|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  24 / 8 / 2020                                 د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

     

المتهمون بالقتل يصرخون ها نحن القتلة، والدولة صم بكم عمي!!!

د. كاظم حبيب
(موقع الناس)

لم يعد هناك شيء يثير العجب والاستغراب في صفوف الشعب العراقي في سلوكيات ومواقف الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبأجهزتها الأمنية العديدة ومؤسساتها وهيئاتها المالية والإدارية والمستقلة وتعدد هيئات النزاهة المناهضة واقعيا لمصالح الشعب ووحدته. لم يعد هناك ما يقنع المجتمع العراقي، لاسيما الفئات الاجتماعية الكادحة والمنتجة للخيرات المادية والروحية والمحرومة والفقيرة، بأن الدولة تقف إلى جانب الشعب وقضاياه العادلة ومصالحه الأساسية وتناهض النهب والسلب اليومي لخزينة الدولة من الباطن ومن كل حدب وصوب. لم يعد هناك من يقتنع بان الدولة العراقية الضعيفة والهشة والمهمشة هي صاحبة الكلمة الأخيرة في قراراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وليس الدولة العميقة بأجهزتها ومؤسساتها وميليشياتها ومن يقف وراءها من خارج العراق. لم يعد هناك من لا يعتقد بأن هناك وراء تعطل إنجاز مشاريع الطاقة الكهربائية وحرمان المجتمع منها دولة جارة كبيرة تدعى إيران تريد بيع الكهرباء والغاز وما إلى ذلك للعراق لتستولي عبر ذلك على المزيد من العملة الصعبة، إضافة لما يسرق ويصلها عبر أعوانها في الدولة الرسمية.

وليس هناك بشكل خاص من يعتقد بأمن الدولة العراقية ابتداءً من رئاسة الجمهورية ومروراً بالحكومة ومجلس النواب والقضاء وانتهاءً بالأجهزة الأمنية، ومنها المخابرات التي مازال يترأسها رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، لا تعرف بالدقة التامة تلك الجهات التي تُقرر من يجب أن يختطف أو يُقتل من العراقيات والعراقيين المدنيين النشطاء من قوى الانتفاضة الشبابية أولاً، ومن هم المنفذون الفعليون لهذه الجرائم البشعة والجبانة في كل أنحاء العراق ثانياً. فالعراقي والعراقية ليسا مفتحين باللبن فحسب، بل ويقرأون الممحي وما بين السطور، كما تؤكده الأمثلة الشعبية بحس صادق وسليم.

القرار المركزي بالتصدي للحركة المدنية ووأدها صدر مجدداً مع بدء الانتفاضة الشبابية في الأول من تشرين الأول 2019 حين وجه المرشد الأعلى وولي الفقيه الإيراني علي خامنئي بضرورة القضاء على هذه الحركة المشبوهة، ومن ثم توالت تصريحات جمهرة من كبار قادة ومسؤولين مدنيين وعسكريين إيرانيين أكدوا ضرورة التخلص من هؤلاء الذي يريدون التعاون مع الولايات المتحدة وضد الوجود الإيراني في العراق. من إيران صدر القرار المركزي، أما تفاصيل التنفيذ فيقوم بها قائد الدولة العميقة وموجهها والمسؤول المركزي عن الاتصال بالخامنئي من جهة، والمسؤول عن قيادة اللجنة المسؤولة عن التنسيق بين أبرز قوى وأحزاب وميليشيات البيت الشيعي وقوى ميليشياوية عاملة في الحشد الشعبي من جهة أخرى. إنه صاحب القول الشهير "أخذناها بعد ما نعطيه". إنه النرجسي والسادي والراكع أمام سيده الخامنئي.

لقد جن جنون قادة إيران وأتباعهم الصعاليك في العراق حين شاهدوا كيف يتطور الحراك المدني المتراكم سنة بعد أخرى ليتفجر في انتفاضة شبابية متعاظمة شملت جميع محافظات الوسط ولجنوب، ومنها بغداد، وحظت بتأييد الجماهير الكادحة والمظلومة والمقهورة لأسباب كثيرة في بقية محافظات العراق دون استثناء. فتحول الصعلوك الحاكم فجأة والمتقلب طيلة حياته من حزب إلى أخر، إلى جزار مرعب أعطى أوامره باستخدام العنف المفرط والسلاح الحي في وأد الانتفاضة، فحصل العكس تماماً، رغم سقوط أكثر من 700 شهيد و27000 جريح ومعوق والمئات من المعتقلين والمعذبين وعشرات المختطفين والمغتالين، إذ اتسعت قاعدة الانتفاضة وتحولت إلى انتفاضة شعبية بكل المقاييس وطرحت شعارات لم تكن في بداياتها كما في مجرى مسيرتها الرائعة. فأسقطت حكومة الجزار الخبيث والفاسد، وأتت بمصطفى الكاظمي، حيث وجدت الطغم الحزبية الحاكمة مجبرة على القبول به شريطة أن لا يتناغم مع الانتفاضة ومطالبها العادلة والمشروعة.

هنا نلتقي برجل يقف بين مدينتي "نعم" و "لا"، بين قوى الانتفاضة، التي أجبرها وباء كورونا على التخفيف من التجمعات والتظاهرات من جهة، وبين الطغم الحزبية الحاكمة التي شعرت بالقوة وبدأت تنفذ حملة اغتيالات للنشطاء المدنيين من انساء والرجال في بغداد والبصرة والناصرية وكربلاء وبابل وغيرها من جهة ثانية، في محاولة لبث الخوف والرعب في صفوف المنتفضين ومنعهم من التحرك والمطالبة بالتغيير.

هنا نلتقي برئيس مجلس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة ورئيس جهاز المخابرات العراقية، الذي يملك صلات واسعة وأساسية ومعرفة دقيقة بكل تلك الجهات التي تمارس الاختطاف والقتل، التي وضعها الدكتور هشام الهاشمي أيضاً قبل استشهاده على أيدي القتلة لمجرمين أمامه، والتي تحدث عنها الزميل الفاضل غيث التميمي في أكثر من لقاء تلفزيوني من قناة الحرة، عن توفر معلومات تفصيلية عن المتهمين بالاختطاف والاغتيالات ومن يقف وراءهم. الغريب أن رئيس مجلس الوزراء قد اقسم على كشف أسماء قتلة هشام الهاشمي وحنث بالقسم والوعد والعهد، رغم معرفته بالقتلة!

يُفترض أن يكون مصطفى الكاظمي قد أدرك جيداً بأن وجوده على رأس الحكومة قد جعله وجهاً لوجه أمام قوى الانتفاضة والقوى المضادة لها، أمام قوى التغيير والقوى المناهضة له، أمام القوى المناهضة الطائفية والفساد وتلك القوى الطائفية والفاسدة، وكان عليه ومازال أن يختار أحدهما لا أن يلعب على حبال متهرئة سرعان ما تتقطع فيسقط غير مأسوف عليه. إن المعلومات التي تصل أسماعنا تشير إلى رغبته في الإصلاح والتغيير، وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يثنيه عن البدء الفعلي بالعملية قبل فوات الأوان. ما عليه إلا أن يستعد لمعركة قاسية تحتاج إلى جرأة وصلابة وحكمة وعقلانية وثقة بالنفس والشعب المنتفض، ويحتاج إلى إسناد ظهره من جانب الحركة الجماهيرية الواعية، من قوى الانتفاضة والقوى الوطنية الديمقراطية. إن القوى المناهضة للتغيير لم ولن ترحم في المعركة الجارية، فهي تخشى خسارة كل شيء، وستخسر كل شيء في المحصلة النهائية، وبالتالي ستبذل المستحيل للاحتفاظ بنظامها الطائفي الفاسد والتابع لإيران.

إن الزيارة التي قام بها مصطفى الكاظمي للولايات المتحدة ونتائجها تحمل دلالات كثيرة ومهمة في معركة العراق الراهنة باتجاهين: 1) ضد قوى داعش، و2) ضد التدخل الإيراني والإرهاب اليومي المستمر للميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران في العراق. إن تأييد التحالف الدولي والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي والعربي والداخلي يسمح لحكومة الكاظمي بخوض معركة التغيير الديمقراطي، إن امتلك الجرأة لخوضها. إن أمام الكاظمي فرصة استثنائية للإسراع باتخاذ إجراءات أساسية، منها بشكل خاص:
** تعزيز الجيش العراقي بكل صنوفه، ولاسيما طيرانه الحربي، وتوفير السلاح القادر على مواجهة الميليشيات الإيرانية التي تمتلك أسلحة مخبأة بمخازن كثيرة وكبيرة وفي مناطق صنع السلاح العراقي أيضاً، والتي هي الآن تحت سيطرة ورقابة ميليشيات كتائب حزب الله الإيرانية!
**
تعزيز القوى النظيفة في جهاز المخابرات والأجهزة الأمنية وتطهيرها من تلك التي أدخلها الجعفري والمالكي وعبد المهدي فيها والتي تعتبر جزءاً من الدولة العميقة.
**
تنشيط القضاء العراقي وتوفير الحماية للقضاة الذين يتسمون بالنزاهة من تهديدات الميليشيات الطائفية المسلحة ومن كبار المسؤولين في البيت الشيعي ورئيسه.
**
توفير الحماية للمتظاهرين ودعمهم والعمل على الاستجابة لمطالبهم العادلة التي تحفزهم للمشاركة الفاعلة والمؤثرة ضمن قوى الانتفاضة الشعبية.
**
البدء بنزع سلاح الميليشيات الطائفية المسلحة وجمع السلاح المنفلت لشل قدرات هذه الميليشيات الإرهابية على طعن الجيش والشعب من الخلف كما تمارسه اليوم.
**
تقديم ملفات كبار الفاسدين والمفسدين دون تردد إلى القضاء العراقي ليأخذ دوره في محاسبة هؤلاء واسترداد الأموال العراقية المنهوبة.

كل هذا يفترض ان يجري مصاحباً مجرى التحضير للانتخابات وقبل البدء بها بضمات تعديل جاد وأساسي لقانون الانتخابات ولمفوضية الانتخابات الفاسدة.


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter