|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  16  / 10 / 2026                                 كمال يلدو                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

قراءة في رواية - دار قابيل - لناهض الهندي
حين يتحول الوطن إلى زنزانة والإنسان إلى مشروع للنجاة

اعداد وتقديم : كمال يلدو
(موقع الناس)

ليست رواية «دار قابيل» للكاتب ناهض الهندي مجرد حكاية سجين سياسي يتعرض للاعتقال والتعذيب، ولا هي تسجيل مباشر لمرحلة مضطربة من تاريخ العراق الحديث، بقدر ما هي رحلة طويلة داخل ذاكرة إنسان يجد نفسه، وهو في مقتبل العمر، وجهاً لوجه أمام آلة قمع لا تريد من الإنسان طاعته فحسب، بل تريد إعادة تشكيله من الداخل، وإقناعه بأن الخوف هو الحالة الطبيعية للحياة.

منذ الصفحات الأولى يتقدم الراوي بصوت المتكلم، مستعيداً طفولته وشبابه والظروف التي قادته تدريجياً إلى الانشغال بالسياسة. ومن خلال تلك الذاكرة تتداخل حياة الفرد بحياة البلد؛ فالطفولة لا تبقى طفولة بريئة، والمدرسة والجامعة والشوارع ليست مجرد أمكنة عابرة، بل تتحول جميعها إلى محطات في تكوين وعي شاب بدأ مبكراً يطرح أسئلة العدالة والحرية والسلطة.

يتحدث الراوي عن انجذابه المبكر إلى الأفكار السياسية المعارضة، وعن إيمانه، شأن كثير من أبناء جيله، بإمكان بناء عالم أكثر عدلاً. لكنه يكتشف سريعاً أن المسافة بين الحلم والواقع في عراق السلطة الأمنية كانت شاسعة. فالسياسة لا تعني النقاش وحده، بل قد تعني المطاردة والاختفاء والاعتقال، وقد تتحول الكلمة أو الصداقة أو الشبهة إلى ملف أمني قادر على تغيير مصير الإنسان كله.

من الحلم إلى الزنزانة
يأتي الاعتقال ليقسم حياة الراوي إلى زمنين: ما قبله وما بعده. ففي الخارج كان يستطيع أن يحلم، وأن يناقش، وأن يختلف، وأن يختار إلى حد ما طريقه. أما في الداخل، فإن أبسط حقوق الإنسان تصبح امتيازات: النوم، الطعام، الذهاب إلى المرحاض، الكلام، وحتى الصمت.

تصف الرواية تفاصيل الاعتقال والاستجواب بقدر كبير من الحساسية النفسية. المحقق لا يبحث دائماً عن حقيقة؛ إنه يريد اعترافاً، اسماً، رابطاً، أو جملة يستطيع إضافتها إلى ملف. والأسئلة تتكرر حتى يفقد الزمن معناه، فيما يصبح جسد المعتقل هو الورقة التي تكتب عليها السلطة أسئلتها.

التعذيب في «دار قابيل» ليس مشهداً طارئاً لإثارة القارئ، بل عنصر أساسي في بناء عالم الرواية. الضرب، التعليق، الإهانات، التهديد، الحرمان من النوم، الضغط النفسي، أو انتظار جولة جديدة من الاستجواب؛ كلها تجعل السجين يعيش في حالة لا يعرف فيها متى يبدأ الألم ومتى ينتهي. وفي بعض المقاطع تتحول التجربة إلى صور شبه كابوسية، لأن الواقع نفسه يصبح أكبر من قدرة العقل على استيعابه.

وهنا تكتسب تسمية «دار قابيل» قوتها الرمزية. فقابيل، في الذاكرة الإنسانية، هو الأخ الذي يرفع يده على أخيه. والرواية تضعنا أمام عالم يصبح فيه الإنسان جلاداً لأخيه الإنسان، وتصبح المؤسسة التي يفترض أن تحمي المجتمع مكاناً لإذلال أفراده. إنها «دار» واسعة، لا تعني السجن وحده، بل منظومة كاملة تتغذى من الخوف والعنف والشك.

السجن مجتمع آخر
من أجمل ما تفعله الرواية أنها لا تجعل السجين وحيداً في المشهد. فالزنزانة تجمع أشخاصاً مختلفين في أعمارهم وخلفياتهم وأفكارهم السياسية. بعضهم يمتلك تجربة طويلة، وبعضهم جاء إلى السجن مصادفة أو نتيجة وشاية، وبعضهم يحمل قناعة سياسية راسخة، بينما يعيش آخرون حالة من الشك والانكسار.

في هذا المجتمع المغلق تتشكل صداقات، وتنشأ خلافات، وتدور مناقشات سياسية وفكرية. ويكتشف الراوي أن المعارضة نفسها ليست كتلة واحدة، وأن ضحايا السلطة قادرون أيضاً على الاختلاف فيما بينهم. يلتقي بسجناء سياسيين لا يشاركونه رؤيته بالضرورة، فيستمع إلى تجاربهم ويناقشهم، وتتغير بعض نظرته إلى العالم.

ومع مرور الوقت يصبح التضامن بين المعتقلين وسيلة للبقاء. قطعة خبز، رشفة ماء، كلمة همس، خبر قادم من الخارج، أو رسالة سرية تمر من يد إلى أخرى قد تصبح حدثاً كبيراً. وتصف الرواية الأساليب التي كان السجناء يلجأون إليها لنقل الأخبار والرسائل بعيداً عن أعين الحراس، فيتحول التواصل البسيط إلى فعل مقاومة.

السجن هنا لا يقتل الرغبة في المعرفة. فالكتب والأفكار والحوارات تستمر، حتى حين يصبح الحصول عليها صعباً. ويبدو أن الراوي يتمسك بالقراءة والتأمل وكأنهما وسيلتان لحماية الجزء الذي لم تستطع السلطة الوصول إليه من شخصيته.

الجسد الذي يتذكر
الجسد في «دار قابيل» يحمل ذاكرته الخاصة. حتى بعد انتهاء جولة التحقيق لا ينتهي أثرها. الجروح، الندوب، الإرهاق، الأمراض، والخوف من عودة المحقق كلها تبقى حاضرة. وفي أكثر من موضع يبدو الراوي منشغلاً بفكرة أن الإنسان قد يغادر غرفة التعذيب، لكن غرفة التعذيب لا تغادر الإنسان بسهولة.

وفي مقابل قسوة المحققين تظهر أحياناً ومضات إنسانية صغيرة: كلمة من سجين، تصرف من شخص لا يزال يحتفظ بشيء من الرحمة، أو لحظة يشعر فيها المعتقل أنه ليس وحده. وهذه اللحظات لا تغير طبيعة السجن، لكنها تمنع عالم الرواية من التحول إلى ظلام مطلق.

ويزداد الشعور بالعبث حين يصل السجناء إلى الإجراءات القانونية والمحاكمات. فالتحقيق الأمني يسبق القانون ويحدد مساره، وتبدو العدالة في أحيان كثيرة مجرد واجهة بيروقراطية لقرارات اتخذتها الأجهزة مسبقاً. تصف الرواية انتقال المعتقل بين المحقق والقاضي والسجن والمحكمة، وتكشف المسافة الهائلة بين الشكل القانوني للعملية وحقيقة ما تعرض له الإنسان قبل وصوله إلى المحكمة.

الذاكرة بوصفها مقاومة
لكن «دار قابيل» ليست رواية سجن فقط. فالسجن يفتح أبواب الذاكرة، ويعود الراوي باستمرار إلى طفولته وأهله ودراسته وعلاقاته وأحلامه ومواقفه. الزمن الروائي يتحرك بين الماضي والحاضر؛ مشهد في الزنزانة يستدعي شارعاً قديماً، وصوت حارس يعيد ذكرى شخص، وحوار مع سجين يفتح باباً لتجربة سياسية سابقة.

لهذا تبدو الكتابة نفسها نوعاً من المقاومة. فالسلطة تستطيع أن تسجن الجسد، لكنها لا تستطيع بسهولة السيطرة على الذاكرة. والراوي، حين يستعيد التفاصيل بعد سنوات، يعيد منح الأشخاص الذين مروا بتلك التجربة أسماءهم وأصواتهم ووجودهم.

وتتعمق الرواية كلما اقتربت من السؤال الأصعب: ماذا يبقى من الإنسان بعد سنوات الخوف؟ هل يخرج السجين من سجنه فعلاً، أم يحمل جزءاً منه معه إلى الخارج؟

الراوي نفسه لا يقدم إجابات سهلة. فهو يتغير، ويشك، ويراجع قناعاته، ويعيد النظر في بعض أحكامه القديمة. وفي لحظات كثيرة نراه ينتقل من اليقين السياسي المبكر إلى رؤية أكثر تعقيداً للإنسان والعالم؛ رؤية تدرك أن الحرية ليست شعاراً، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد تبدل الشعارات والأسماء.

وطن خلف القضبان
ومن خلال التجربة الفردية تتشكل صورة أوسع للعراق. فالسجن ليس معزولاً عن المجتمع، بل هو صورة مكثفة عنه في زمن الخوف. الحارس والمحقق والسجين والمسؤول والقاضي جميعهم أبناء البلد نفسه، لكن السلطة أعادت توزيع أدوارهم بحيث أصبح بعضهم يراقب بعضاً، وبعضهم يخاف بعضاً.

ومع الأخبار التي تصل إلى المعتقلين عن الحروب والتحولات السياسية، يتضح أن الخراب لا يتوقف عند أبواب السجن. فهناك بلد كامل يدخل دوامة جديدة من العنف والخسائر، فيما يظل السجين يحاول فهم موقعه من هذه الأحداث. وفي مراحل متأخرة من الرواية تتداخل أجواء الاعتقال مع الحرب والخدمة العسكرية والمصائر التي تنتظر جيلاً كاملاً، بحيث يبدو الإنسان العراقي محاصراً بين سلطة الداخل وعنف الخارج.

«دار قابيل» شهادة أدبية
تكمن أهمية الرواية في أنها لا تكتفي بإدانة التعذيب، بل تحاول فهم آثاره الطويلة على النفس والذاكرة والعلاقات الإنسانية. إنها تطرح سؤالاً يتجاوز زمنها ومكانها: ماذا يحدث للمجتمع حين يصبح العنف وسيلة اعتيادية لإدارة الاختلاف؟

في «دار قابيل» لا يكون الانتصار دائماً في الهرب من السجن أو الإفلات من الجلاد. أحياناً يكون الانتصار في ألا يتحول الضحية إلى نسخة أخرى من جلاده، وفي أن يحتفظ الإنسان، وسط القسوة، بقدرته على التفكير والشك والتعاطف.

ولهذا يمكن قراءة رواية ناهض الهندي باعتبارها شهادة عن جيل عراقي عاش بين الحلم السياسي والمعتقل والحرب، وباعتبارها أيضاً محاولة لإنقاذ الذاكرة من النسيان. فالسجون تنتهي، والأنظمة تتغير، والمحققون يغيبون، لكن ما يدوّنه الناجون يبقى شاهداً على ما حدث.

وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق لـ«دار قابيل»: أن مأساة الوطن تبدأ حين يرى الإنسان في أخيه عدواً يجوز سحقه، وأن استعادة إنسانيتنا تبدأ حين نرفض، مهما اختلفنا، أن يتحول الوطن كله إلى دارٍ لقابيل.
 


تشرين أول ٢٠٢٦
 



 




 



 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter