|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  15  / 3 / 2018                                 د. جمال العتابي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

خاب ظني ..وصدق فالح عبد الجبار

د. جمال العتابي *
(موقع الناس)

كنا ننتظر عودة الأصدقاء والأحبّة الذين غادرونا ما يقرب ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن ، هرباً من سلطة الدكتاتورية والإستبداد ، والنجاة من الموت والحروب ، نترقب مقدمهم الى الوطن بعد نيسان 2003 ،وإن لم تنقطع صلاتنا بالعديد منهم ، عبر متابعاتنا لنشاطهم الثقافي أو السياسي ، وما يصلنا من كتابات البعض بـ (القطّارة) .

في الساعات الأولى من ضحى يوم حزيراني ، بدأت فيه الأرض تسخن مبكراً ،أسرعتُ الخطى بلهفة شديدة ، كي ألتقي الصديقين فالح عبد الجبار وفاطمة المحسن ، العائدين تواً من غربتهما ، إلتقيت فالح في صالة إستقبال الفندق ،حاولت ان أختبر ذاكرته منذ لحظات اللقاء الأولى ، بعد أن تغيرت (خلقِنا) وأخذ الشيب منا مأخذاً ، وتهدلت بطوننا ، وحفر الزمن تجاعيد عميقة في وجوهنا ، لم يستغرق الإختبار بضع لحظات ، فتعانقنا بصمت وقوة .

في زاوية بعيدة من الصالة ، تحدث لي فالح عن مشروعه الفكري الثقافي ، وقدّم عرضاً مكثفاً لآليات تنفيذه في عراق ما بعد الدكتاتورية ، لم يكن المشروع حلماً في مخيلته ، إنما كان حقيقة في عميق فكره النير، وعقله المنظم ، بدأ خطواته الأولى بزيارات عدد من الكليات والمعاهد ، وإلتقى بأساتذتها وطلبتها ، وتعرّف على بعض منظمات المجتمع المدني التي تشكلت تواً ، تنقصها الخبرة والتجربة ، والتقى بوقت قياسي ، العديد من المثقفين والأدباء والإعلاميين ، ونظّم ورش عمل لمستويات مجتمعية عديدة .

لم نلتق خلال فترة إنشغال فالح بالإعداد والتحضير إلا ما أمكن من لقاءات سريعة كانت تتم بالصدفة على الأغلب ، لكنني أتواصل معه عبر ما تنشره الصحافة من متابعات لسعيه الإستثنائي ، وحماسه غير المنقطع لتوفير مستلزمات العمل وفرص نجاحه ، لم تمض بضعة أسابيع على هذا الحراك ، حتى التقينا ثانية ، وفي اللحظة الأولى من اللقاء إستطعت ان ألمح بوضوح إختفاء ذلك البريق في عيني فالح ، وذبول التوهج في وجهه ، الحقيبة التي يعلقها على كتفه تحولت الى ثقل ينوء بحمله ، وهو يسحب ساقيه ببطء ليرتمي على كرسي قريب مستريحاً من عناء شديد.

- ما الامر يا فالح ؟هل من علة تشكو منها ؟ سألته بإلحاح .
- نعم أجاب ، العلّة ليست في جسدي ، أنا لا أشكو من شيء في صحتي ، إنما العلّة في العراق .
- ماذا تقول يا صديقي ؟
- أقول لك انني قررت العودة الى حيث المكان الذي جئت منه . لقد أيقنت ان مشروعي لم يحن زمانه بعد !!
- يمعوّد كول غيرها
- مثل ما أكلك
- هكذا وبسرعة يا أبا خالد ؟ ما زلت في بداية الطريق . بعدنا على أولها .
- كنا نحلم ، وننتظر هذا الزمن ، هل أفهم من كلامك اننا سندخل في نفق مظلم جديد ؟ أجبني بوضوح أرجوك ، ألا تكفي سنوات العذاب والموت تلك ؟ هل هو قدرنا التعيس أن نحيا الرعب دائماً ؟
- جمال ، أقول لك بثقة مطلقة ، ان ثمة إشكالية وطنية كبيرة يمر بها البلد ، تتمثل بالقوى السياسية ، بقايا الدكتاتورية ، إنهيار القيم ، خراب المجتمع والنفوس ، ستضع الجميع أمام إمتحان وجودي هائل ، إن الديمقراطية المقبلة في إشتراطاتها المعروفة ، يصعب عليها ان تنتظم في ظروف العراق الحالية ، لا أبالغ في إحساسي بالخيبة والإحباط ، فأقول : وحتى الزمن المقبل ، فإن المجتمع العراقي غير مؤهل لقبول معايير العقلانية والإعتدال ، كذلك القوى السياسية غير مؤهلة لممارسة الفعل الديمقراطي الإجتماعي .لأسباب عديدة معلومة ، أولها ، النظام القائم على المحاصصة ، وغياب الدولة وإنهيار بنيتها التحتية . ان هذا الحال سيستمر لبضع سنوات .
- قل لي يا فالح ، كم سيأخذ من أعمارنا هذا المصير ؟
أجاب بهدوء وإسترخاء المطمئن بالنجاة من هذا الموت المقبل .
قال : ربما نحتاج الى عشر سنوات قادمة على أقل تقدير .
- احجي الصحيح فالح ! لقد أدخلتني في (جهنمك) المقبلة .
- ستكشف لك الأيام صحة ما أقول ، أنا مغادر ، في أمان الله .

حاولت أن أبتعد بتفكيري عن توقعات فالح ، بإزاحة الإرتباك الذي خضّ أعماقي ، وأن أتمكن من طرد تلك الصور المفزعة في ذاكرتنا ، لم يكن أمامي سوى البحث عن المبررات التي أقنع بها ذاتي القلقة ، والهروب بعيداً عن مواجهة الحقائق والإحتمالات الخطيرة . فمن يسعفني بهذه المواجهة سوى تلك الظنون الخاسرة .

- فالح يحلم بمناخ مثالي للعمل ، ليجد المسوّغ في العودة للمكان المترع بالجمال ، ومن المؤكد انه يفكر بشكل جدي أن لا يكون طعماً سهلا للحرائق مرة أخرى ، ويتطلع لبغداد خالية من الحواجز والكتل الكونكريتية ، تقطّع أوصالها وتحيلها الى مدينة بلا طعم أو حياة ، يحلم أن يتجول في السعدون صوب مقهى المعقدين وأبي نواس ، لينطلق نحو بردايس او كاردينيا ، وهو يتساءل : هل سألتقي طهمازي وحسين عجّة ورياض قاسم ومنعم العظيم ،وليد جمعة ، جليل ، زهير ، عواد ؟ و ..و.. أم انه سيدور لوحده في الأزقة ؟ والأزقة تدور به ؟

ها هي عشر مضت ، وبعدها خمس ، وكنت على أمل ان (تخيب) توقعات فالح ، لكن خاب ظني أنا ، وصدق فالح لأنه إختار الموت!


 

* كاتب عراقي

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter