|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  10 / 8 / 2020                                 د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

     

العلاقة الجدلية بين أيديولوجية حزب البعث ونهجه الأمني

د. كاظم حبيب
(موقع الناس)

تبنى المؤسسون الأوائل لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا ولبنان، الذي تأسس في حينها من اندماج حزبين هما حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي في سوريا، أيديولوجية قومية يمينية متطرفة ومتشابكة مع فكر ديني قاعدته الإسلام، وما ورد في القرآن "كنتم خير أمة أخرجت للناس!"، وهنا المقصود الأمة العربية، وليس ما يقصد به أحياناً بالأمة الإسلامية، تميزت بما يلي:

** تأسيس حزب قومي عل غرار الحزب النازي في ألمانيا يسعى لبعث أمجاد الأمة العربية وإقامة الدولة العربية الواحدة من جهة ومحاربة الديمقراطية والفكر التقدمي والشيوعي في المنطق العربية من جهة أخرى. (
راجع في هذا الصدد: د. كاظم حبيب، الفاشية التابعة في العراق، ط1/1984، من منشورا الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراق، ط 2 منقحة ومزودة بمقدمة ضافية، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية 2008، ص 143-171).

** وتبنى هذا الحزب شعر "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة!"، و"وطن واحد، شعب واحد، جيش واحد، وقائد واحد"، هو الذي يعيد أمجاد الأمة!

** وبلور المؤسسون الأوائل، وعلى رأسهم ميشيل عفلق، فكر هذا الحزب على أساس قومي يميني شوفيني متطرف يتعالى على القوميات والشعوب الأخرى وينكر وجودها، ويعتبر أبناء وبنات القومية الكردية في العراق والأمازيغ في دول الشمالي الأفريقي من عرب الجبال. فما دام هؤلاء الناس يقطنون المنطقة العربية فهم عرب، شاءوا ذلك أم أبوا.

** تأثر هذا الفكر بالمدرسة الفكرية والسياسية والعسكرية العثمانية ذات النهج العنصري والتعصب الديني إزاء الشعوب والديانات الأخرى وتعصب مذاهبي إزاء أتباع المذاهب الأخرى في الإسلام من جهة، وبالفكر النازي الذي تنامى بشكل خاص في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وعلى أيدي مجموعة من الساسة والعسكريين العرب الذين تخرجوا من المدرسة العثمانية والذين التحقوا بالثورة العربية وفي كل بلد من البلدان العربية حينذاك من جهة أخرى.

** حزب اتخذ من شعار العنف والقوة هما الحق، وأقر نهج الانقلابات للوصول إلى السلطة وتحقيق الوحدة العربية، وقد دفع بدعايته تحت شعار: "بعث تُشّيدهُ الجماجم والدم......تتهدم الدنيا ولا يتهدم.

** تبنى الحزب منذ التأسيس العمل على فرض هيمنته الفكرية الواحدة على المجتمع، ورفض كل الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى، ويعمل على تدمير كل القوى التي تتبنى أيديولوجيات أخرى غير أيديولوجية البعث وسياسات هذا الحزب.

** لا يؤمن بالتحالفات الاستراتيجية، بل كل تحالفاته مع القوى والأحزاب الأخرى مجرد تكتيكات مؤقتة تنتهي بانتهاء المهمة التي أقيم التحالف من أجلها، إذ ينبغي أن تكون الدولة العربية دولة تحت السيطرة الكاملة لحزب البعث وفكره وتحت أمرة قائد الأمة الأوحد.

** إنه البديل الفكري والسياسي لوجود أي حزب شيوعي في بلاد العرب ولن يتوانى عن مكافحة الخطر الشيوعية والأحزاب الشيوعية في الدول العربية. إنه الشعار المركزي الذي روجت له الدوائر الاستعمارية الغربية حينذاك، والتي توجه في الجوهر ضد الحركة الديمقراطية في الدول العربية والذي تجلى في الأسس الأولى التي طرحها ميشيل عفلق وبيانات التأسيس الأولى. (
راجع: كاظم حبيب، المصدر السابق نفسه).

** وإن حزب البعث سيمنع ويقمع الأحزاب الشيوعية بأقصى ما يمكن من الشدة في كل بلد عربي يصل فيه حزب البعث إلى الحكم. ومن يطلع على كتاب كفاحي لأدولف هتلر سيجد إن الهدف المركزي الذي وضعت النازية الألمانية في مركز اهتمامها هو محاربة الشيوعية وتدمير الدولة السوفييتية.

إن مراجعة هذه السمات والأهداف والمهمات سنجدها أنها تلتقي بشكل صارخ مع: الفكر النازي والفاشية الألمانية والذهنية العنصرية التوسعية من جهة، ومع الفكر الاستعماري الموجه ضد القوى الوطنية والديمقراطية من جهة ثانية، والاستعداد الكامل لممارسة العنف والقوة، أو "الغاية تبرر الواسطة" في مواجهة الحركات الفكرية والسياسية الديمقراطية، وضد الفكر الماركسي، فأيديولوجية هذا الحزب قائمة على المعاداة الشرسة للمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحياة الدستورية ومبادئ المواطنة الحرة والمتساوية.

وفي العراق كانت مجموعة مهمة من ضباط الجيش العثماني التي التحقت بالثورة العربية التي قادها الشريف حسين بن علي، شريف مكة، التي كانت قد تشبعت بروح التعصب القومي، قد استطاعت أن تتحالف مع القوات البريطانية وتهيمن على السلطة في الدولة الملكية الجديدة، وتمارس سياسات لا تختلف من حيث المضامين والوجهة عن سياسة الدولة العثمانية إزاء القوميات الأخرى. وقد برزت من هذه المجموعة نخبة تميزت بالتشدد القومي العربي، سواء أكانوا من العراقيين أم من السوريين واللبنانيين الذي عملوا في العراق ولعبوا دوراً في تشكيل البنية الأولى للتنظيم القومي في العراق، والذي برز في "نادي المثنى بن حارثة الشيباني" (توفى 635 م)، الذي تأسس في عام 1935 وسعى إلى نشر الفكر القومي اليميني الشوفيني ونهل من، واستلهم كثرة من، أفكاره وأسس عمله من معين الفكر النازي الألماني وأقام أوسع العلاقات مع القنصل الألماني الدكتور فرتس غروبة ومع الدولة الألمانية واستقبال المحاضرين النازيين وإرسال الوفود والطلائع إل المانيا. وكان هذا النادي هو التنظيم الذي انبثق عنه حزب الشعب السري الذي أسسه كل من رشيد عالي الكيلاني ومحمد أميني الحسيني مفتي القدس ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة الذين نظموا انقلاب الأول من مايس في عام 1941، ومعهم مجموعة من أعضاء نادى المثنى البارزين. (
راجع: د. كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، المتوسط، روما). كما لعب يونس بحري، الضابط في قوات ألـ "أس أس " الألمانية برتبة رائد والمسؤول عن الإذاعة العربية في برلين الذي كان يفتتح برنامجه: بـ "هنا برلين حيّ العرب". (راجع: سجا العبدلي، هنا برلين حيّ العرب، موقع المجلة، النسخة العربية، 27/02/2014). كما كان يونس بحري مسؤولاً عن الجواسيس العرب الذين جندهم، بالتعاون مع مسؤوله الألماني، للعمل في الدول العربية لصالح ألمانيا)(كاظم حبيب، المصدر السابق).

من بقايا شخصيات هذا النادي تأسس حزب الاستقلال القومي اليميني المعادي للشيوعية في عام 1946، ثم تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1952 من طلبة وموظفين عراقيين، مثل الدكتور فخري قدوري، وبعضهم من عاد من دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت، منهم الدكتور سعدون حمادي.

من هنا يمكن متابعة بدء قيام وتطور ونشاط حزب البعث العربي الاشتراكي حتى وصوله إلى السلطة في بلدين هما سوريا أولاً، والعراق ثانياً، وما فعلاه في هذه البلدين وما ارتكباه من جرائم بشعة وإبادة جماعية.

في 28 أيلول/سبتمبر 1961 قاد فرع حزب البعث بسوريا انقلاباً عسكرياً ضد الجمهورية العربية المتحدة وأنهى الوحدة بين مصر وسوريا التي تأسست في 22 شباط/فبراير 1958، كما قام فرع الحزب في العراق بالتعاون مع القوميين الناصريين وقوى رجعية ودينية متخلفة وكل المتضررين من ثورة تموز، إضافة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، بالتنسيق والتعاون المباشرين مع الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وتركيا وإسرائيل بانقلاب 8 شباط/فبراير 1963 الفاشي الدموي ضد الجمهورية الأولى، جمهورية 14 تموز وحكومة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.

فما هي العلاقة العضوية بين الأيديولوجية القومية الشوفينية لحزب البعث وبين إقامة الدولة البوليسية والعمل على عسكرة الدولة والمجتمع لتحقيق أطماع توسعية لاستعادة "أمجاد الغزو" العربي الإسلامي للمناطق والشعوب الأخرى، والذي يطلق عليه بـ "الفتح الإسلامي!".

استفاد البعث من خبرة انقلاب شباط 1963، إذ لم يشن حرباً مباشرة ضد الديمقراطيين والشيوعيين، لكنه شن حرباً ضد القوى القومية التي انقلبت عليه وتسلمت السلطة في تشرين الثاني 1963، وكذلك ضد القوميين الاشتراكيين بقيادة عبد الإله النصراوي، وضد حزب البعث (اليسار) المرتبط بحزب البعث بسوريا. وخلال هذه الفترة القصيرة حتى عام 1970 قامت قيادة البعث بإعادة تنظيم أجهزة الأمن باختصاصات محددة، ففيها قسم خاص بالشيوعيين وتصنيفاتهم، وقسم خاص بالكرد وأحزابهم، وقسم خاص بالقوى الإسلامية الشيعية، وأقسام أخرى للقوى الإسلامية السنية، وقسم خاص بالقوى القومية العربية وآخر لقوى البعث اليسار، إضافة إلى تقسيمات أخرى بالنسبة للدول المجاورة مثل إيران، الخليج، السعودية ...الخ. ووضع على رأس أجهزة الأمن التي أقامها، وجهاز المخابرات، مجموعة من قياديي الحزب الموالية لصدام حسين ومن أفراد عائلته والكوادر البعثية المقربة من صدام حسين، التي عملت قبل ذاك تحت قيادته في جهاز (حنين) الأمني (العلاقات العامة) التابع لحزب البعث العربي الاشتراكي. فالمعلومات المتوفرة من مصادر كثيرة التي كانت تهتم بقضايا حقوق الإنسان في العراق ونشاط أجهزة الأمن العراقية، بما فيها معلومات مراقب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ووثائق الأمن التي وضُعت عليها اليد من قبل المعارضة العراقية في دوائر الأمن العراقية والمخابرات في كُردستان العراق بعد إسقاط الدكتاتورية، إضافة إلى الدراسة المهمة التي أنجزها عصام الخفاجي حول دور ونشاط هذه الأجهزة قبل ذاك.، (
راجع: د. عصام الخفاجي، إرهاب الدولة والانحطاط السياسي في العراق. تقرير الشرق الأوسط. أيار/مايس-حزيران/يونيو 1992(باللغة الأنجليزية)، وفي ضوء تلك المعلومات فأن نظام البعث في العراق قام بأنشاء خمسة أجهزة أمنية رسمية تمتد أفقيا وعموديا في المجتمع العراقي والقوات المسلحة التي كانت تقوم بمراقبة الناس أولا، وكان بعضها يقوم بمراقبة البعض الآخر ثانياً، وكان يديرها أفراد من عائلة صدام حسين، تلتقي خيوطها جميعاً عند صدام حسين. كما أن بعضها كان يعمل في الخارج لمراقبة الجاليات العراقية أو الحصول على معلومات تجسسية لمصلحة النظام، جهاز الأمن القومي، وكان أفراد هذه الأجهزة يرتبطون بعدد كبير جدا من الوكلاء الرسميين وغير الرسميين، سواء أكان ذلك على وفق إرادتهم، أم تحت طائلة التهديد والوعيد. وقد وضعت السفارات العراقية كلها وفروع الخطوط الجوية في الخارج والداخل تحت أمرة أجهزة الأمن العراقية لتمارس عملها التجسسي أو ممارسة الاغتيالات ضد المعارضين والمعارضات. لقد كانت أجهزة الأمن العراقية منظمة على أحدث الأسس ومزودة بأحدث وسائل التكنيك والتكنولوجيا وبالخبراء من مختلف البلدان، إضافة إلى الخبرة التي تراكمت لدى العراقيين العاملين فيها. وخلال سنوات العقد الثامن بشكل خاص أرسل صدام حسين مجموعات كبيرة من الضباط وضباط الصف الشباب العاملين في هذه الأجهزة إلى عدد كبير من بلدان العالم ليتدربوا على مختلف الأساليب الأمنية والقمعية، بما في ذلك إلى دول مثل الاتحاد السوفييتي وجمهوريات ألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا وبولندة، إضافة إلى فرنسا وألمانيا الاتحادية وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، وكذلك العديد من الدول النامية المعروفة بأساليبها الأمنية والقمعية. وقد أقيمت هذه الأجهزة على أساس من التخصص في المهمات وارتبطت بها أجهزة أخرى متخصصة بالشؤون والدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي كانت تقوم بمهمات البحث ودراسة الوثائق وتحليلها واستخلاص الاستنتاجات لها، وكانت تقدم تقاريرها الدورية إلى صدام حسين مباشرة. كما اقام النظام معهداً لتكوين وتأهيل الأجهزة الأمنية على وفق اختصاصات عديدة. وقد بذل صدام حسين جهودا كبيرة خلال السنوات العقد الثامن لتطوير هذه الأجهزة وتشديد ولائها له بشكل خاص، وعدم إغفال أفراد العائلة من رقابة ونشاط هذه الأجهزة. وكانت المخصصات التي تمنح إلى هذه الأجهزة كبيرة جدا حتى في ظروف الحرب العراقية – الإيرانية، وكذلك الامتيازات التي تمتعت بها والتي كانت تفوق امتيازات الجيش. واستنادا إلى كل المعطيات والمعايير الدولية اعتبر العراق بحق دولة بوليسية - تجسسية شديدة الوطأة على المواطن، إذ لم يعد يمتلك الأمن والاستقرار والحياة الخاصة المستقلة والمستقرة حتى في بيته ومحلته ودائرته أو في محل عمله، إذ كانت مهمة الجواسيس والمخبرين والوكلاء، الذين قدر عدده بعشرات الآلاف، تأمين مراقبة تامة أو أشعار المواطن باستمرار أنه مراقب، وأنها مستعدة إلى قطع أنفاسه في كل لحظة دون أن تحاسب على ذلك، إن تصرف المواطن أو المواطنة بشكل لا يرضي هذه الأجهزة. يضاف إلى ذلك أن مجلس قيادة الثورة أصدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1986 مجموعة قرارات من بينها القرار 840 الذي يضع الأشخاص الذين ينتقدون أو يهينون الرئيس وحزب البعث ومؤسسات الحكومة تحت طائلة الحكم بالإعدام أيضاً لمن تثبت بحقه التهمة أو حتى دون إثبات، إذ ما دام الشك قائماً فلا بد من الخلاص منه. لقد كانت المحاكم في مثل هذه الحالات لا تفتش عن مدى صحة الاتهام، بل تبادر، لإثبات ولائها لصدام حسين، إلى فرض الأحكام القاسية جداً بما فيها أحكام الإعدام وتنفيذها فوراً. لقد كانت مهمة الأجهزة الأمنية قد تركزت بالأساس في:

- الحفاظ على حياة الدكتاتور صدام حسين بالدرجة الأساسية وعلى حياة أفراد عائلته الأكثر قرباً.
- الحفاظ على السلطة بيد صدام حسين أساساً، وحزب البعث شكلاً، إذ لم يعد حزب البعث الحاكم الفعلي في البلاد منذ النصف الثاني من العقد الثامن، بل أصبح صدام حسين الحاكم الفعلي المطلق وبشكل خاص بعد إبعاد وتصفية 23 من قادة حزب البعث وتنحية أحمد حسن البكر من رئاسة الجمهورية في العام 1979.
- استخدام كل السبل والوسائل التي أمكن توفيرها لتأمين هذين الهدفين، بما فيها ممارسة الإرهاب والقمع اليومي بأبشع ما يمكن لتأمين سيادة الرعب والخشية الدائمة في صفوف الناس من الأساليب الخبيثة التي كانت تمارسها الأجهزة، وفرض ابتعاد الناس عن التعامل مع قوى المعارضة أو التفكير بالاختلاف مع النظام فكرا وسياسة.

وفي ضوء نشاط هذه الأجهزة لم يعد المواطن العراقي حينذاك يأمن على نفسه وعائلته وماله وممتلكاته، إذ يمكن أن يتعرض هو وتتعرض عائلته إلى الاعتقال والتعذيب والموت دون أن يعرف أسباب ذلك، كما كان يمكن أن تصادر في كل لحظة أمواله وممتلكاته دون تقديم مبررات لمثل هذا الإجراء. وقد تعرض عشرات الألوف من الناس الأبرياء من سكان المدن الوسطى والجنوبية أو من سكان كُردستان بمثل هذه الإجراءات. ولدينا آلاف الأمثلة على ذلك، حيث تعرضت العائلات إلى القتل والنهب والاعتداء الجنسي والسرقة والتعذيب. لقد قتلت الأجهزة العسكرية والأمنية 8 ألاف فرد من منطقة برزان دفعة واحدة انتقاما من معارضة الحزب الديمقراطي الكردستاني لنظام البعث وصدام حسين.
لقد كانت هذه الممارسات دائمة الوقوع وليست وقتية أو استثنائية. فالإرهاب في العراق كان جماهيرياً ويومياً، ومنظماً وممنهجاً، ومستمراً، إضافة إلى تنوع أساليب ممارسته. واعتبر العراق منذ سنوات السبعينات سجناً كبيراً مروعا تزداد فيه عذابات الشعب السجين سنة بعد أخرى. (
راجع: أحلام مستغانمي، أحلام. ذاكرة الجسد. ط 3. بيروت. دار الآداب. 1997). (راجع: رفعة الجادرجي وبلقيس شرارة، جدار بين ظلمتين، دار الساقي، لندن، ط1/ 2003). راجع أيضاً: كاظم حبيب، الاستبداد والقسوة في العراق، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية 2005).

يضاف إلى كل ذلك تحول الدولة العراقية إلى منذ الربع الأخير من العقد الثامن من القرن العشرين إلى دولة عسكرية بما امتلكته من جيش كبير وجيش شعبي رديف، إضافة إلى ترسانة هائلة من السلاح المستورد والمنتج محلياً لأغراض دفاعية وهجومية كما امتلك السلاح الكيماوي والسلاح البيولوجي، وكان يسعى لامتلاك السلاح النووي.

يمكن أن نجد العلاقة العضوية بين فكر البعث وطبيعة عمل ونشاط أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات العراقية في عدد كبير من المسائل الجوهرية، نشير إلى أهمها فيما يلي:

1) تغييب كامل للحريات والحياة الدستورية والديمقراطية ودوس مطلق على حقوق الإنسان وحقد وكراهية ضد القوميات الأخرى. لم يعد في مقدور الإنسان العراقي الحلم بحرية دون أن يتعرض للمسالة والسجن والتعذيب.
2) تحويل المؤسسات الدستورية كمجلس النواب والقضاء العراقي والوزارات كلها إلى أدوات شكلية تابعة وخاضعة بالكامل لمشيئة وإرادة وأهواء القائد التاريخي والقائد الضرورة والقائد الأوحد للأمة العربية!
3) توسيع فكرة الخيانة لدى نظام البعث وقيادة صادم حسين. فقد جاء في مقال تحليلي لكتاب كنعان مكية، جمهورية الرعب قول الكاتب: "أعرف الخائن قبل أن يعرف نفسه"، ليست مجرد مقولة رمزية لصدام، ولكنها حقيقة فرضتها طبيعة الأجهزة السرية التي كانت تراقب المواطنين بشكل معقد، عن هذا يقول كنعان في كتابه، "لم يقترب أي جهاز بوليسي في أي فترة من فترات العراق من هذا الإنجاز العجيب، فعراق ما قبل صدام كان يحدد الخيانة في بيع أسرار الدولة للخارج أو الأعمال الانقلابية، لكن صدام وسّع مفهوم الخيانة ليصبح أكثر غموضاً وتجريدية، وصار يشمل أفكار الناس لا أفعالها فقط، ليحل العمل البوليسي محل السياسة". (
راجع: هل يكرِّر عراق اليوم ما فعله صدام؟ قراءةٌ مُتأخِّرة في كتاب “جمهورية الخوف”، عربي بوست، 27/03/2017).
4) المحاربة المباشرة لكل الفلسفات والأفكار الأخرى والعمل على تكريس فكر البعث في الدولة والمجتمع، لاسيما ضد الفكر الشيوعي والاشتراكي والديمقراطي اللبرالي والمستقل وضد قوى الإسلام السياسي، وضد كل من لا يؤمن بحزب البعث وفكره وسياسته.
5) العمل على عسكرة الدولة والمجتمع بأطماع توسعية وعدوانية، من خلال معسكرات التدريب للشبيبة والطلبة والطلائع والعاملين في المؤسسات والمصانع والنقابات والجمعيات ...إلخ. ولم تكن الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت والحرب ضد الكرد داخل البلاد، إلا نماذج صارخة لهذه السياسة.
6) الإبادة الجماعة التي مارسها ضد الشعب الكردي في عمليات الأنفال في عام 1988، وضد عرب الجنوب والكرد الفيلية في العام 1980/1981 باعتبارهم من ذوي الجنسية (ب) تبعية إيرانية، وليس (أ) تبعية عثمانية، وهذا التقسيم مرتبط بالمذهب، إذ أن (أ) تعني أتباع المذهب السني، وأن (ب) تعني اتباع المذهب الشيعي.
7) موقف مناهض للثقافة الحرة والديمقراطية والتركيز على ثقافة البعث القومية الشوفينية، والهيمنة الكاملة والتامة على أجهزة الصحافة والمجلات وعموم الإعلام ووسائل الطبع والنشر لتكون كلها في خدمة القائد الضرورة وحضوره الدائم والتسبيح بحمده وأفضاله على الرعية. وفي هذا السياق نفذت وزارة الثقافة والإعلام قرار صدام حسين بمنع طبع ونشر وقراءة وتداول الكتب والنتاجات الفكرية والإبداعية لـ (1000) كاتب وشاعر ومؤلف ومبدع عراقي، وسحب ما متوفر منها في المكتبات وحرقها، وهي أشبه بمحرقة هتلر للكتب في مساء العاشر من أيار/مايو 1933 حيث تجمع حوالي 70 ألف شخص في أحد ميادين برلين وقامت مجموعة من الطلبة بنقل أكثر من 20 ألف كتاب لتحرق أمام عيون الجميع. (
راجع: هولوكوست الكتب".. عندما أحرقت أعمال أشهر الكتاب الألمان، دويتشة فيلة DW بتاريخ 15/05/2013). ومحرقة الكتب في ألمانيا هي غير محرقة البشر الهولوكوست التي شملت اليهود والسلافيين والسنتي والروما (النوريون)، كما شملت الشيوعيين واشتراكيين والمسيحيين في معسكرات الاعتقال النازية.
8) خلال فترة حكم حزب البعث في العراق وتحت قيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين ومجلس قيادة الثورة مرَّت عدة ملايين من البشر، ذكوراً وإناثاً ومن مختلف الأعمار، من مختلف القوميات والأديان والمذاهب، من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، ومن المثقفين والمتعلمين وأبناء وبنات الفئات الاجتماعية المختلفة، وكذلك جمهرة كبيرة من البعثيين أنفسهم، بدوائر ومعتقلات وسجون أجهزة الأمن البعثية والنظام البعثي وتعرضوا للمساءلة والتعذيب الجسدي والنفسي، كما تعرضت جمهرة كبيرة منهم إلى القتل تحت التعذيب الوحشي، أو القتل البطيء بتسميم المعتقل بـ (الثاليوم Thallium) أو (الزرنيخ Arsines)، أو الاختطاف والقتل وقذف جثث القتلى في الشوارع أو الدهس بالسيارات والسير في جنازة القتيل...الخ. لم يعرف العراق نموذجاً في التعذيب استمر طوال 35 عاماً من تاريخ العراق الحديث حتى سقوط الدكتاتورية الغاشمة على أيدي التحالف الدولي خارج الشرعية الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية في فترة حكم المستبدين والمناهضين لحقوق الإنسان والشرعية الدولية جورج دبليو بوش وتوني بلير.
 
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة عن قوى الأمن في النظام السياسي الطائفي الفاسد.




 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter