|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  7  / 10 / 2020                       محمد جواد فارس                            كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الشهيد المقدم خزعل السعدي قنديل شيوعي باسل

محمد جواد فارس *
(موقع الناس)

شهيد العلا لن يستمع اللوم نادبه
وليس يرى باكيه من قد يعاتبه
طواه الردى فالكون للمجد مآتم
مشارقه مسودة و مغاربه
                                  
 بدر شاكر السياب

لقد غيرت ثورة الرابع عشر من تموز 1958 مسار تاريخ العراق بعد أن انهت الحكم الملكي وإقامت الجمهورية الأولى في تاريخ العراق المعاصر ، هذه الثورة جاءت بمكتسبات سطرت في صفحات المجد ومنها خروج العراق من حلف بغداد المشؤوم ، واخرجت العراق من العملة الأسترلينية ، و أصدرت قانون الإصلاح الزراعي لصالح الفلاحين ، وأصدرت قانون الأحوال المدنية المنصف لحقوق المرأة في حياة كريمة ، واصدار قانون رقم 80 الخاص بتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية ، وإقامة علاقات وطيدة مع بلدان المعسكر الاشتراكي في مجالات متعددة ، السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية ، ولكن خلافات ظهرت منذ الأيام الأولى للثورة بين قيادة الثوار ، بين الزعيم عبد الكريم قاسم و العقيد عبد السلام عارف ، و كذلك الخلافات التي عطلت عمل جبهة الاتحاد الوطني بسبب من ان الجبهة لم يكن لديها برنامج متكامل لما بعد الثورة مما أدى الى ظهور الخلافات بين أحزاب الجبهة والى انفراط عقدها ، هذه الخلافات أدت الى تخلخل الجبهة الداخلية وضعفها على الرغم من تواجد الشيوعيين في الشارع وقيادتهم للنقابات العمالية والجمعيات الفلاحية و المنظمات المهنية ، كانت القوى القومية والبعثيين تعد العدة لقلب نظام الحكم القاسمي واستلام السلطة وفعلا جرت الأمور بشكل متوقع و بدأت خيوطها من خلال اول محاولة انقلابية أتت من الموصل بعد ان جرى نقاش ساخن بين عبد الكريم قاسم والعقيد عبد الوهاب الشواف امر معسكر الغزلاني في الموصل علما بان الشواف كان احد اعضاء منظمة الضباط الاحرار و محسوب علي اليسار ويتمتع بعلاقات جيدة مع الشيوعيين و كان قد اقترح على عبد الكريم قاسم تأجيل موعد مهرجان أنصار السلام في الموصل لكي لا يحدث تصادم بين القوى و الأحزاب هناك ، ولكن الزعيم اصر على اقامته ، واستعان الشواف بالقوى القومية وعبد الناصر وحدث ما حدث ، وبعد فشل انقلاب الشواف ، قام البعثيون بالتخطيط لأغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في منطقة رأس القرية في شارع الرشيد واتخذ القرار من قبل قيادة البعث متمثلة بأمينه العام المهندس فؤاد الركابي ، وكان الزعيم لم يستمع لرفاقه من المقربين له حول التآمر على الثورة من أمثال العقيد فاضل عباس المهداوي وصفي طاهر وماجد محمد امين و طه الشيخ أحمد وكنعان حداد وغيرهم من العسكريين الوطنيين ، وبقي مستبدا في الحكم و ضع الكل في السفينة التي بدأت تغرق الى ان وصل الامر في انقلاب الثامن من شباط 1963 الانقلاب الذي دفع الشيوعيون والديمقراطيون الثمن غاليا بالشهداء والمعتقلين ، ولم ينسى شعبنا على الرغم من الاستبداد والتسلط المنجزات التي قامت بها حكومة الزعيم عبد الكريم خلال فترة حكمه الممتدة من الرابع عشر من تموز 1958 ولغاية انقلاب 8 شباط 1963 الدموي ، ومنها بناء 25 مستشفى و160 مستوصفا في مختلف مدن وقصبات العراق و10 مدن سكنية و 22 جسرا و تم بناء 2334 مدرسة بين رياض أطفال الى الابتدائية والثانوية ومدارس مهنية ، 44 مصنعاً بين صغير وكبير .

وكان لشهيدنا المقدم خزعل علي السعدي مواقف معروفة .. ولد الشهيد في قرية الهويدر التابعة للواء ديالى وهي من القرى المشهورة بزراعة الحمضيات و الاعناب . كان الشهيد منذ نشأته يفكر بالفلاحين وشغيلة اليد ويتألم لمعاناتهم وهذا ما شجعه على الانتماء للحزب الشيوعي العراقي حيث وجد فيه برنامجاً ينطبق وتطلعاته نحو غدا افضل وفي ظل شعاره المركزي (وطن حر وشعب سعيد) .

دخل الكلية العسكرية عام 1940 وتخرج منها عام 1942 وبعد تخرجه تمتع بحب الجنود واحترام وتقدير زملائه مما وسع من مقدرته القيادية واستلم مركز الانضباط العسكري في مدينة شهربان ومن هوايته إضافة الى المطالعة في الشأن العسكري والثقافي كان يحب الاستماع الى الموسيقى والغناء ، التحق في اللواء التاسع عشر والذي كان يقوده الزعيم الركن عبد الكريم قاسم في منصورية الجبل ، وانتمى لحركة الضباط الاحرار وبشهادة اللواء الركن حسن النقيب وهو القومي يقول عنه في مقابلة له : ان المقدم خزعل السعدي كان وطنيا شجاعا ومخلصا من خلال معرفته به في معسكر بمدينة كركوك ، تمتع بعلاقات وطيدة بين المقربين له مثل خليل أبراهيم العلي وسلمان حصان ونافع يونس وعبد الوهاب الشواف ، وكما كتب خالد الذكر ثابت حبيب العاني ان الحزب ابدى اهتماما كبيرا بالشيوعيين العسكريين وشكل منهم تنظيم قاده عطشان ضيول الأيزرجاوي ، وحدثني المقدم غضبان مردان السعد (أبو سعد) في لقاءاتنا في دمشق عن هذا التنظيم العسكري ومهماته وعن دور رفيق دربه المقدم خزعل السعدي وعن شجاعته في طرح رأيه والذي كلفه الكثير بما فيه احالته على التقاعد وحتى الاعتقال ، كان له موقف من دكتاتورية عبد الكريم قاسم عندما ذهب إلى مقر جريدة أتحاد الشعب الناطقة بلسان الحزب الشيوعي عام 1959 ووصل الخبر الى عبد الكريم قاسم وقرر احالته على التقاعد ، وهذا لم يمنع الشهيد بمتابعة موقفه من الدكتاتورية ، بل ازداد ثوريةً في نشاطه من خلال الضباط الشيوعيين في مبادرة منه لتوجيه رسالة الى الحزب تضمنت مقترحاً باستلام السلطة من عبد الكريم قاسم لان الوضع في تدهور وهناك اجرءات قام بها قاسم ابعد خلالها العسكريين الشيوعيين عن مراكزهم وقرب البعثيين والقوميين بدلا عنهم ومن هنا بدأ التخطيط للانقلاب ، وقد وقع على الرسالة كل من خزعل السعدي وفاضل البياتي وإبراهيم الجبوري وسلمان الحصان وشاكر الخطيب وعبدالكريم كاظم وخليل إبراهيم العلي .

ودرست الرسالة في اجتماع المكتب السياسي للحزب وعقد الاجتماع في حزيران عام 1961 . حضر الاجتماع السكرتير الأول للحزب سلام عادل وزكي خيري وعامر عبد الله و محمد حسين أبو العيس وجورج تلو وعزيز محمد وعبد السلام الناصري والمرشح لعضوية المكتب السياسي عزيز الشيخ ، وكان قرار المجتمعين رفض الاقتراح بالتحرك ضد الحكم وتوجهوا بالنقد الشديد للمقترح بحجة انه يستهين بقوى الجماهير ، طبعا لا ننسى تأثير الموقف السوفيتي عليهم وتمسكه بنظام عبد الكريم قاسم ذو التخبط العشوائي بين اليسار واليمين .

كان خزعل السعدي كرفاقه العسكريين الشيوعيين من أمثال غضبان السعد وعطشان الازيرجاوي وسليم الفخري وفاضل البياتي وإبراهيم الجبوري كانوا في مسيرتهم حراساً لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ، ولكنهم ابعدوا بقرار من الزعيم مثل غصبان السعد الذي أبعد الى موسكو ملحقا عسكريا وكذلك سليم الفخري حيث ابعد عن الإذاعة والتلفزيون وابعد عطشان ايضا الى موسكو للدراسة وزج بخزعل السعدي في السجن ، هكذا تعامل عبد الكريم قاسم مع الشيوعيين الذين وقفوا معه .

المقاومة والاستشهاد
وقع اختيار مدينة الكاظمية لبدء مقاومة انقلاب شباط الدموي حيث التحق خزعل السعدي و هادي هاشم الاعظمي وحمدي أيوب العاني وكوادر اخرين وبدأت المقاومة بالعصي والسكاكين من اجل السيطرة على مخافر الشرطة للحصول على السلاح وكانت الجماهير المحتشدة امام وزارة الدفاع تطالب الزعيم بتوزيع السلاح لمقاومة الانقلاب لكنه رفض ، ومن خلال مقاومة الشيوعيين في الكاظمية سقط العديد منهم شهداء ومنهم أبراهيم الحكاك وناظم الجودي وعلي عبدالله ومحمد الوردي والمقاوم البطل ابن الكاظمية سعيد متروك وغيرهم وبعد ان القي القبض على خزعل السعدي في الحادي عشر من شباط بعملية غدر بلقائه مع زوجته وعذب وفي يوم 26-5-1963 صدر بيان الحاكم العسكري العام رشيد مصلح بإعدام كوكبة لامعة من الشيوعيين الابطال منهم خزعل السعدي و فاضل البياتي واخرين . استشهدوا من اجل الوطن والشعب ومبادئ الفكر الماركسي ومن اجل الاشتراكية العلمية .

المجد والخلود للشهيد البطل خزعل السعدي ولكل رفاق دربه قناديل تضيئ لنا وللأجيال القادمة الطريق نحو بناء مجتمع الكفاية والعدل .

 

 * طبيب وكاتب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

          موقع الناس .. موقع لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

             جميع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لموقع الناس                                                              Copyright © 2005-2012 al-nnas.com - All rights reserved         

  Since 17/01/05. 
free web counter
web counter