|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  15  / 1 / 2018                                 لطيف نعمان سياوش                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

(من دفاتر مذكراتي)

بين الحيايا ، والعقارب ، والخنازير

لطيف نعمان سياوش
(موقع الناس)

أواسط الثمانينات أبان الحرب العراقية الايرانية في منطقة طق طق ..
منذ أكثر من عام أستقر مقر فوج المشاة على شاطىء نهير جميل ملتو تغمر سفوحه من الجانبين الخضرة والشجيرات القصيرة التي لا تتعدى اطوالها اكثر من مترين ..

أعتدت منذ شهر أن أغتسل يوميا بعد الظهر في هذا النهير حيث تتوسطه صخرة كبيرة ، وأعلق ثيابي العسكرية على الشجيرات الصغيرة على السفح ..
كنت أفرك فروة رأسي بالصابون ، وبين الفينة والاخرى أغطس في الماء ..

كانت تشاركني في السباحه وألاغتسال حية بطول متر ونصف المتر وبقطر 1 إنج ، وهي تتلوى برشاقة والفة كأنها ترقص الباليه دون أن تلحق بي أي اذى ، للحد الذي أعتدت عليها ، برغم إني كنت أخشاها وأتوجس منها في البداية .. لكن كنت مصرا على الاغتسال في هذا المكان لكونه مريح ونظيف ..
وصرت مع مرور الايام صديقا لتك الحية التي رافقتني في الاغتسال كل يوم حتى انتقل الفوج الى مكان آخر سنأتي على ذكره ..

× × × ×
لازلت في طق طق ولكن هذه المرة في غرفة 4×3 متر نسكن فيها 4 جنود ..
غرفة من البلوك وسقفها من الصفيح وهي حاره في الصيف وبارده في الشتاء ..

أخترت لنفسي ركنا في تلك الغرفة .. في شهر تموز .. الحر على أوّجه .. في هذه الاوقات تظهر الحيايا والعقارب من أوكارها ومن تحت الصخور..
غلفت الحائط المتاخم لوساتي بالورق الاسمر الذي كنا نغلف به دفاترنا أبان الستينات من القرن الماضي ..

الساعه تشير الى الرابعه فجرا .. سلّمت واجب الحراسه لجندي آخر ، وأنا أشعر بنعاس شديد بعد رحلة النهار الشاقة أكاد أنام وأنا واقف ..

خلعت بوسطالي تمددت على (التخت) الذي رتبته على هيئة سرير .. غفوت في الحال لم يمض كثير من الوقت سمعت صوت حشرة (تخشخش) على الورق الاسمر لا تبعد عن رأسي سوى سنتمترات قليله ..
أستيقضت فزعا وأشعلت المصباح اليدوي فإذا بعقرب كبير أسود اللون يمرح قرب رأسي ..
ضربته بالنعال وقتلته على الفور ..
عدت لأنام لكن القلق لم يبارحني ..

لم تمض سوى دقائق قليله ، سمعت نفس الصوت (خشت - خشت - خشت) ..
فزعت وأشعلت المصباح اليدوي مرة أخرى فأذا بعقرب آخر أسود وأكبر حجما من الذي سبق ..
قتلته على الفور ..

بقيت أتساءل مع نفسي : كيف يغمض لي جفن مع هذه العقارب اللعينة ..
لم أنم حتى الصباح ، وأنا أعيد الى ذاكرتي لدغة عقرب صغير لا يتجاوز حجمه حجم حبة الحمص لجندي معي قبل أيام في نفس الغرفة ، وكان يبكي كالاطفال لفرط ألمه .. ما بالكم مع هذه العقارب السوداء كبيرة الحجم والمكتنزة بالسموم ؟..حتما إن لدغة واحدة منها تكفي لقتل أقوى رجل في الحال..

× × × ×
هذه المرة في أقصى الجبال العالية المطلة على مدينة قلعة دزه .. تحديدا في منطقة تسمى (دارشمانه) حيث كنا نسير نحو الجبل الشاهق مشيا على الاقدام منذ الصباح الباكر لنصل الى القمة مع مغيب الشمس ..

كنت حرس في نقطة نائية للحراسة قرب مطبخ الفوج .. حيت تترك فضلات الطعام التي تغري روائحها الحيوانات البرية كالدببه والخنازير والكلاب والقطط والجرذان وغيرها ، لاسيما فضلات اللهانه والقرنابيط والبصل والطماطم والباقلاء وغيرها الكثير ..

كان الجنود يتناقلون حكايات الخنازير وكيف تسير في الليالي الظلماء كمجاميع يقودها الخنزير الاكبر حجما والاكثر قوة ..
نقطة الحراسة تطل على وادي سحيق ..

بعد منتصف الليل في شهر آب كان الظلام دامسا ، سمعت أصوات أنفاس الخنازير (وهي تشبه صوت انفاس الانسان عندما يبذل جهدا الى حد كبير) .. لكن الصوت كان عاليا لأنها تعبت بعد تسلق الوادي نحو القمة .. دنت ألاصوات مني لمسافة قريبة جدا ..
إنها الخنازير فعلا !! يا إلهي لأول مره أشاهد خنزير امامي ..

على الفور سحبت أقسام بندقيتي ، ورميتها برشقه من الاطلاقات .. شعرت بأني أصبت على الاقل احداها ، وهي تفر وتحدث صوتا أشبه بالعويل ..

مع أول خيوط الفجر أستطلعت المكان وجدت آثار دماء الخنازير على الارض ..
يقينا في تلك الحقبة ما كنّا نخشى العدو قدر ما كنّا نخشى الحيايا والعقارب والحيوانات المفترسة ..



عنكاوا

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter