جمال الخرسان
gamalksn@hotmail.com
عشرون عاما على الكارثة
ذاكرة القصب (1)جمال الخرسان
" تعتبر مناطق الأهوار العراقية أكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط وغربي آسيا. وهي جزء لا يتجزأ من طرق عبور الطيور المهاجرة ما بين القارات، دعم أنواع الحيوانات المهددة بالإنقراض، إستمرارية مناطق صيد أسماك المياه العذبة، وكذلك النظام البيئي البحري في الخليج. بالإضافة إلى أهميتها البيئية، تعتبر مناطق الأهوار تراثا إنسانيا لا نظير له، وقد كانت موطنا للسكان الأصليين منذ آلاف السنين. إن تدمير مناطق الأهوار العراقية، وما تبعه من تهجير سكان الأهوار العرب الأصليين، يعتبر أحد التحديات الكبرى التي تواجه العراق من الناحيتين الإنسانية والبيئية". عن تقرير للامم المتحدة حول الاهوار صدر في العام 2011 تحت عنوان "ادارة التغيرات في مناطق الاهوار: التحدي الاساسي للعراق".
بحلول ايلول من عام 2012 يكون قد مر عشرون عاما على البداية الفعلية لتجفيف الاهوار، عشرون عاما على العبث بالجغرافيا والتاريخ والطبيعة، عشرون عاما من الالم والحسرة، عشرون عاما على بداية نهاية ارض الطوفان، يا لها من مفارقة عجيبة .. أنّى لارض الطوفان ان تتحول الى براري قاحلة؟! لكنها الاقدار.. انه غدر الزمان وقلة الحيلة جعلت من جغرافيا الاهوار فريسة سهلة لجور الامس وطعنات اليوم واهمال الغد. ايلول عام 1992 اكتملت فيه معظم المشاريع والسدود التي تكفلت بتجفيف الاهوار، وبعد مرور عشرين عاما على الكارثة، سوف اخصص جميع الاعمدة منذ الان وحتى نهاية ايلول من هذا العام لملف الاهوار تحت عنوان "ذاكرة القصب". انها وقفة جادة ساخرة عبر سلسلة من الاعمدة على صفحات العالم يجمعها موضوع الاهوار، انه شيء من الوفاء الى تلك الرقعة الجغرافية العزيزة، صرخة لمن يهمه الامر بما آلت اليه الاحوال، ذكريات وميثلوجيا، وادب رحلات ومشاهدات عينية في الماضي والحاضر. مشاهدات حيّة لمن عاش في الاهوار فترة طويلة في ظل متغيرات طبيعية، سياسية وامنية مختلفة، تمازجت مع استنتاجات تأتت بعد متابعة الكثير مما كتب عن الاهوار في المشرق والمغرب.
لانها مسقط رأسي .. لاني عشت هناك معظم ايام طفولتي.. لاني تنقلت فيها من منطقة الى اخرى عبر مياهها التي تكاد تلاصق الافق.. لاني استذوقت نسيم المرور على جوانب طرق البردي والحشائش الخضراء، لاني شاهدت فيها قبيل الغروب اسرابا من الطيور تحلق في السماء واخرى تسبح في الماء لا تأبه بمن يحاول اصطياد بعضها. لاني شاهدت مرات كثيرة قوارب وزوارق محملة بالقصب في طريقها الى المدينة تباع حمولتها لصالح معمل الورق في ميسان.. لاني شاهدت مهرة من الصيادين يتربصون بكلب الماء طمعا بفرائه المرغوب جدا. لاني شاهدت وجهاء الاهوار كل صباح يجلسون على جنبتي مضيف كبير مشيّد من القصب بطريقة فنية محكمة، هناك يحتسون القهوة العربية ويتبادلون اطراف الحديث. من هنا سوف تأتي وقفتي مع الاهوار وفاءا لتلك الرقعة الجغرافية وولعا فيها، انه انحياز للاهوار ولاهلها ولتاريخها اكثر من اي شيء آخر.