|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  5 / 8 / 2020                                 د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

     

ما الخيارات المتاحة أمام الكاظمي في حكم العراق
(2)

د. كاظم حبيب
(موقع الناس)

الحكمة والعقلانية والجرأة لرئيس الحكومة، وجبهة شعبية ضد الطائفية والفساد والإرهاب

لقد طرح السيد الكاظمي برنامجه السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي والأمني، وبضمنه انتخابات مبكرة، والكشف عن قتلة المنتفضين، وحصر السلاح بيد الدولة، على المستوى الداخلي من جهة، وبرنامجه بشأن العلاقات العربية والإقليمية والدولية التي تشير إلى أنه يسعى إلى الابتعاد والنأي بالعراق عن المحاور الإقليمية والدولية، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية التي ابتلي بها العراق طيلة السنوات المنصرمة، وهي لا تزال مستمرة بشكل صارخ.

وخلال الفترة المنصرمة اتخذ عدداً من الإجراءات التي لم تكن من القضايا الأساسية، على أهميتها، بل خضعت، على وفق متابعتي لها، لردود أفعال لما يجري في الساحة السياسية والاقتصادية والأمنية العراقية، مثل تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، أو اعتقال الأفراد العسكريين الذين اعتدوا بصورة عدوانية وارتكبوا جريمة بشعة ولا أخلاقية ضد الصبي القاصر حامد. لكن أبرز المسائل التي صرح بها كان إعلانه عن موعد إجراء الانتخابات المبكرة، والتي لم يتم حتى الآن تأمين أي شرط أساسي من شروط إجرائها بشكل حر ونزيه وعادل، أي تلك الشروط التي وضعها هو نفسه في برنامجه الوزاري.

إلى ماذا يشير هذا الأسلوب في عمل رئيس الحكومة؟ أرى أن رئيس الحكومة لا يزال يعاني من ضغوط داخلية وإقليمية شديدة ومتفاقمة تمنعه من العمل الحر على وفق الملفات الأساسية التي تواجه المجتمع العراقي والتي نادى بها وتظاهر لها المدنيون وقدموا التضحيات وتعرضوا لقمع شرس وعدواني من جانب حكومة الطائفي بامتياز نوري المالكي رئيس الحكومة في عام 2011، ومن ثم الشبيبة المنتفضة منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 والتي لا تزال مستمرة ، والتي قدم الشعب خلالها المئات من الشهداء وآلاف الجرحى والمعاقين وجمهرة كبيرة من المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب إضافة إلى الاغتيالات والاختطافات في فترة حكم الجزار رئيس حكومة البيت الشيعي الخرب، عادل عبد المهدي.

إن من بين السمات المميزة لسياسة الكاظمي هي القلق والتردد وعدم حسم الأمور وجس نبض النخب والأحزاب الحاكمة ثم القيام بردود أفعال، كما إنها يمكن تكون، كما أشار السيد الدكتور فارس نظمي، إلى احتمال إرضاء قوى الانتفاضة وتخدير يقظتها من جاني، كما فيها عدم استفزاز القوى المناهضة للتغيير والتجاوب معها من جانب آخر، والتي تقود إلى حصول جمود عام وعجز عن توفير مستلزمات معالجة الملفات المطروحة من جانب قوى الانتفاضة للتنفيذ وليس للتردد والمراوحة والتخدير، عندها تصب في صالح أعداء الانتفاضة. إن رئيس مجلس الوزراء، كما أ{ى، بحاجة إلى خارطة طريق واضحة المعالم تتضمن جدولة أوقات تنفيذ الملفات الساخنة خلال فترة رئاسته لمجلس الوزراء وصولاً إلى الانتخابات المبكرة الحرة والنزيهة والعادلة.

كم يتمنى الإنسان أن يطلع رئيس مجلس الوزراء على ما يكتب وينشر في الصحافة الدولية والعراقية، إذ أنها تتضمن أفكاراً ومقترحات كثيرة وعملية بمقدور تنفيذها المساهمة بقطع شوط مهم على طريق تحقيق شروط ومستلزمات إجراء الانتخابات القادمة التي يعول عليها وعلى نضال الشعب المنتفض تغيير بنية مجلس النواب وتغيير ميزان القوى لصالح الشعب. لا يمكن القبول بالمداهنة والسكوت عن حيتان الفساد التي التهمت ولا تزال تلتهم موارد البلاد الأساسية، كما لا يمكن تجاوز ما طرحته السيدة فكتوريا جرجيس من مقترحات لمواجهة الفساد والأزمة المالية التي يعاني منها العراق، أو ما يطرحه الخبراء الاقتصاديون العراقيون من مقترحات لمعالجة المشكلات الاقتصادية والمالية الآنية وعلى المدى المتوسط والبعيد، التي لم تجد أي أذن صاغية قبل ذاك ولا اليوم. لا يكفي أن ننظم المنافذ الحدودية والجمركية في الوسط والجنوب مثلاً، بل لا بد أن تفرض الدول الاتحادية سيادتها على كل المنافذ الحدودية العراقية مع إيران وسوريا وتركيا، بحيث تشمل المنافذ الموجودة في كردستان العراق، التي تستوجب في الوقت ذاته معالجة المشكلات القائمة مع الإقليم في المجالات الاقتصادية والمالية والنفطية وحدود صلاحيات الإقليم وصلاحيات الحكومة الاتحادية. إن بقاء هذه المشكلات عالقة سوف تبقي العراق دولة هشة وهامشية عاجزة عن معالجة مشكلات البلاد الداخلية. إقليم كردستان جزء من الدولة العراقية الاتحادية، وبالتالي يخضع الإقليم لدستور العراق وقوانينه النافذة مع العمل على تغيير ما هو غير سليم وحمال أوجه أو رجعي وطائفي.

إن عدم تحريك ملف قتلة المتظاهرين مثلاً، واستمرار وجود كثيف ومتنوع للسلاح الخفيف والمتوسط بل حتى الثقيل المخبأ، ومنها صواريخ كاتيوشا أو غيرها، بيد الميلشيات الطائفية المسلحة وخارج سلطة القانون وممارستها ابتزاز الشعب والحكومة وإهانة الدولة واستفزاز رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة، وتوجيه صواريخ كاتيوشا ضد المنطقة الخضراء والمطار ومواقع عسكرية أخرى، كما أن استمرار عدم فتح ملفات حيتان الفساد الكبيرة والمعروفة لرئيس الحكومة ورئيس جهاز المخابرات والقائد العام للقوات المسلحة، وعدم الكشف عن قتلة هشام الهاشمي بذريعة تعقيدات وتشابك المشكلة، وعدم الكشف عن مختطفي توفيق التميمي ومازن لطيف وغيرهما والمحررة الألمانية، أو السماح باستمرار مزاد العملة الصعبة وسرقتها وتحويلها إلى إيران وفساد وجشع البنوك الخاصة، لا يجعل من الدولة العراقية دولة مستقلة قادرة على اتخاذ القرارت المعبرة عن مصالح الشعب والوطن، بل دولة هشة وهامشية، وعاجزة عن تحقيق الانتخابات المنشودة التي يفترض أن تساهم في تغيير أوضاع العراق صوب دولة ديمقراطية علمانية حديثة ومجتمع مدني ديمقراطي مزدهر.

ما هي أوجه السياسة الاقتصادية التي ينتهجها الكاظمي خلال هذه الفترة، ما هي معالمها وما هو تأثيرها المحتمل على البطالة والبطالة المقنعة وعلى العدالة في التوظيف وتحريك مجلس الخدمة، وإيقاف دفع الرواتب للفضائيين وتعدد الرواتب التي يتسلمها الفضائيون وغير الفضائيين ...إلخ؟ ليس هناك ما يشير إلى وجود ملامح واضحة أو توجه ملموس وواقعي في معالجة مشكلة العقود التي أبرمها حسين الشهرستاني ورئيس حكومته نوري المالكي مثلاً والتي أساءت للاقتصاد العراقي وثروته النفطية، وهي لا تختلف عما مجموعة عقود الإنتاج أو الخدمة التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان العراق، التي تميزت بالكرم لصالح شركات النفط الأجنبية، وفي غير صالح الاقتصاد العراقي واقتصاد إقليم كردستان ذاته، والتي عبّرنا عن رأينا بصراحة ووضوح للمسؤولين في الإقليم في حينها، كما كتبنا عن ذلك أكثر من مرة.

اشعر بأن السيد الكاظمي بحاجة إلى تغيير فعلي في مجموعة من مستشاري الحكومات السابقة، الذين كانوا، على وفق ما جربناه، بوقاً لهم أو سكتوا عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس. ومثل هؤلاء لا ينفعون للاستشارة الصريحة والجريئة والعقلانية.
ومن جانب آخر نحن بحاجة إلى جبهة شعبية واسعة في المرحلة الراهنة لدفع رئيس الحكومة وطاقمه الوزاري لتنفيذ الأجندة الضرورية وتشجيعه ومنحه الجرأة في التعامل مع واقع العراق الراهن. فالجبهة المناهضة للشعب تضغط باتجاه تجميد سياسات الكاظمي ومنعه من الحركة بالاتجاه الصحيح. في حين الجبهة الشعبية التي يفترض أن تنطلق من ومع قوى الانتفاضة الشعبية من مواقع المسؤولية والحرص على الانتفاضة وتحقيق أهدافها النبيلة. إن وحدة طلائع قوى الشعب المناضلة غائبة حالياً، وهي لا تزال غارقة في التفاصيل، في حين أمامنا جملة من الأهداف والمهمات المركزية التي يجب أنتيلتقي عندها قوى الشعب لتشكيل الجبهة الشعبية المعبرة عن مصالح الشعب والتي سيشعر الكاظمي ومن معه أن هناك من يدعم النهج الوطني والديمقراطي والتغيير المنشود، وبالتالي يتسلح بالجرأة والإقدام والاعتماد على تأييد الشعب وقوى الانتفاضة، الجبهة الشعبية، لتنفيذ خارطة طريق تشمل البدء بطرح الملفات واحداً بعد الآخر أو واحداً بجوار الآخر. إنها مهمة قوى الانتفاضة المدنية والقوى والأحزاب المدنية والديمقراطية واليسارية والقوى المستقلة والأمينة على مصالح الشعب والوطن.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter