها من عالم الصورة الفنية او المرئي المادي بتنوع تجلياته الى عمل بلاغي، متجاوزا إمكانية إصدار الاحكام وفق المعايير المحددة).

اذن يصير النقد الفني عملية ضرورية ينبغي أن تلازم المنجز في الفنون التشكيلية بغية جعلها في مستوى العصر، وما يحمله من ملامح التجدد الحاصل على الأذواق، وعلى مظاهر الحياة في شتى المجالات.ومهمة الناقد ان يشخص ما هو قيم ويدافع عنه بصرف النظر عن اتجاه التيار او المذهب الفني او الاسلوب.
 
 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter