جمال الخرسان
gamalksn@hotmail.com
ذاكرة القصب (2)
كل شيء من الماء والقصب
جمال الخرسان
في الموروث الرافديني القديم لم يرتبط نبات في سر الخليقة وبداية التكوين كما ارتبط "القصب"، نبات وكأنه يشكّل مع الماء اكسير الحياة، رمز للحياة وبداية الخليقة، انه سر من اسرار تلك الرقعة الجغرافية الموغلة بالغموض، القصب كان الرمز الذي اتكأت عليه اسطورة الخلق وقصة الطوفان، تقول الاسطورة السومرية: "إنّ الإلھ مردوخ بنى منصة من القصب على سطح الماء ومنها خلق العالم"، هكذا ولد كل شيء من الماء والقصب، يالهذا النبات الطهر المقدس كيف خصته الاقدار بتلك الهيبة.
عرف السومريون ذلك، وعرفوا ايضا ان القصب ركيزة مهمة في قصة الطوفان واستمرار الحياة، كان القصب وكانت تلك الارض ثم كانت المخلوقات الاخرى، جاء في اوديسة العراق الخالدة "ملحمة كلكامش" بأن "إنكي " او "إيا" إله المياه العذبة والخصوبة، إله الحكمة والسلام حينما اراد ان يحذّر "اتونبشتم" من الطوفان اختار مخاطبة بيت القصب:
" بیت القصب.. یا بیت القصب!
جدار ... یا جدار..
اصغِ أنت یا بیت القصب.. یا رجل شوروباك
یابن اوبارو توتو:
ھدَّ بیتك وابنِ مركبا".
ادرك السومريون بحكمتهم ونباهتهم المعهودة ان القصب اكسير الوجود، لذلك حينما جفت عروق القصب واختفى الماء جفت الحياة في الاهوار، لكن ما ادركته العلوم الحديثة متاخرا ان هذا النبات عنيد ويرفض الفناء، ان جذوره تتحمل الجفاف لثلاثمائة عام دون ان تموت!
القصب موجود حينما كانت اور وربما قبل ذلك، حتى ان مؤسس السلالة الثالثة في اور هو الملك " اورنمو" التصق اسمه بالقصب فـ"اورنمو" يعني "ملك القصب". في لوح سومري آخر ورد " الى الحياة والقصب ستذهب يابني لتحارب، وهناك ستلبسك الالهة رحمتها وستاكل السمك، وتطلب من الماء ان يمنحك رحمته وستصنع من القصب مزمارا تنادي فيه كل من يحبك كي ياتي اليك".
تصنع من القصب مزمارا واكثر من ذلك، تصنع منه فلكا، حطبا، ومبانى مختلفة الشكل، ومنها تلك المقوّسة التي تسمى اليوم بـ" المضيف" وقد عثر في اللقى الاثارية السومرية على الواح منقوش عليها بناء مقوس من القصب يشبه بناء المضيف في العصور المتاخرة.
للقصب تاريخ وهيبة وضرورة كبيرة لسكان الاهوار، منه يصنع المضيف، والصريفة، والصوباط ومعظم المباني في الاهوار، تصنع منه "البارية" وهي بساط من القصب، انه المادة الخام للكثير من التفاصيل الاخرى في حياة الاهوار، انه الوقود الاساسي لهم، انه الغذاء الاهم لمواشيهم وخصوصا الجاموس، القصب هو الحلقة الاهم في صناعات عرب الاهوار.
عامرة باهلها كانت الاهوار حينما كان الماء والقصب، تقول حكمة سومرية: "حيثما تغمر المياه الأرض ينمو الخير وتخرج أجنحة السعادة إلى الوجود". اما اليوم ليس ثمة ماء ولا قصب، فماذا انت فاعل يا مردوخ ؟!