| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم الولائي

 

 

 

 

الأربعاء 20/7/ 2011



لك تنحني الجبال.. قراءة في سيرة شهيد شيوعي

قراءة: جاسم الولائي 

لو نطرز رايتنا بالنجوم
لو نطرزها شهداء
أي زاوية ضمن رايتنا
سوف تنكمشين بها يا سماء
وأي مدى سوف يؤويك
لو نهض العدل وانجرح الكبرياء.   - 
(جزء من قصيدة ضائعة)

"مقياس النجاح والفشل في نظري، ليس في حاصل الجمع والطرح للمغانم والامتيازات وللخسائر التي يتعرض لها إنسان في مسيرة حياته، مهما طالت تلك المسيرة، بل هو مقدار الجهد المخلص المبذول لتحويل المبادئ والمثل الشريفة خبزًا للفقراء من الناس لغرض إسعادهم.

إن مثالية تلك المبادئ، ليست نابعة من قوى عجيبة مقطوعة الجذور عن الواقع، بل هي تنبع من صميم ذلك الواقع الموضوعي ومن شروط تغييره إلى واقع أفضل، ومدى ما يتحقق من ذلك هو النجاح الحقيقي، بل إن السير في طريق تحقيق تلك الأهداف نجاح بحد ذاته.

ومن هنا فالفشل هو بالابتعاد عن ذلك الطريق الصاعد نحو السعادة الحقيقية" - (د. محمد الظوالم.. الخاطرة الثامنة)

بعد ستة وعشرين عاماً تماماً من استشهاد الطبيب والنصير الشيوعي محمد بشيشي الظوالم تتحقق أمنية الكاتبة بلقيس الربيعي في تسجيل سيرة زوجها الشهيد (أبو ظفر) في كتاب تحت عنوان (لك تنحني الجبال) الذي صدر في بداية خريف العام 2010 عن دار فيشون ميديا في السويد في 358 صفحة من القطع المتوسط.

بقدر ما ستنحني جبال كردستان ونخيل السماوة لتحية هذا الرجل الشيوعي احترامًا لسيرته النضالية والفكرية واعترافًا بمآثره ومواقفه البطولية من أجل قضايا وطنه وشعبه ستبكي سوية مع غدران كردستان وسهولها وغاباتها وأشجار جوزها تينها مع الفقراء والحالمين من الكرد على خسارة ذلك الرجل الذي قدم إليها بمعتقده وحكمته وأدويته البسيطة ومشرطه البدائي من سماوة العراق والعرب مناضلاً وعاشقًا وحكيمًا ومؤمنًا بانتصار قضية شعبه وبمستقبل بلاده.

تتحدث هذه السيرة عن حياة الشهيد وقليل من طفولته وحياته بين أسرته في حارة شعبية تدعى (عجد دبعن). وتتناول بحثه المتواصل عن المعرفة كطبيب ومثقف ثوري يسعى إلى تغيير أوضاع الناس والبلاد إلى الأفضل، وتحكي الكثير عن تواضعه ومحبته وإيثاره الآخرين، تتكرر هذه الحكايات والتفاصيل في شهادات وكتابات من عرفهم هذا الشهيد وعاش وعمل معهم. فيما تقدم بلقيس الربيعي في سيرة الزوج والأب والحبيب تفاصيل عن مواقفه الإنسانية، وتقول أنه عاش حياته القصيرة (38) عامًا، عاشها إنسانًا بمروءة جمّة رفيعة. والمروءة، كما تقول العرب، لا ينالها إنسان إلا إذا تحلّى بأكثر صفات البشر كرامةً وسموًا، يستحق معها أن يُدعى امرئً.

عن حياته وأسرته الكبيرة تقول الكاتبة بلقيس الربيعي: إن الدكتور محمد بشيشي الظوالم ولد في الثالث عشر من نيسان/أبريل عام 1946 في مدينة السماوة من أسرة متوسطة الحال. وإن أبوه وهو (ابن أخ الثائر شعلان أبو الجون) كان رجلاً مستقيمًا يعمل رئيس مراقبين وساهم بشجاعة في ثورة العشرين، وكان الشهيد أبو ظفر يروي لها كيف ساهم الأب مع سبعين مقاتلاً أثناء ثورة العشرين في نسف سكة الحديد على مشارف مدينة السماوة في منطقة (جسر بربوتي) ليعيقوا حركة الجنود الإنكليز من وإلى البصرة، وكيف أقدمت قوات الاحتلال البريطاني على اعتقال شعلان أبو الجون في سجن الرميثة وكيف تم تحريره. وتضيف الكاتبة أن الشهيد ينتمي إلى عشيرة الظوالم وإلى شعلان أبو الجون، وقد عُرفت هذه العشيرة بالبطولة والجرأة والشهامة، وقد اكتسب الشهيد هذه السمات.

الشهيد أبو ظفر طبيباً

تصف الكاتبة أيضًا حياة الشهيد الدراسية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية ودراسته بعد ذلك في كلية الطب بجامعة بغداد، والجور الوظيفي وحالات النقل التعسفي التي تعرّض لها من قبل النظام البعثي أثناء عمله كطبيب في معمل إسمنت السماوة، قضاء الخضر، الدغارة وفي قضاء السلمان (نقرة السلمان سابقًا). وكيف كان يخجل من فتح عيادة خاصة له، مقابل ما عانى من شظف العيش والمضايقات في وظيفته الحكومية، كونه يخجل ويربأ بنفسه عن تقاضي أجور مقابل علاجه للفقراء، حتى لو كانت تلك الأجور رمزية.

لم يمارس الشهيد عمله كطبيب في منطقة مريحة وفي ظروف طبيعية تتوفر فيها كل المستلزمات الطبية الضرورية لممارسة هذه المهنة. فقبل كردستان وافق الشهيد على العمل في محافظة شبوة اليمنية المتاخمة لصحراء الربع الخالي، في وقت كان أطباء تلك البلاد يرفضون العمل هناك ويفضلونه في العاصمة. كانت محافظة شبوة قبل وصوله إليها خالية من أي طبيب، ولم يجد الشهيد هناك سوى بناء خال من أهم ما تحتاجه مهنة الطب وتنقصه النظافة أيضًا، كان يُدعى مستشفى شبوة. تتحدث السيرة عن تفاصيل كثيرة عن حياة ومواقف الشهيد فيها، ودوره في إنقاذ الكثير من المرضى من موت محقق. ومن هذه التفاصيل إنقاذه حياة سيدة يمانية وجنينها بنقلها بطائرة هليوكوبتر جاءت بوفد حكومي إلى تلك المحافظة، وحمله الوفد على اختصار زيارته إلى أقل من ساعة لنقل هذه المرأة خلال فترة قصيرة إلى عدن، وقد كتب ذلك الطفل الناجي بعد بلوغه سن الثلاثين عامًا رسالة مؤثرة إلى مؤلفة الكتاب وزوجة الطبيب الشهيد بلقيس الربيعي، ذكر فيها أن أهالي محافظة شبوة مازالوا يتذكرون ذلك الطبيب العراقي الذي أضاف إلى حياتهم الكثير وغيّر فيها الكثير أثناء وجوده بينهم، وأنه لن ينسى ذلك الرجل الشيوعي الذي أنقذ حياته وحياة والدته.

وفي سيرة الشهيد أيضًا حكايات تداولها الناس في اليمن وكردستان وسورية عن إنقاذه لأحد رفاقه الأنصار ببتر أصابع قدمه المصابة بالغرغرينا في منطقة نائية في كردستان، مستخدمًا منشارًا لقطع الحديد وبدون مخدر، الأمر الذي أثار دهشة الكثير من الأطباء من دقة الجراحة ومهارة الطبيب، بحيث أنقذ حياة هذا المريض وجعله يتمكن من السير بتوازن بتمرين بسيط بعد إجراء الجراحة بوقت قصيرة. وحكاية الطفل الذي أنقذه بتشخيص حالته فور مشاهدته إياه. كانت قد مرت فترة على انفجار الزائدة الدودية لديه. وقتها قال أطباء سوريون وفلسطينيون أن سرعة التشخيص هي التي أنقذت حياة الطفل الذي لم تكن حالته تسمح بساعة انتظار واحدة، وربما بأقل من ساعة.

وتسجل بلقيس الربيعي نقلاً عن رفاق الشهيد من الأنصار موقفًا إنسانيًا قل نظيره أثناء انسحاب إحدى مفارز الأنصار الكبيرة وعبورها جبل قنديل. كانت بين الأنصار رفيقة حديثة الولادة في حالة من الإجهاد بحيث لا تستطيع حمل طفلها الرضيع، ولم يكن أحد من رجال المفرزة رغم عددهم الكبير يستطيع حمله بسبب التعب. الموقف الذي جعل قائد المفرزة الشهيد محمد الظوالم يحمل الطفل بعد أن يشده بالبشتين على ظهره. وكان يتسلّق الجبل عند أول نصير ويعود ثانية للنزول والاطمئنان على آخر نصير في نهاية الرتل والرضيع محمول على ظهره.

خواطر الشهيد

تنقل بلقيس الربيعي سبع عشرة خاطرة وصلتها من الشهيد د. محمد الظالمي، كان قد كتبها في أماكن وفترات مختلفة، وهو العدد الذي لم يتعرّض للضياع من أدب الشهيد. فقد تناولت هذه الخواطر العديد من الأفكار، وتحدثت عن قضايا وأفكار متنوعة في الحياة والفكر والتراث والطب وغير ذلك. منها على سبيل المثال ما تناولت الحياة اليومية وصور للناس وهم يمارسون حياتهم ونشاطهم اليومي في البحث عن لقمة العيش، وتحضيرات قبيل العيد، وقوفهم أمام فرن الخبز. خاطرة أخرى وصفت المثل العليا للإنسان. وبحثت في أهم هذه المثل، الصدق الذي يتطلب شجاعة نادرة وينطوي على خطر جسيم في حال تعارضه مع المصلحة. وببساطة وعمق شديدين يتناول الشهيد موضوع القوة، كيف تتحول إلى قوة غاشمة، ويبحث في ضرورة ردع هذه القوة والسيطرة عليها، ثم يعرّج على ظلم وتعسف البيروقراطيين وسوء استخدام القوة.

ومن الموضوعات والأفكار الأخرى التي تناولتها خواطر الشهيد، البطالة التي تحوّل كل مكان إلى مقهى للثرثرة، الأمل، العقيدة التي لا يمكن توريثها بدون وعي، وكيف تموت العقيدة في حال توريثها بالتشبه فقط، القيم السائدة في مجتمعنا، عن الاستبداد والسلطة الأبوية والتقاليد والعادات والقيم، الدعوة إلى ثورة في الأخلاق وتغيير العلاقات الاجتماعية في اتجاه تقدمي، دفاعه عن الشاعر يحيى عباس السماوي الذي زجّ في السجن لكتابته موضوعًا حول مدينة الألعاب في السماوة وفضحه أساليب الاستغلال الجارية هناك وما وصل إليه خلق البعض من انحطاط. ويكتب أيضًا عن الثقافة والدور الاجتماعي والثوري للمثقف.

لا بد للقارئ أن يتوقف عند كل واحدة من الخواطر التي كتبها الشهيد محمد الظوالم، ولابد له أن يجد واحدة منها على الأقل ترتبط به وبحياته وعمله. وثمّة ما يجبر المرء للتوقف والانتباه فجأة عند المعادلة التي رسمها الشهيد في خاطرته الحادية عشر التي دونها في العاشر  من أيلول عام 1975، وفيها يقول:

"بالقدر الذي يزيد فيه المعلوم وينقص فيه المجهول من الضرورة الموضوعية في الوعي البشري، يقل فيه خوف الإنسان وتتضاءل خشيته مما يضره في المستقبل، وبذلك تتسع حريته وتتعمق. فالحرية إذن هي في التخلص من الخوف أو السيطرة عليه. وهذا لا يتم إلا بالفهم الحقيقي للضرورة الموضوعية.. الخاطرة 11."

 

تثبت الحياة بشكل يومي صحة هذه المعادلة: كلما اكتشف مجهول تبدد الخوف بدرجة ما، فأكثر الخوف هو من المجهول. وكلما تبدد جزء من الخوف اتسعت فسحة الحرية. ويمكن للمرء أن يورد تفاصيل كثيرة في حياته ضمن هذه المعادلة البسيطة التي انتبه إليها الشهيد. فكم من المجاهيل كشفتها الحياة أو كشفها العلم فاختفى الخوف منها، بدءًا من الخرافة حتى العلم، ومن السحر والشعوذة حتى الطب.

يوميات الشهيد ورسائله لزوجته

"يا بلقيس أيتها المذيعة الحسناء في تلفزيون المثنى. صبّي في فم يسار حنين الوطن الذي وزّع فيه المارقون الولادات والأسماء والألحان في أرجاء الدنيا.. من رسائل ووصايا الشهيد"

الكثير من اليوميات التي كتبها الشهيد الطبيب محمد الظوالم كان قد فُقد ضمن ما فُقد من أدبه وتراثه بالإهمال وعدم تحمل البعض مسؤولية إيصالها والحفاظ عليها، أو ضياعها أثناء العمليات العسكرية التي كانت تخوضها مفارز الأنصار، وأثناء تحرك تلك المفارز والانتقال بشكل مفاجئ إلى أماكن أخرى وفي حالات السفر والانسحاب. رغم ذلك استغرقت الكاتبة بلقيس الربيعي وقتًا طويلاً وجهدًا ومثابرة عنيدين في جمع تراث زوجها الشهيد وتفاصيل حياته وصوره وذكرياته من خلال أصدقائه ورفاقه وزملائه في العمل، ومما كتبه ورواه أولئك وهؤلاء عن الشهيد.

مقابل ضياع الكثير من تراثه، كان الشهيد قد أنقذ مخطوط رواية للروائي زهير الجزائري، حمله معه إلى أكثر من مكان وعبر به الوديان والحدود حتى أوصله إلى صاحبه. وقد كتب الجزائري في إهدائه نسخة من روايته إلى بلقيس الربيعي. لولا الشهيد لما كانت هذه الرواية.

تحمل اليوميات تفاصيل ممتعة عن الحياة اليومية للشهيد، عن عمله كطبيب، عن سعيه لتطوير حياة الناس ولقاءاته مع وزير الصحة والأطباء في الجزء الخاص باليمن الديمقراطية ومحاضراته ونصائحه الصحية بين الناس البسطاء، وحرصه على نظافة المدينة والبيئة، وحملات التنظيف والتشجير، وعما قرأه من كتب ومن زاره أو ذهب هو لزيارته من الأصدقاء وتفاصيل أخرى عاشها في العراق ومدن شبوة وعدن في اليمن الديمقراطية وكذلك في كردستان، وفي أماكن أخرى.

أما رسائله إلى زوجته مؤلفة الكتاب فلم أستطع قراءتها، رغم أن الكاتبة قد نشرتها كاملة في الكتاب، فقد أصبت بحالة من التهيب من الإطلاع على ما يفضي الشهيد إليها بما يعتمل في نفسه من ألم الغربة والفراق واعتبرت ما كتبه الشهيد لزوجته التي عاش معها قصة حب طويلة كانت حديث مدينة السماوة وطالبات المرحلة الثانوية فيها، وهي ما حدثتني به بلقيس الربيعي بصورة شخصية، اعتبرت هذه الرسائل بوحًا خاصًا ومقدسًا بين قرينين ما يزالان يعيشان قصة الوفاء النادرة. لم أقرأ من تلك الرسائل سوى بطاقة كتبها الشهيد لابنته ظفر وأرسلها على عنوان روضة الأطفال. أما ما أوردته حول وصيته للمذيعة الحسناء أم ظفر التي تعمل في تلفزيون المثنى فقد اقتطفته من مقالة نشرها الصحفي ناجي متعب محمد في صحيفة الصباح البغدادية بتاريخ 27 آب/ أوغست 2003.

في الجزء الأخير ضمت سيرة الشهيد محمد بشيشي الظوالم (لك تنحني الجبال)، ما كتبه أصدقاء ورفاق وزملاء الشهيد في صحافة الحزب والصحافة العراقية والعربية عن سيرته، نشرت الكاتبة منها خمس قصائد لخمسة شعراء وشعراء شعبيين هم يحيى السماوي، صلاح مهدي، صبري هاشم، خلدون جاويد وحميد الموسوي.

ومقالات لـ 38 كاتبًا وكاتبة بينهم صحفيون محترفون وأطباء وأدباء وسياسيون ورفاق ورفيقات وأنصار ونصيرات في الحزب الشيوعي العراقي، وكتاب عرب بينهم وزير صحة عربي. وضمت سيرة الشهيد الكثير من الصور التي التقطت له في عمله وكفاحه، الكثير من تلك الصور كان فيها الشهيد يرتدي الزي الكردي.

بلقيس الربيعي

في الوقت الذي يقرّ الجميع بحق الكاتبة بلقيس الربيعي في حمل قصة زوجها بتفاصيلها الكثيرة والغنية وبشقيها العملي والرومانسي أينما تذهب، وروايتها في كل مكان تحل فيه، وتشد آذان الجميع للإصغاء إلى قصة الشهيد الشيوعي محمد بشيشي الظوالم، التي أصبحت قضيتها التي نذرت لها حياتها، وهدفها في إيصال صورة متكاملة عن الشهيد إلى كل الناس وإلى حجر وشجر الأرض، لكنها من أن تبدأ بالحديث، حتى تنتابها غصة البكاء، فتنتبه إلى نفسها، وتعتذر إلى سامعها بأنها أدخلته في قصتها دون ذنب. وكأن حكاية الشجاعة والإثرة وقصص نضال العراقيين عقوبة.

لعل كتاب السيرة (لك تنحني الجبال)، يساهم في تعريف القارئ بقصة الشهيد، فيضيف بعض السعادة إلى روحه وقلب زوجته النفيسة المحبة بعض الراحة والهدوء، لأنها لم تقصّر ساعة في حق ذلك الرجل الشيوعي الفذ.

 


 

free web counter