| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 24 / 9 / 2026 محمد جواد فارس كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
مدرسة عبدالحسين شعبان
محمد جواد فارس *
(موقع الناس)المثقفين بوصفهم من يسرع ويوزع ويمارس الثقافة٠ أي العالم الرمزي الخاص بالانسانية و الذي يتضمن العلم و الفن و الدين .... سيمور مارتن ليبست
يعتبر صديقي الصدوق عبد الحسين شعبان أحد أهم المثقفين العرب الاشكالين ٠ فبالرغم من اعتزازه بمدرسة اليسار ٠ الا أنه امن بوجوب تقديم قراءة نقدية جديدة للماركسية و سلك طريق التجريب والجدل مبتعدا عن الايمانية التبشيرية على حد قوله ٠ليس هذا فحسب بل ساهم الى حدود غير قليلة في اطار التجديد و التنوير و الحداثة و العقلانية ٠
وبسبب من ضميره اليقظ و الحر وتوقه الى العدالة و المساواة انشغل بقضايا الديمقراطية و حقوق الانسان و المجتمع المدني و الأديان و القوانين الدستورية و الدولية٠ بما فيها قضايا النزاعات و الحروب و التسامح و اللاعنف٠
وقد عمل جهده للجمع بين العمل الفكري و الممارسة العملية وبين العمل الأكاديمي و النضالي ، مثلما اعطى لنشاطه السياسي مسحة حقوقية ، كما زاوج بين السياسة و الثقافة ، فامتزجت مع بعضها البعض لدرجة لا يمكن فصلها ، فهدفه الاسمى هو البحث عن الحقيقة و الخدمة العامة و اعلاء شأن الحقوق و التربية عليها ٠
وفي الحديث له عن تجربته بعنوان (محطات بين الثقافة و السياسة) في الكوفة غاليري في لندن شباط / فبراير 1994 و أصدره لاحقاً بكراس بعنوان (بعيدا عن أعين الرقيب) ردد ما قاله الشاعر أكتافو بات من أنه (اذا خلا رأس السياسي من الشعر فانه يتحول الى طاغية) و هذا يقودني الى الحديث عن دور الشعر بشكل خاص و الأدب بشكل عام في تكوين عالم شعبان الروحي ، حيث ظل الجواهري الكبير (ابو فرات) ملازما له طيلة حياته ، وانعقدت بينهما لاحقا صداقة مديدة قاربت ثلاثة عقود من الزمن نتج عنها كتبا و مقابلات و حكايات ، واخرها الكتاب الموسوعي الذي صدر عن دار سعاد الصباح العام 2024 ٠
كما كان له صداقة متينة مع الراحل مظفر النواب أنجبت كتابه (رحلة البنفسج) و الذي صدر عن دار النهار في بيروت في العام 2023 , كما قرأ بعمق واعجاب لبدر شاكر السياب ، وعبد الوهاب البياتي ، ونازك الملائكة ، وبلند الحيدري ، ونزار القباني ، وسعدي يوسف و أدونيس ، ومحمود درويش ، ومصطفى جمال الدين ، ولميعة عباس عمارة وعاتكة الخزرجي و غيرهم ٠ وتأثر في بداياته بالمنفلوطي و جبران خليل جبران وبالطبع غاندي الذي بقى تأثيره الى اليوم ، وقرأ روايات يوسف السباعي و احسان عبد القدوس و نجيب محفوظ وتولستوي و بلزاك وهمنغواي و اخرين ٠
و على عقود من الزمن وقف شعبان موقفا داعما الى أقصى الحدود القضية الفلسطينية ، حيث شارك في مؤتمرات دولية عديدة ، وساهم في لجان تحضيرية لدعم القضية الفلسطينية ، كما حرر نصوصا و قرارات دولية و عربية لدعم حق تحرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ، وكتب مقالات في مجلات و صحف فلسطينية و عربية و أجنبية عن القضية الفلسطينية و الصراع العربي (الاسرائيلي) والصهيونية المعاصرة ٠
وهو من الحقوقيين القلائل الذين و من وقت مبكر ، أقترح تنظيم (محكمة شعبية) أي محكمة ضمير لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة ، وقد الف في ذلك كتابا بعنوان (سيناريو أولي لمحكمة القدس الدولية العليا) العام 1987 ٠وتأسست بمبادرة منه و زميله الدكتور جورج جبور اللجنة العربية لدعم قرار الامم المتحدة 3379 , و التي تم استبدال اسمها الى (اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية و العنصرية) و كان هو امينها العام وزميله جورج شغل رئاستها 1986 ٠
وعلى الرغم من عروبة عبد الحسين شعبان الطافحة ، كان ولا يزال من المنشغلين بقضايا المجموعات الثقافية (الاقليات) وهي عبارة يتحفظ على استخدمها ، خصوصا الأكراد ، فخلال عمله أقدم على عدد من المبادرات المهمة منها : انه نظم أول حوار عربي - كردي في لندن العام 1992 بحضور 50 شخصية عربية و كردية ، وكان اول من دعا لتنظيم حوار بين مثقفي الأمم الأربعة (العرب و الترك والفرس و الكرد) كما دعا الى اضافة الأمازيغيين من المغرب العربي و الأرمن ايضا ، وتحقق ذلك لأول مرة في تونس تلبية لمبادرته من جانب المعهد العربي للديمقراطية 2016 , ودعا ايضا الى ويستفاليا عربيةو اخرى مشرقية ٠
كما تحفظ على اعلان الامم المتحدة (اعلان حقوق الأقليات) العام 1992 في مراسلة له مع بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة ، على الرغم من تقديره الايجابي له ، لاسيما اعترافه بحقوق (المجموعات الثقافية) لكنه اعتبر أن أستخدام القرار مصطلح (الأقليات) انما يستبطن الهيمنة و التسيد من جهة ، مثلما يفترض الخضوع و الاستتباع من جهة أخرى ، الالم الذي يعني الانتقاص من مبدأ المساواة ومن الاعتراف المتكافئ ،بغض النظر عن الاقلية و الأكثرية ،وظل متمسكا بمبدأ حق تقرير المصير ببعده الحقوقي و الأنساني ٠
و شعبان من الشخصيات العربية التي امنت بالتسامح و دعت اليه ،و كان من المبادرين لادانة ما تعرض له المسيحيون في العراق والبلدان العربيةو ما يواجهونه من تحديات ، و هم اهل البلاد الأصليون بهدف اجلائهم من ديارهم فهم متصالحون مع الأديان و المعتقدات رغم التوجه المدني و العلماني ، لذلك نجد أن الكثير من اصدقائه ليس فقط من المثقفين و المفكرين بل من رجال الدين أيضا بالاضافة الى الناس العاديين ، و أن دل ذلك فهو يدل على تواضعه ومحبته الخالصة ٠
تمتد صداقتي مع المفكر الموسوعي عبد الحسين شعبان الى أكثر من خمسة عقود من الزمن ، حيث تعرفت عليه عندما كان أحد ابرز قادة اتحاد الطلبة العام في العراق 1967 وامتدت هذه العلاقة بحضور مؤتمرات و لقاءات لأتحاد الطلبة ، كما عملنا سويا في الحزب الشيوعي العراقي ، وعدت والتقيت به مرة أخرى في دمشق مع كبار المثقفين العراقيين و العرب ، كما عملنا سوية في جريدة (المنبر) الذي كان يرأس تحريرها، وكان لنا اراءنا الخاصة بعدة مواضيع مختلفة ، منها الحرب العراقية - الايرانية .
عبد الحسين شعبان يمثل مدرسة حقيقية ، حيث تتلمذ و يتتلمذ الى الان على يده أجيال من الشباب ، وما تزال أفكاره تثير جدلا و نقاشا و حوارا و أهتماما كبيرا ،ولذلك هو يجسد روح حية متطلعة الى المزيد من العلم و المعرفة و الثقافة و الجديد ٠
ومن خلال متابعتي لطروحاته المتمردة و ارائه الحداثية ووجهات نظره ، أنه فعلا أستحق و بحدارة لقب المثقف العضوي ، حسب تعريف غرامشي ، متمنيا له دوام الصحة و العمر المديد ، ليمدنا بالمزيد من افكاره النيرة ٠
* طبيب وكاتب
جميع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لموقع الناس Copyright © 2005-2012 al-nnas.com - All rights reserved