|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  10 / 2 / 2020                                موسى الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

افتتاح المعرض المخصص للفنان بمناسبة مئوية وفاته

مدينة ليفورنو الايطالية والهوس بمودِلياني

موسى الخميسي / ليفورنا
(موقع الناس)

تحتفل مدينة ليفورنا باحد ابرز ابنائها الفنانين، امدييُو مودلياني بمناسبة مئوية وفاته (ولد بليفورنو سنة 1884 وتوفي بباريس عام 1920) وذلك بعرض اهم اعماله الفنية، وتحديدا تلك التي تضمنتها مجموعة ناتّر والاسكندر. والمعرض المبرمج بالمتحف الجديد للمدينة يغطي المدة من 7 نوفمبر الى 16 فبراير 2020. ويعرض للجمهور 133 عمل فني من بينهم 26 لمودلياني (14 تخطيطا و 12 لوحة) وكلها من المجموعة التي هي في حوزة 'جوناس ناتّر' و'بول الاسكندر' وهما من الاوائل الذين سارعوا الى الاضطلاع بمهمة الرعاية والحماية لاعمال الفنان.

والمعرض يوفر ضربا من الغوص في العلاقات بين مودلياني وناتّر والاسكندر (كما نجد فيه ايضا عملا فنيا مهما لـ 'جانة هِبوتارن' رفيقة مودلْياني الى غاية وفاته بل والى ما بعد وفاته؛ سيما وانها بعد ساعات قلائل من وفاته انتحرت لما نال منها من الالم والحزن والحسرة بسبب وفاة رفيقها فكان الحدثان من اكثر درامات تاريخ الفن تراجيدية) ولكن المعرض لا يتوقف عند ذلك بل يمسح بسردية خاصة النمط الذي تشكلت به مجموعات الاعمال الفنية لناتّر (الوسيط التجاري) والاسكندر (وهو طبيب) واللذان صرفا ما درته عليهما تلك الاعمال الفنية لتشجيع ودعم العديد من الفنانين ومودلياني كان من بين هؤلاء. وما زاد المعرض إكمالا هي لوحات كبار فناني تلك الفترة مثل 'سوزان فالادون، موريس اوتريلّو، اندري دران، موريس فلامينك، موسى كيسلينغ وشايم سوتين' وكلهم من الفنانين الذين عرفهم مودلياني وتقاسم معهم مفاصل من مسيرته الفنية. وما اضفى على المعرض تماما بعد اكمال هي اعمال الجيل اللاحق لمودلياني اعني اعمال فنانين مثل 'اسحاق آنتشار ، اوجين ابيش، جان هليون، جان فاكلاف زفادوفسكي، هنري هايدن، مارسال غايلارد وبنكوس كرامانيا' واخرون ممن اهدوا اعمالا فنية الى الجمّاعين ناتّر والاسكندر بين العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.

ويؤكد رستلّيني، القيم على المعرض قائلا "ان المعرض هو ضرب من العودة الى الاهل، وانا سعيد بهذه المناسبة واشكر مهنئا الادارة كلها لشجاعتها ولسرعة اختياراتها؛ ذلك انه لا يوجد قرار افضل من جلب معرض مودلياني الى مدينته بمناسبة مرور مائة سنة على وفاته. وهنا في هذه المدينة طور مودلياني مهارته الابداعية والروحانية، وهنا بليفورنو ايضا ارجو ان يستثمر التاريخ، وليس السوق وحدها، هذه الفرصة الرائعة لتبويئه المكانة التي يستحقها في تاريخ الفن الغربي" .

اما رئيس بلدية المدينة لوكا سلفِتّي فيقول "مودلياني قد عاد الى ليفورنو، الى مدينته، حيث ولد وكبر وتكون" ويضيف "لقد استعدت ليفورنو لاستضافة كل من وفد اليها لتحية الفنان الكبير. ساحة المكان النقي التي تحتضن متحف المدينة، حيث نُظّم المعرض، قد زينت وسيكون من الممتع شقها والمرور بها فضلا عن زيارة المتحف. لقد تغير مظهرها بهذه المناسبة وازّينت فصارت فعلا ساحة اوربّية وذلك بالفضاء المخصص للمترجلين (المشاة) وبدثار العشب الذي يغطيها، باشجارها وبالبوابة الكبيرة التي يبلغ طولها 6 امتار وعرضها 8 امتار والتي صيغت على شاكلة 'اللوغو' الخاص بمتحف المدينة ومنها يعبر الى المعرض. ويوم 24 يناير ستكون الذكرى المئوية لوفاة امدييُو مودلياني و ليفورنو تعرف جيدا كيف ستكرم مواطينها الاكثر شهرة؛ الرجل الذي حطم الرسوم السائدة في زمانة والتي تتسم بالمحافظة ومزاعم المعقولية والذي وهب حياته القصيرة للبحث عن بعد فني شخصي. وهذا يتجلى في رسوماته المحاكية الشهيرة والتي اجتهد فيها على نقل المظاهر السيكولوجية للشخصيات التي كان يرسمها، فقد كان يقضي ساعات طويلة مع كل واحد منها قبل ان يرسمها وذلك لانه كان يبحث على الامساك وفهم الملامح الباطنة لمن يوجد امامه. مودلياني ذو ثقافة عالية ولطيفة يكعس افضل انعكاس طبع ابن المدينة: يرفع هالة القداسة عن الاشياء والاشخاص ودائما على اهبة المقولة الساخرة، ذكي وانيق وخلب لا ينفد خلبه. وهو فنان اجتهد دائما في طلب استقلاليته الفنية وفي تثبيتها مما دعاه الى ترك مدرسة ماكيايولا بليفورنو التي ترعرع فيها لينتقل الى باريس. وهذا المعرض فرصة فريدة وغير قابلة للتكرار. انه حدث ذو اهمية خاصة بالنسبة للمدينة. امدييُو مودلياني قد رجع الى موطنه. كان يرغب في العودة عام 1920 سنة وفاته، كان يرغب في العودة الى العيش في مدينته صحبة رفيقته جانا. لقد صرح بذلك الى العديد من اصدقائه الرسامين في باريس وهذا معلوم لجلهم الا ان القدر حتم عليه امرا اخر. واليوم بعد مرور 100 سنة على وفاته تمكن ابناء هذه المدينة التاريخية العريقة بشجاعة كبيرة على رد روح هذا الفنان الى مدينته. روح لا زالت تمثلها اعماله الفنية الاكثر جمالا والتي ستقيم لثلاثة اشهر في صالونات متحف المدينة. وفي هذا المتحف تمكنت ادارته من ابداع فضاء جديد لعرض الاعمال الفنية لتستخدمه في معارض لاحقة: سيكون كلباس انيق لا يكتسى الا في المناسبات الجميلة. الجميع ممن التقتهم" الشرق الاوسط" واثقون من ان مواطني المدينة سيشاركون مشاركة كبيرة في هذه المناسبة مستعيدين هويتهم الثقافية التي ميزتهم منذ قرون خلت وكم يود كل منهم ان تتولد حول هذا الحدث العظيم احدات اخرى لا تقل عنه شانا فنيا وثقافيا .

اما المكلف بالشؤون الثقافية بالمدينة ، سيمون لانزي، فيقول " ان لهذا المعرض بالنسبة لمدينة ليفورنو قيمة تاريخية. والصفة ليست مبالغا فيها؛ ذلك ان مجرى التاريخ هو على هذا النحو: انه يضع المواعيد التي يجب ان تكون لنا الشجاعة على ان نقدمها ونستحضرها. ومئوية وفاة امدييُو مودلياني هي احد هذه المواعيد. او بالاحرى هو الموعد الذي لا يجب ان نخلفه ابدا. فقيمة هذا المعرض هي اذن قيمة احتفال مهم. وهو ليس كذلك فقط بل فرصة للترحيب بامدييُو مودلياني، في المدينة التي ولد ونشا فيها. وهذا المعرض يمكن ان يستخدم لوضع نهاية لعدم الفهم، المتولد عن فضلات رومانسية غير اصيلة وعن خرافات لاحقة، والذي حرّف علاقة البنّوة الوطيدة بين مدينة ليفورنو وابنها، الذي صار اكبر فناني القرن 20، تحريفا يعسر معه الوقوف على حقيقة تلك العلاقة. ونحن فعلا نعتقد ان المدينة التي ظلت في عيني وقلب مودلياني يجب ان نجعلها تحت انوار محددة؛ تحددها لنا طرق مختصرة، اصدقاء شبابه، زملائه في المدرسة، روحانية دينية خاصة ومن ذكريات حية لدى افراد اسرته واشياء اخرى كثيرة، انطلاقا من هذا المعرض، نسردها بزرد يجعلها اجزاء من قصة واحدة بقدر ما تزال تردد اصداءها في الحاضر. ولذلك فاني ارغب في التذكير بهذا الامر: في تلك السنين، بينما نجد مودلياني قد ترك اثرا لا ينمحي في تاريخ الرسم نجد الشاعرة 'راينار ماريا رايلك' تصف لنا الطفولة، بدقة مذهلة، بكونها الزمن "الذي كنا فيه مليئين بالاشكال" شارحة لنا بان تلك الاشكال (الصور والخيالات) هي بالتدقيق ما ندوم فيه طيلة حياتنا كلها؛ وسواء اختار فنان ليفورنو البقاء للعيش في مدينته، التي لا تعدو ان تكون مجرد محافظة (بمعنى ولاية) حتى وان كان لها في اصولها تاريخ كمدينة كوسموبوليتية ذات حداثة غير معتادة، ام اختار الذهاب الى باريس ليبهر العالم انطلاقا من مكتبه الفني المتواضع بمونبرناس في باريس، فإن ذاك الملاء بالصور التي نشأنا فيها بعد اذ ولدنا فيها ومعها (ثقافيا) سيجعل من تلك الصور محددة لنظرتنا دائما. وتلك النظرة التي تجد اصولها في هذه المدينة اليها تعود اليوم."
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter