|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الجمعة 17/8/ 2012                                د. جاسم الصفار                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 


قضية البروليتاريا هي قضية المجتمع بأسره

د. جاسم الصفار *
Jaaltimimi5@gmail.com

التغيرات النوعية الحاصلة في تركيبة الطبقة العاملة والتي مضت بتسارع كبير منذ الربع الاخير من القرن العشرين تفرض نفسها ليس فقط على الدراسات الجادة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية بل وعلى برامج واساليب نضال الاحزاب العمالية والاشتراكية ومنظمات المجتمع المدني. فالتحولات الحاصلة في نمط الانتاج الاجتماعي وتسارع تطوره التقني، انعكست بصورة مباشرة على التركيبة الطبقية للمجتمعات في مناسيبها الكمية والنوعية. وهذا بدوره يستدعي اعادة دراسة وتوصيف للطبقات الطليعية وتحالفاتها التاريخية التي يستند اليها التغيير الثوري نحو مجتمع العدالة الاجتماعية.

نثرت الثورة العلمية والتقنية بذور التغيير في كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية واثرت في نمط الانتاج المعاصر في جميع حقوله، بحيث اصبح يعتمد على شريحة واسعة من شغيلة العمل الذهني، اي على العمال الفنيين المتخصصين كالمهندسين والاداريين والمحاسبين والمخططين الاقتصاديين ورجال العلم وغيرهم من العاملين المؤهلين لادارة عمليات انتاج متطورة ومعقدة تقنيا. كما ان قطاعات واسعة من العمال اليدويين، نتيجة لاعادة التأهيل اصبحت تساهم في عمليات الانتاج الحديثة ليس فقط بجهدها اليدوي، بل وبجهدها الذهني وخبرتها المستحدثة والمستوعبة لطبيعة عمل آلات الانتاج المتطورة. وقد اصبح هذا الميل لجهة زيادة نسبة شغيلة العمل الذهني في عمليات الانتاج صفة ملازمة للتطور التقني المتواصل لآلات الانتاج وادواته. ورافق ذلك انخفاضا محسوسا في نسبة شغيلة العمل اليدوي في حقول الانتاج المختلفة مما جعل عدد كبير من الباحثين الاجتماعيين في الدول الرأسمالية والدول "الاشتراكية" السابقة يكتبون عن الاضمحلال المطرد لثقل ودور البروليتاريا في المجتمعات الحديثة!

لا ريب في ان التقسيم الاجتماعي للعمل والتركيبة الاجتماعية بأسرها في جميع الدول المتطورة، بما فيها الاتحاد السوفيتي السابق قد تعرضت في سياق الثورة العلمية والتقنية ولاحقا المعلوماتية لتغيرات عميقة. واهم هذه التغيرات :

- تقلص نسبة العاملين في الزراعة من حوالي الثلثين الى 3-6% بالمتوسط في الدول الصناعية المتطورة. ففي روسيا، على سبيل المثال كانت نسبة العاملين في الزراعة تصل الى 75% في عام 1913 بينما هي لا تتجاوز اليوم 8%. وهذا يعني، اضمحلال دور الفلاحين وزيادة دور العمال الزراعيين في التركيبة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية المتطورة. ولهذا الواقع اهمية سياسية كبيرة، خاصة بالنسبة للاحزاب الشيوعية والاشتراكية.

- التغير المهم الاخر، كان في نسبة العاملين في قطاعات الصناعة الثقيلة والبناء والنقل والاتصالات. ففي الولايات المتحدة الامريكية انخفضت نسبة العاملين في هذه القطاعات خلال الفترة من عام 1970 ولغاية 1990 من 40% الى 33%. اما في الاتحاد السوفيتي السابق وبسبب تباطؤ مستوى التطور التقني مقارنة بامريكا، فقد كان الانخفاض في عدد العاملين في القطاعات المذكورة على قلته محسوسا. فمع نهاية الستينات توقفت الزيادة المطردة لعدد العاملين في تلك القطاعات في الاتحاد السوفيتي ثم بدأت بالانخفاض خلال العشر سنوات الاخيرة من عمر النظام من 30,5 الى 29,7 مليون عامل.

- التغير المهم الثالث هو في النمو المطرد للقطاعات غير الانتاجية، خاصة تلك التي تؤسس للتطور الاقتصادي الاجتماعي بصورة عامة كالتعليم والبحث العلمي والطب والادب والفن. ففي الوقت الذي كانت نسبة العاملين في هذه الحقول في روسيا عام 1913 لم تتجاوز 1% من عدد السكان وصلت في عام 1989 في الاتحاد السوفيتي الى 19%.

وفي موازات التغيير الثالث، حصل تغيير بنيوي مهم في تركيبة البروليتاريا العاملة في جميع ميادين الانتاج الاجتماعي، خاصة العاملة منها في الصناعات الثقيلة والخفيفة، اي المنتجة للآلات والسلع الاستهلاكية على اختلاف انواعها. حيث تحققت زيادة كبيرة ومؤثرة في نسبة شغيلة العمل الذهني مع تقلص واضح لنسبة شغيلة العمل اليدوي. ففي الوقت الذي كان فيه عدد شغيلة العمل الذهني في روسيا بداية القرن المنصرم 3 مليون شخص، بما فيهم 2 مليون يعملون في القطاعات غير الانتاجية، وصل عددهم في عام 1991 الى 40 مليون شخص، هذا دون حساب العاملين في المهن الحرة والقطاعات الخدمية. مع ملاحظة ان شغيلة العمل الذهني اليوم يمارسون عملهم بنمط جماعي تضامني ليس فقط في قطاعات الانتاج بل وفي الحقول غير الانتاجية كالمؤسسات التعليمية والبحثية والمستشفيات وما الى ذلك.

وبلا شك فان العمل المشترك والتضامني في اطار مؤسسات واحدة يفضي الى مواقف متقاربة من نظام العمل وعلاقات الانتاج في تلك المؤسسات ويوحد برامج الاحتجاج النضالية من اجل تحسين ظروف العمل. علما بأن تطور المزاج الاحتجاجي الى برامج نضالية اسهل بكثير عند شغيلة العمل الذهني مقارنة بشغيلة العمل اليدوي الذين يعانون غالبا من الاغتراب عند ادائهم لجزء محدود من عمل تنجز اغلبه آلات معقدة عالية التقنية يصعب استيعابها بسبب ضعف مستوى التأهيل الفني.

ومن هنا فاننا امام تغيير اجتماعي سياسي هام في تركيبة طبقة البروليتاريا، يجعلها قادرة ليس فقط على صناعة الاحتجاج بل وقادرة ايضا على انتاج فكرة او نظرية الاحتجاج. علما بان هذا التغيير يبقى في حدود ذات التوصيفات التي اطلقها ماركس وانجلس لطبقة البروليتاريا في القرن التاسع عشر. فقد اشار كارل ماركس وفريدريك انجلز الى انه لم يكن امام شغيلة العمل الذهني في النظام الرأسمالي الا ان يبيعوا قوة عملهم لمالكي وسائل الانتاج مقابل حصولهم على الاجر. وكما جاء في البيان الشيوعي: "لقد جعلت البرجوازية من الاطباء والمحامين والشعراء ورجال العلم وغيرهم عمال مأجورين". وهم بالتالي ينتمون لطبقة البروليتاريا التي يعرفها البيان على انها طبقة الشغيلة المعاصرة التي "تعيش على ما تتلقاه من اجور مقابل بيعها لقوة عملها". وبصورة ادق فانهم ذلك الجزء من البروليتاريا الذي يساهم في عملية الانتاج الاجتماعي بقدراته الذهنية مقابل اجر يحدده مالك مؤسسات الانتاج ووسائلها. وقد جاء تعبير بروليتاريا العمل الذهني بصورة اكثر تحديدا في تحية وجهها انجلز لمؤتمر الطلبة الاشتراكيين جاء فيها "يجب ادراك حقيقة ان جزء كبير منكم سينخرط في المستقبل في صفوف بروليتاريا العمل الذهني، التي تصطف بدورها مع شغيلة العمل اليدوي في سبيل لعب دور فعال في التحركات الثورية".

هذا التوصيف الماركسي لطبقة البروليتاريا يسقط تماما اسس تلك الافكار القائلة بالاضمحلال التاريخي للبروليتاريا والتي بنيت اساسا على تصور خاطئ يرى في البروليتاريا، شغيلة العمل اليدوي حصرا. وحتى في حالة تجاوز النهج الذي نعتمده في تمييزنا للطبقة الاجتماعية وفقا لعلاقتها بوسائل الانتاج وطريقة حصولها على دخلها، فان معظم البيانات الاحصائية لثقل ودور البروليتاريا في الانتاج الاجتماعي تشهد على انها الاهم والاكبر في جميع المجتمعات الرأسمالية.

فحسب البيانات التي تحصي النسب العددية للشغيلة في المؤسسات المصنعة للبضائع والمنتجات المادية، دون حساب للقطاعات الخدمية بما فيها تلك التي لها علاقة مباشرة بعمليات الانتاج في جميع المجتمعات الرأسمالية المتطورة، تراوحت نسبتهم في حدود 40-50% من العدد الاجمالي للعاملين في شتى ميادين العمل الاجتماعي. ففي بريطانيا، حسب احصاء عام 1981، بلغت نسبتهم 51% من العدد الاجمالي للعاملين. ووفقا لاستطلاعات عالم الاجتماع ا. كيدنس التي اجراها عام 1986 فان 48% من سكان بريطانيا في الاعمار دون سن التقاعد يحسبون انفسهم على البروليتاريا. اما في الاتحاد السوفيتي السابق فقد بلغت نسبتهم وفقا للاحصاءات الرسمية عام 1984- 61.6%. وتبعا لمعطيات الباحث الاجتماعي الروسي زدوروف فان عدد المحسوبين على البروليتاريا في عام 1990 في المدن الروسية وحدها قد بلغ 35-40% من العدد الاجمالي للعاملين. وقد كان هذا في ظروف انهيار الاقتصاد في روسيا وتعطل اغلب مؤسساتها الصناعية والتسريح القسري للعمال. اما اذا اضفنا لهذه البيانات جميع العاملين لقاء اجر ولا يملكون وسائل الانتاج فعدد المنتسبين الى البروليتاريا المعاصرة يبلغ وفقا لدراسات الباحث ب. سلافن 90% من السكان القادرين على العمل في جميع المجتمعات الرأسمالية المتطورة.

تبعا لما تقدم، فاننا امام حلقة جديدة من حلقات جدلية تاريخية تنظم العلاقة بين قوى الانتاج ووسائل الانتاج. فالتطور النوعي في وسائل الانتاج فرض تغيرا نوعيا في تركيبة قوى الانتاج. ولاشك في ان هذا الاخير سيكون القوة المحركة الرئيسية لديمومة وتواصل التطور التقني والعلمي لوسائل الانتاج في شتى ميادينه الاجتماعية.

ختاما، لابد من الاشارة الى ان التطور النوعي في تركيبة الطبقة العاملة وزيادة قدرتها على استيعاب وانتاج فكر التغيير صوب مجتمع العدالة والرفاه المادي والروحي ليس كافيا على الاطلاق لتحقيق التغيير المنشود دون وجود احزاب اشتراكية قوية وناضجة، تستوحي برامجها من الواقع الحي المعاش مستندة الى ارث نظري راقي وتجارب غنية ونهج علمي اثراه ماركس في نظريته الاجتماعية السياسية عن الثورة الدائمة والتي تناولت افكارها الرئيسية في مقالات سابقة. فالغور في برامج مستقبلية قد تتحقق بعد اجيال عديدة، رياضة فكرية ممتعة ولكنها غير مجدية في حسابات التغيير السياسي الاجتماعي. واذا كان لابد من وضع هدف ستراتيجي يتجه نحوه الاشتراكيون في برامجهم المرحلية (على اختلاف مدارسهم وتنوع برامجهم) فهو ذلك الهدف المستنبط من تجاربهم السابقة : السعي لبلوغ نظام لعلاقات الانتاج، تتحقق فيه اعلى مستويات الرفاه الاجتماعي الروحي والمادي. وكما ذكر المفكر الاشتراكي الكبير كارل كاوتسكي في كتابه (دكتاتورية البروليتاريا) الصادر عام 1918 ، ان كومونة باريس قد تسامت على غيرها من الثورات الاشتراكية في ان جميع الاشتراكيين الفرنسيين قد ساهموا فيها بتعاضد ورفقة..... فالهدف الذي يوّحد جميع الاشتراكيين هو تحرير البروليتاريا ومعها المجتمع باسره.
 



* مدير مركز تطوير وأبحاث - روسيا ألإتحادية
 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter