|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  3  / 12 / 2016                                 د. جمال العتابي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مدينة الحرية ...عمارة إنسانية
نص في المكان (دور الشؤون)

د. جمال العتابي *
(موقع الناس)

الأمهات يوصين الأبناء أن يحبوا الوطن الذي شيّد لهم ولآبائهم وطناً آخر ، بيوتاً تأويهم من خذلان الفقر وغائلة الجوع ، يقتنعون بالقليل من الخبز والعيش ، لم يكن مستحيلاً على حكومة (العهد الملكي المباد) أن تفتح لأولئك المتعبين من صغار العسكر والموظفين والنازحين من فلسطين ، نوافذ للأمل في بيوت أشبه بعلب من حجر ، متلاصقة ، متراصّة ، مكتظة ، بمساحات لا تتجاوز الخمسين متراً ، لا مسافات تفصل الجدران ، سوى تلك الأزقة الضيقة التي تشبه الصراط المستقيم ، كأن الحكومة أرادت لأولئك أن ينصتوا لشهقات الواحد للآخر، يتوحدوا في الونّة والآه ، شركاء في الحب والحزن والأمنيات ، يتقاسمون العوز ، ويلتحفون سماءً واحدة . أهلها سعداء بهذا النزل الجديد ، فهو لهم مثل مدائن يبزغ فيها الفجر من كبد الديجور ، ويتناثر فيها الضوء مدراراً .

عُرفت بإسم (دور الشؤون) ، نسبة إلى وزارة الشؤون الإجتماعية التي نفذت المشروع أنذاك ، أواخر خمسينات القرن المنصرم ، وشغلت مساحة واسعة تبدأ من بستان الجلبي جنوبا ، حتى الدور الحديثة التي إلتفت حولها بحنوٍ وإلفة ، هذا الإمتداد يثير متعة بعيون ساكنيه ، وتبدو المتعة مضاعفة مع تلك الحياة الجديدة الطازجة ، كأنها وحدها (دور الشؤون) تحتفظ بالإبتسامة بعيون النساء والأطفال .

أهل هذه الدور من سلالات شتى ، وطوائف ، وأديان ، لم تعرف بعد الفوارق في اللون والعِرق ، تجمعهم المروءات بلا عُقد أو نزق ، يحتفون بالنهار ، يبكّرون في النهوض قبل مطلع الشمس ، تذكرهم الليالي في أولها بصوت الناي ، وفي آخر الليل لهم تهاليل وآهات ، الصبايا ينصتن لأصوات المغنين ، والعاشقون سكارى يغرقونه شدواً للعيون التي تبرق خلف العباءات السود .

جدران الدور لا تتعالى على ساكنيها ، ولا على المارّين في دروبها ، ولا توصد أبوابها ، عتباتها تلعق غثاء الطين ، بعد أن ملّت من جمع رغبات النساء والصبايا اللواتي ينعمن بالجلسات الملغومة بثقل الهموم ووجد البنات ، في شارع الحب أحد شوارع الدور ، ما أن يذوب المساء حتى تتلاشى الأصوات في عتمة تستجير المصابيح الخاشعة ، علّها تمنح الصبية محض عاطفة أو أمل .

دور الشؤون بدأت تسمو بأبنائها الذين خلعوا أثواب الأسلاف ، لم يرثوا مآثر آبائهم في الجندية والفلاحة ، ولم يكونوا مارقين ، بل مناضلون ، أداتهم عرق الجبين ، وجدوا طريقهم الى الحياة بعيداً عن سلطة الآباء ورغباتهم ، فمشوا نحو وهج الأزمنة الجديدة – ستذكرهم حقب وأزمان – تبوؤا عرش الكلام والفنون ، وإمتلكوا ناصية الدرس ، وتوثبوا صوب الجهات كلها ، وكتبوا تاريخهم في صحائف يتهجاها الأحفاد ، هو فصل مهم من تاريخ العراق ، إذ شهدت عقود الستينيات وما تلاها ، ظهور جيل من الأبناء تناسى بؤس الطفولة ، وصدأ المدن العتيقة ، وراحوا يشاكسون الزمن ، يختصرون الدروب ، إستفزوا الذائقة ، وكسروا التقليد والرتابة ، وحاوروا الماضي ، وحاكموا الراهن .

في دور الشؤون كنز من المواهب والطاقات المبدعة ، في صنوف المعرفة والأدب والعلم ، كتّاب ، ومغنون ، مسرحيون وموسيقيون ، معلمون وأطباء ومهندسون ، ضباط برتب متواضعة ، سياسيون ينتمون لأحزاب متناحرة ، عمال وحرفيون ، رياضيّون متميزون ...عراق تكوّر في هذه البقعة ، ثملاً بما أنجب ، يختلط فيه الغناء والبكاء ، وتتوحد الأصوات عندما تتوحم به الأقدار .

فيها إنطلقت حنجرة سعدون جابر لأول مرة ليفوح منها الزهر ، وكتب أحمد خلف هنا أولى قصصه القصيرة ، وبدأ الشاب الفلسطيني نصر محمد أولى خطواته نحو الكتابة ، حاتم الصكر يوقد ضوء فوانيسه لزمن الشعر والكتابة النقدية ، جهاد ونعمان مجيد ، الشقيقان القاصان اللذان يجدان ذاتهما في الصدق والكلمة الطيبة ، سلمان الشهد يعيد للوطن بهجة غائبة في تخطيطاته ، مقداد عبد الرضا بدأت قدماه تنوش خشبة المسرح .سامي الزبيدي يترك وشماً في الكتابة للطفل في (مجلتي) .عمران التميمي المخرج المسرحي ، وأشقاؤه عدنان وقحطان .

وللدور فرسانها ، من طراز آخر لا يحب ضجيج الشعارات ، هاتو الأسود ، يغني بإيقاعات أفريقية ، ترقص معه الحمائم والغيوم ، قدوري الوحيد لأمه ، تحرص أن لا يغادر المنزل ، تراقب نعليه كدليل لوجوده فيه ، يتحايل عليها ليلتحق بأصدقائه في المقهى ، يخرج حافياً ليستعير نعلا من بيت مجاور ، باقر مسير (عبد الباقي الزيدي تارة ، والناصري تارة أخرى) يشترط حضوره إجتماعاً لحركة القوميين العرب ، وجود قطرة للعين يدواي بها بصره العليل ، ذات مرة ، هتف بسقوط (موريس توريس) زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي ، في تجمع طلابي في إعدادية الكاظمية ، لمناسبة ذكرى إنطلاقة الثورة الجزائرية ، لم يردد أحداً من بعده الهتاف ، فأصابه الخذلان وشتم رفاقه !! يتهيج المخزون النضالي لدى باقر بعد هزيمة حزيران 67 فيرتدّ عن الحركة نحو اليسار ، لكن دون أن يتخلى عن جريد الأهرام ومجلة صباح الخير ، فهو مرجعيتنا في هذا الزاد الممتع . عبد المحسن الأميري (أبو سلام سكسفون) متعدد المواهب ، عازف موسيقي في الفرقة السمفونية ، طرّاز ، يدير مقهى الساقية ، عريف في الجيش متقاعد ، يجادل ليبعد الإتهام عن أغاني أم كلثوم كسبب لهزيمة حزيران ، أبو سلام ذاكرة لا تخون في أغاني محمد عبد الوهاب ، وتراتيل عبد الفتاح الشعشاعي ، وحده من يصنع الإصغاء والخشوع في محراب الموسيقى . حين يعلو صراخ باقر وثالث الأثافي مالك علي عذاب .

آخرون يطعمونا حكايات ، ويعيدون لنا ضحكات غاربة ، رياضيون أفذاذ ، لاعبو منتخبات ، الأشقاء عائلة جبر: حميد ومجيد ورعد وعزيز ، وعائلة لازم الفرطوسي حميد ومجيد وأسعد وصباح ، واللاعب شعلان زوير وشقيقه مجيد الذي إستشهد في فلسطين ، فوزي السوداني العدّاء والأكاديمي فيما بعد، فيصل حسوني الملاكم والسياسي ، ستار شحيّت ، الفدائي الذي يستلم أوامر الإلتحاق بالمقاومة عبر راديو المقهى ، وهو مستغرق في لعبة (أزنيف) حامية !! إسماعيل هايت الجندي الذي تفوق في العزف الموسيقي ليرتقي الى مرتبة نقيب في الجيش ، وعبد الأمير شيهان أول مفوض شرطة في الحرية ، وبيوتات أنجبت أسماء ظلت وفية للوطن والناس ، عائلة عبد الله بديوي مثلاً ، بأبنائها نجم وخالد وفاروق.

ولا تخلو الدور من أشقياء مفتونين بالخنجر ، وصليل القامات ، لهم صولاتهم حين ينتكس القانون وتستبد الفوضى في البلاد ، نجم الأقجم وشقيقه حربي نموذجاً

ماذا أصاب الدور الآن ؟ وهي تلبس جلابيب الشحوب ، ترقب رعشة الأبواب ، أعوام مضت ، ظلت غارقة في خوفها ، تدفن ضحاياها في الليل ، فما أمرّ الضياع .

 

* كاتب عراقي

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter