| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

قرطبة عدنان الظاهر

 

 

 

الأثنين 19/7/ 2010



الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة
(5)

أفلاطون
(
الحلقة الرابعة)

قرطبة الظاهر 

بوليتايا / الكتابان الثالث والرابع: تأسيس المدينة الافضل
أتعمد أن لا استعين بمفردتي "المدينة الفاضلة" لان أفلاطون لم يصفها هكذا كما ترجمها العرب. لقد كان يستعمل مفردات المدينة الافضل، او المدينة العادلة.
يتم تطهير المدينة المريضة من اجل إصلاحها كي تكون المدينة الافضل والاحسن والانصف عبر تقليص صلاحياتها وكذلك تعددية إنتاجها. بعد ذلك توضع أولويات وخواص ومقومات من اجل دعم ديمومتها. ذكرت في الحلقة الثالثة بأن خصائص المدينة هي ثلاث: التغذية، الدفاع والحكومة. إعطاء هذه الخصائص للمدينة العادلة لم يكن إعتباطيا بل كان متعمدا من قبل أفلاطون. فكل خاصية تعكس صفة داخل الروح البشرية حسب معتقده. إذ أن الروح البشرية بحاجة إلى تغذية وحماية وحاكم عليها. الروح حسب معتقد أفلاطون تتغذى من الملذات وتحتمي بالشجاعة وتحكم بالعقلانية. وبذلك يستهدف أفلاطون أن يكون المغذون في المدينة محكومين من قبل العقلانيين وبتعاون الشجعان. المدينة العادلة بحاجة إذاً إلى المغذين والرُقباء (phylakes) والفلاسفة. يعني أفلاطون بالرقباء الجنود والفلاسفة على حد سواء. يعطي أفلاطون في بعض الاحيان للفلاسفة ذات الدرجة الوظيفية العالية المعتمدة في المدينة الاثينية وهي الارخونت.
يتمتع كل جزء من الروح البشرية بصفة تتميز بها عن الجزء الاخر. وكل صفة تختص بعمل معين وبميزة معينة. وكذلك الطبقة الاجتماعية في المدينة تتميز وتختص بوظيفة معينه وتتمتع بصفة معينة. فطبقة المغذين تتصف بالرزانة (Sophrosyne) وتضع مقاييساً للامور. أتباع هذه الطبقة يستطيعون أن يقلصوا ملذاتهم وشهواتهم بالاعتدال. أما طبقة المدافعين فتتصف بالشجاعة (Andreia). أتباع هذه الطبقة يأخذون دورهم المطلق في الدفاع عن مدينتهم بلا خوف او ريبة ويحفظون أمنها وإستقرارها. أما الحكام فأنهم يتصفون بالحكمة (Sophia). والاخيرة تهديهم إلى الطريق الصحيح في إتخاذ القرارات الصائبة لإدارة الشؤون العامة في المدينة او الدولة.
نبين من خلال الرسم الايضاحي الآتي ما كان أفلاطون ينوي إصلاحه في النظام الديمقراطي الاثيني:
الطبقة الروح البشرية الصفة الفضيلة التي تتميز بها الطبقة الفضائل بشكل عام
المغذون: الفلاحون، الحرفيون الملذة، الشهوة (epithymetikon) محبون للملذات والعمل الرزانة(sophrosyne)، الأتزان الرزانة (sophrosyne) كإجماع
العدالة (dikaiosyne) بمعنى: كل يصنع ما يتميز به عن الاخرين.
المدافعون: الجنود، الشرطة الشجاعة، المثابرة محافظون على الكرامة، طامحون للنصر الشجاعة (Andreia)
الحكام: الفلاسفة العقلانية (logistikon) محبون للعلم الحكمة (Sophia)

وهو التميز والاختصاص وتقليص صلاحيات الدولة من خلال إصلاح نظامها السياسي. الدولة الاحسن والافضل يتمتع افرادها برزمة من الفضائل ويعدها فضائل جوهرية، محورية تتصف بها الروح البشرية إن كانت هذه الروح تتمتع بصحة جيدة. هذه الفضائل هي الرزانة، الشجاعة، الحكمة والعدالة. لقد استقطبت الديانة المسيحية هذه الفضائل وأضافت إليها ثلاثَ وهي الايمان، الامل والحب. هنا نجد بأن التقوى مفقودة من مجموع هذه الفضائل. ربما إحتسبها أفلاطون كجزء من العدالة. لنتمعن في مفردات ومعاني هذه الفضائل: الرزانة والاتزان تعني الابتعاد عن التشبث والتطرف والتزمت في الامور العامة والخاصة والسعي إلى الوسطية والقياس كما يقول المثل الاغريقي، خير الامور اوسطها. تختفي وراء هذا التعبير رسالة إلى الانسان مفادها أنَّ على كل فرد أن يعرف نفسه. التعرف على الذات واختبارها في الحياة ثم الاعتراف بالذنب ـ إن أخطأت الروحُ الصوابَ ـ يُعدُّ فضيلة سامية. لذا فإنَّ إعطاء هذه الفضيلة لطبقة المغذين يعتبره أفلاطون أمرا مهما لأن هذه الطبقة هي التي تستطيع أن تضع حدا للملذات والشهوات المنقطعة النظير. الرزانة هي صفة ادنى طبقة في هذه الدولة وتعتبر بذلك قاعدة للمجتمع وقياس نظامها السياسي. إنها تعني الاندماج، التعاضد والانتماء. أما الشجاعة، (Andreia) فهي تنحدر من كلمة آنر، أي الرجل ذو الروح الحربية الشجاعة والباسلة. تعني هذه الصفة الثبات على الآراء بلا خوف أو ريبة. هذه القدرة لا يستطيع كل إنسان أن يتمتع بها في وقتنا الراهن لما يلعب المحيط الاجتماعي والسياسي والتأريخي من دور في التحكم في عقلية الفرد ونظرته وتصرفاته وأيضا فضائله. فبعد عراق الدكتاتوريات الاربع الماضية لازال العراقيون خائفون من إبداء آرائهم والتمسك بها. لأن الحالة الاستثنائية في عراق ما بعد 2003 وما جرى من حروب طائفية ونزاعات اقليمية حول الموارد الطبيعية والبشرية والجغرافية ادّت إلى ضبابية في رؤية الوضع بوضوح وإتخاذ رأي قوي محايد صائب. فمن هو الشجاع ، الباسل، الجسور، الجريء في عراق ما بعد 2003؟ هل هي النخب المثقفة؟ أم السياسيون؟ أم هو الاعلام؟ أم قوات الشرطة والامن والعسكر؟ أم قوات التحرير والاحتلال؟ أفلاطون يحدد أن الشجاعة لا يملكها إلا من يملك السلطة والسلاح القادر على ضبط الامن والحفاظ على ممتلكات المواطنين والافراد. إنه يقارن الحراس ب"الكلاب" التي تتآلف مع الصديق والمسالم وتنقضُّ على الغريب وعلى من يعاديها. الحكمة هي كفاءة مقصورة على الفلاسفة. الحكمة في إدارة الدولة بعقلانية وتوازن وجرأة. في هذه الطبقة تتوحد كل الصفات الاخرى. بلا حكم بحكمة لن تكونَ هناك دولة حكيمة حسب معتقد أفلاطون. أنها طبقة يحكمها اقلية واجبها أن ترعى عقلانية الاكثرية! وبذلك يصبح نظام أفلاطون السياسي هرمياً. إذ أن الاغلبية ، وهي طبقة المغذين ، تجسد قاعدة الدولة، يليها طبقة الحراس وحماة الدولة ثم طبقة الفلاسفة المعدودين. أين تختبئ العدالة إذاً ؟ العدالة فضيلة تستقر في كل طبقة، لذا لا يذكرها أفلاطون. لأن العدالة حسب معتقده تعني أنَّ كلَّ فردٍ يفعلُ ما يتميزُ او يختص به، كل حسب كفاءته وقدرته. والكفاءة تعني هنا لا تعددية الصنائع والمهن وأنما التركيز على حرفة او ميزة واحدة فقط. نلاحظ أن نظرية أفلاطون لا تتعامل مع العدالة كمساواة بين البشر وأنما التمييز بين البشر. فالفلاسفة غير متساوين مع الحُرّاس والحرّاسُ غير متساوين مع أغلبية الشعب وأغلبية الشعب هم الحرفيون والمهنيون. إذ أن هناك من يغذي الكل، كما أن هناك من يحمي الكل وايضا هناك من يحكم الكل. فأين تكمن إذاً العدالة؟ يجد انموذج العدالة في طرح أفلاطون في الاقتصاد وبالتحديد في تقسيم العمل حسب الكفاءة والاختصاص. وبذلك تعود فائدة الناتج القومي للجميع ويؤدي ذلك إلى إزدهار الدولة وإنتعاشها. من ناحية أخرى يخلق أفلاطون شخصية جديدة للانسان بعيدة كل البعد عن الشخصية التي يتمتع بها الاغلبية. إنها شخصية الانسان المتكامل (uomo universale) كما سمي في عهد النهضة (Renaissance) الانسان الناضج والمثقف والواعي كما كان يتمناه الشاعر الالماني فريدرش شيللر. الاختصاص في دولة افلاطون يفصل الحاكم عن المحكوم والعاقل عن غير العاقل والشجاع عن غير الشجاع وأصحاب الآراء عن أصحاب العلم. والعلم مقصور فقط على الفلاسفة لا غير. الحاكم المطلق هو صاحب الامتيازات العليا لا غيره. فهو لا يملك الرأي والتنبؤ في الامور الجذرية ولا يتخذ قرارات عشوائية بل انه يملك العلم بما يدور إذ انه على وعي وإدراك، إنه يملك معرفة قيمية عميقة لذاته، إنها العقلانية والتوازن في القرار بالمشورة والحكمة. من ناحية أخرى يمنح أفلاطون الحرية لكل إنسان أن يختار الطبقة التي تتناسب مع صفاته الروحية. وبذلك يثبت حقَّ كل أنسان في أنْ ينتسبَ إلى الطبقة التي تتناغم مع تقنياته ومهاراته وقدراته العملية حسب صفاته الروحية. كان العلم والتعلم في المدارس الفلسفية مقصورين فقط على الطبقات المتنفذة والغنيّة. وهذا الامر ينعكس في أفكار افلاطون، الرجل الذي ينحدر من عائلة ارستقراطية متنفذة. اصبح الوضع الاجتماعي لدولة أفلاطون هرميّاً طبقياً مقسَّماً حسب الاختصاصات وحسب صفات البشر. لكن كيف ينعكس هذا الحال على المدينة؟ يبدأ أفلاطون بالبحث أولا عن كيفية تأسيس المدينة. وكما هو مألوف في العهد الاغريقي يعتمد المعلمون في طرحهم او شرحهم للامور بالاستعانة بالاساطير الاغريقية. ويطرح أفلاطون كيفية تأسيس المدينة العادلة على أنها "أكذوبة نبيلة" تروى على لسان سقراط فيقول خجولا:" القصة تبدأ تحت الارض. فهناك يعيشُ اوائل مواطني المدينة العادلة ويتلقون دروس التربية الحسنة. بعد ذلك يتركون قعر الارض وتوجههم الارض الام إلى الاعلى، من اجل أن يحرصوا على ارضهم وعلى بعضهم البعض. كل مواطني المدينة الافضل هم اخوة. لكنهم يتميزون في أنهم أثناء الولادة مُنح لبعض منهم ذهب ولبعض فضة ولبعض حديد واكتفى الاخرون بالخام." يبين أفلاطون بأن المدينة الافضل للانسان هي ليست مجرّد تنظيمٍ بشريٍّ مُقسّمٍ ومُجّزَءٍ متوارث. بل إنها مكون اجتماعي له ميزاته وخواصه. وكل انسان يستطيع ان يصنع من الفضة ذهباً. فهو يستطيع أن يختار ما يناسبه من طبقة حسب إمكانياته الذاتية والمعنوية والمادية. أما الارستقراطيون فهم ليسوا أرستقراطيين بالولادة وأنما يصبحون أرستقراطيين من خلال الجدارة والقدرة الانتاجية. بذلك فان مدينة أفلاطون ليست ارستقراطية وانما مريتوقراطية (Meritocracy). ولكن ما هي الاكذوبة النبيلة في هذه الدولة؟ يقارن أفلاطون أسطورته بالاكذوبة النبيلة ويضع مثالا لمقارنته بين الخبير والجاهل. فالخبير يستطيع أن يكذب على الجاهل مثلما يكذب الطبيب على مريضه كي لا يصاب بالقلق وكما يكذب قبطان مركب على ركابه كي لا ينتابهم الخوف والرعب. مَثلُ هؤلاء كمثل الفلاسفة في مدينة أفلاطون. إذ أن علمهم ومعرفتهم مبنيتان على علم الخبراء (expertocracy). يفند هذا الطرح الفيلسوف عمانويل كانت (Immanuel Kant) ويقول: "لا يمكن ان نعتمد حب الاخرين كأكذوبة نبيلة." هل يحق للحاكم أن يكذب على شعبه؟ سؤال طرحته الاكاديمية الملكية البروسية عام 1799. المضحك في أسطورة تأسيس مدينة أفلاطون أنها لا تُعطي الحق للحاكم أن يكون كذّاباً نبيلا على شعبه حسبُ ، بل مجرد طرح هذه الاسطورة يجعل الفلاسفة هم اول المضحوك عليهم. يوضح أفلاطون من خلال أسطورته مغزى تأسيس هذه الدولة بطريقة تربوية: الدولة الصحية يجب ان تتكون من مكون إجتماعي فعال متعاضد متماسك إمتيازي الحرف، كفوء في أدائه وإدارة زمام أموره.


 

الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (5) -3
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (5) -2
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (5) -1
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (4)
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (3)
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (2)
الفلسفة الاغريقية في السياسة والدولة (1)



 

free web counter