جاسم الولائي

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الخميس 1/11/ 2007



كم بدت السماء قريبة
للروائية بتول الخضيري

جاسم الولائي

نكهة العطر الأسود والفانيليا المرّة

في رواية بتول الخضيري (كم بدت السماء قريبة)، يحس القاريء بمتعة الكشف عن مواطن الجمال، إنْ في البيئات الثلاث التي دارت وتطورت فيها الأحداث والتفاصيل، أو في أبطال الرواية وعلاقة هؤلاء الأبطال بين بعضهم البعض، وبينهم وبين تلك البيئات. هذا التنوع في العلاقات والسلوكيات والأهداف، إضافة إلى ما تفرضة التقلبات والمفاجئات التاريخية من حروب وهجرة وحصار، جعلت الرواية مختبراً هائلاً ينتج ردود فعل نفسية، وتأقلماً قلقاً مع الأحداث اليومية الصغيرة والكبيرة، وإبداعاً في صنع آلية متجددة للتعامل مع الحياة، تتوافق أو تنهزم مع تسارع الأحداث والإنتقالات المفاجئة والمنطقية غير المتوقعة في ذات الوقت، أثرى هذا التنوع موهبة الكشف والتقاط الصيغ والحوارات، وأتاح إمكانية تتبع عرق المعدن النفيس وصولاً إلى المنجم الأصلي لجغرافيا البيئة والبشر العراقيين. فرواية بتول الخضيري هي مساحة شاسعة تضم ثلاث مراحل لحياة، وثلاث بيئات مختلفة يوحدها رد فعل أحداث خطيرة على الناس وأنشطتهم الحيوية اليومية، هي مراحل ما قبل الحرب الأولى، ثم سنوات الحربين ضد إيران والكويت، ثم الحصار. وتدور في ثلاث أماكن داخل وخارج البلاد، هي ضاحية الزعفرانية، ومدينة بغداد منطقة أبو قلام، ثم لندن. كلّ مرحلة تنتهي بفاجعة تلعب دوراً مهماً في حياة البطلة.
• موت صديقتها النحيلة "خدوجة" بمرض البلهارزيا، التي تنهي مرحلة طفولة البطلة.
• موت الأب بمضاعفات الجلطة القلبية.
• وأخيراً موت الأم البطيء بعد إصابتها بسرطان الثدي.
بعد هذه الأحداث المفزعة الثلاثة تبدأ مرحلة ضياع البطلة. كل هذة الأحداث تتحرك على مسافة زمنية تزيد على ثلاثين عاماً.
وفي الحقيقة فإن مراحل الرواية الثلاث، كان من الممكن أن تهيء لثلاث روايات متتابعة، تحمل كل واحدة منها إسم مدينتها أو حدثها أوشخصية المتوفي في نهايتها، تحت عناوين فرعية تأتي بعد عنوان الرواية الأساسي. لو تحركت على رقعة أشمل وعدد أكبر من الأحداث وتفاصيل الأحداث، وعلى مساحة أوسع من الشخصيات والأمكنة والعلاقات، بحركة أكثر هدوءاً وصياغات أكثر تركيزاً، وبتأمل أكثر هدوءً وصبراً.

1. الفترة الأولى :
ضاحية الزعفرانية. ما قبل الحرب الأولى. مرحلة الصديقة خدوجة.
أي فترة طفولة البطلة التي خضعت لشد وجذب بين أب شرقي ذي نزوع مهني صناعي، إستفاد من تعليمه في إحدى جامعات لندن، يعمل في مجال إنتاج وتطوير المطيبات الغذائية، وأم إنكليزية من أسرة أرستقراطية تخضع لأعراف وتقاليد خاصة. تحددت حياة البطلة في صيغة اتفاق شفاهي بين الأبوين، الدراسة في مدرسة الموسيقى والباليه وتعلم اللغة الأنكليزية ودروس خاصة على آلة البيانو مقابل حرية الإختلاط بعائلة صديقتها الصغيرة خدوجة "ناقلة الأمراض" كما تسميها الأم. وعائلة خدوجة تعيش في ثلاثة أكواخ طينية قريبة من منزل العائلة، تجمع الثمار وتشوي خبزها بعد إشعال روث الأبقار، هذه الأسرة تمنح البطلة الطفلة حرية ما وفسحة من السعادة بين تأفف الأم ورضا الأب، وتتيح لها عالماً أرحب من بيتها، وتدخلها في مغامرات بريئة وبسيطة إلى عالم مبهر وثري، وتشكل أيضاً حارساً للغتها العربية من سيطرة لغة الأم الإنكليزية التي تقتحم بمفرداتها اليومية اللغه الأصلية للبطلة. في حين لا يخلو بيت الأب من متع أخرى هي دروس الموسيقى وجلسات شاعرية اسبوعية مع الأب تستمر بضع ساعات تتدرب فيها على اكتساب الخبرة في المطيبات، ألوانها، روائحها وطعومها والبحث عن تسميات جديدة ومثيرة لها. تنتهي مرحلة الزعفرانية بموت الطفلة خدوجة المفاجيء، والإنتقال إلى مركز مدينة بغداد في طرفها الشرقي الرصافة.

2. الفترة الثانية :
رصافة بغداد. منطقة أبو قلام. اثناء الحرب. مرحلة الأب.
تبدأ مع بداية الحرب العراقية الإيرانية. تتحرك فصول الرواية في تصاعد درامي ناقلة عبث الحرب في حياة الناس، وتحويلها إلى كابوس مستمر. في أول كذبة مغناة توصف طبول الحرب بالعرس، ورائحة البارود بالهيل، لتقود بعد ذلك إلى مهرجان من الأحداث الدموية. تحولت الحياة إلى مشروع عسكري وشعار صغير من شعاراتها، حيث تطارد الحرب أبطال الرواية في البيت والشارع والمدرسة والجامعة. تقول البطلة :
"لم أعد أنام على السطح وأسمع هلاهل العصافير عند الفجر، كنا ننقطع عن دوام المدرسة بين فترة وأخرى لتعليمات تنفذها الإدارة، يتم إخلاء الساحات برنة من جرس خاص. لقد أصبحت الحياة المدنية حرباء خاكية تنتصب أذناها لصوت غارة جوية، تتجول بصمت في شوارع معتمة حتى تمنع تجوالها".
في مدرسة الموسيقى والباليه يشهد الطلبة نصب أسلحة لمقاومة الطائرات في الفناء المجاور للمدرسة. وبسبب الحرب يبدأ الطلبة والطالبات بالتسرب من المدرسة حاملين أوراقهم الرسمية إلى مدارس تقليدية أخرى، يقبل الطالب بعدها في الجامعات لكي يضمن التملص من المشاركة في الحرب سنوات أخرى. فمدرسة الموسيقى والباليه لم تعد ضرورة حضارية يمكن أن تخدم الحرب. فيما تحاول مدرّسة البالية التي قطعت دراستها في موسكو إنقاذ المدرسة في تدريب ما تبقى من طلابها، الذين لا يصل عددهم إلى عشرة. يقول أحد الطالبين المتبقيين جملة مروعة في حواره مع زميلاته :
- لن أفلح في حمل السلاح، الأجدر بهم أن يدَعوني أرقص للوطن.
مع دروس الباليه تسهب الروائية في حديثها عن تدريبات الرقص وقواعده وشروطه وتشرح أهمية الضوء، وفيزياء عضلات الجسد، تقطع استغراقها في الحديث عن آخر البيانات العسكرية، وبرامج موجهة تسهب في شرح الخلافات التاريخية على الحدود الدولية وحقيقة خط التالوك، حيث تسير الأحداث على سكتي قطار شريطاها الحرب والرقص.
كانت الرواية ستتحمل تفاصيل وقصصاً أهم عن تأثير الحرب على حياة الناس واستقبال الأمهات لأبنائهن أو ما تبقى منهم، القصص الشاذة لبعض الآباء والأبناء في حالة التعاطي مع الحرب وقبول أثمان الأبناء من الضحايا، وتفاصيل أخرى كثيرة أهم من محاضرات الرقص وخط التالوك.
أما حين تتخرج البطلة من مدرستها، فلا تجد سوى فرصة في إحدى الجامعات الأهلية لدراسة اللغه الإنكليزية. تصف الحياة في الجامعة بالقول :
"قلق الجبهة يلعب لعبة الكراسي مع الطلبة".
ومعادلة لعبة الكراسي معروفة، صراع محتدم للإحتفاظ بكراسٍ متناقصة، والحرب تبتلع الخاسرين.

تجنيد الفن
ضمن الفترة الثانية من الرواية، "مرحلة الأب ومنطقة أبو قلام البغدادية"، تصف الرواية عملية عسكرة الفن في حديثها عن "بحيرة البجع" التي تحولت إلى أوبرا "عروس مندلي"، ثم في وصفها لمعرض صديقها النحات الذي حطم في لحظة يأس كل أعماله الفنية ليترك بغداد إلى مسقط رأسه في الشمال. ضمن لوحاته تقول إنها شاهدت :
"أفعى تستدير على ذنبها لتأكله".
"خفافيش تلتصق بوجوه بشرية".
"جنيناً يرتبط بحبل سري يرتفع ليتصل بخوذة عسكرية بدل المشيمة".
"طفلاً ينام في مهد على هيئة خوذة".
"أماً ترضع وليدها من خوذتين حديديتين على صدرها بدل ثديين طريين".
في وقت صدرت قوانين وأوامر رسمية تمنع الأطباء والصيدليات من بيع وسائل منع الحمل، وتشجع على الإنجاب. إذن فقد أممت الحرب أرحام العراقيات وصادرت الأجنة فيها.
في جانب آخر من الرواية تلمس بتول الخضيري مدى التشوه الروحي والنفسي الذي سببته الحرب في حوار يدور بين البطلة وصديقها الفنان :
- أتقصد أننا سننسى الحرب بعد انتهائها؟ أم عندما تنتهي نكون قد نسينا كل شيء عن أنفسنا؟!
- كيف سنتذكر ما كنا عليه؟ كيف نستعيد زمناً من ماض ابتلعته الحروب؟
أسئلة وأسئلة إجاباتها مرهونة بنهاية الحرب، وأكثر ما تخلفه الحروب التي يطول أمدها - بغض النظر عن انتصاراتها وهزائمها النسبية، وعن قيمة هذه الهزائم والإنتصارات- هو جيش هائل من البشر بحاجة إلى تأهيل للحياة. أبسط عناصر هذا التأهيل، النوم دون قلق وكذلك اسلوب السير في الشارع والتعامل مع المدينة وتفاصيل صغيرة أخرى عديدة.
تتجلى هذه الحقيقة فيما انتهى إليه بطلا فترة الحرب، الفتاة وفنانها. حيث استثمرت الحرب إمكانات الفنان لتستخدمها في نحت المناضد الرملية العسكرية الصماء، وفي صنع خرائط مصغرة ناتئة لمواقع على الجبهة دون أن يعرف أين تقع، حيث ترسم عليها عليها النقاط فيما بعد. ثم تحول الفنان بعد ذلك إلى ناقل لجثث قتلى الحرب.
تنتهي هذه المرحلة في الرواية بموت الأب المفاجيء، وبداية إصابة الأم بسرطان الثدي، وعملية التحضير للسفر إلى لندن، واختفاء الفنان وضياع أثر زميلي مدرسة الموسيقى والباليه فاروق وأحمد.

3. الفترة الثالثة :
لندن. مرض الأم ومرحلة الحصار.
تدخل الأم معهداً لمعالجة حالات الإصابة بالسرطان، تخضع لعلاج كيمياوي طويل ومعذِّب. تتحرك أحداث الرواية على سكتي مرض الأم وانهيار جسدها والتهام المرض خلايا ذلك الجسد والإنتشار في أعضائه، وتحرك سرطان الحصار في جسد بلد البطلة تاركاً سمومه وآثاره.
تنقل الرواية تفاصيل تطور مرض الأم كشاهد عيان يتابع عن كثب حالتها، أما تفاصيل الحصار فتنقلها عبر رسائل مهربة إلى الأردن تصلها من مدّرسة الباليه في عملية وصف آخاذة ودقيقة برعت فيها بتول الخضيري، تركت غيوم كآبة ثقيلة. إضافة إلى ذلك فهي تصف حياة بطلتها في لندن بحياة السحالي المتسكعة، وتصف ضياعها في علاقة غريبة مع متسكع نصف فرنسي تنتهي بعملية إجهاض سريعة.
المأخذ على الرواية، أنها قدمت تفاصيل مسهبة ودقيقة خاصة بحالة الأم الإنكليزية المصابة بالسرطان منذ بدء انتشاره في ثدييها حتى وصوله إلى الكبد. لكنها اكتفت برسائل مدرّ ستها عن آثار الحصار على بلادها، ولم تلتفت إلى شاشات التلفزيون التي نقلت الكثير من التفاصيل والصور المهمة عن حياة الناس وقصص اليأس والإنتحار والهجرة والغرق في بحار العالم في سفن متقاعدة. كذلك لم تلتفت إلى مفصل حدثي مهم وهو ما جرى بعد الإنسحاب من الكويت والإنتفاضة في ربيع 1991.

مواطن الجمال وعلاقة البطلة بالأب
تتتابع حياة البطلة وتنمو في علاقتها بوالدها. الروائية تكتب بإسلوب المخاطب في الجزء السردي من النص. يتوجه الخطاب إلى الأب وكأنها تذكره بتفاصيل حياته وعلاقته الأسرية وبعمله وشؤونه الخاصة. تستخدم الفعل الماضي المنتهي بتاء المخاطب المذكر المنصوبة "قلتَ، ذهبتَ، أكلتَ، عانقتَ". هذه العلاقة بين بنت وأبيها تبدو عادية، لكنها تصبح شبه نادرة حين يلازمها شبه جفاء تجاه الأم، أو حين يكون الخيار الأول والأساس هو الأب. هذه العلاقة تقود القاريء إلى تتبع الحدث واقتناص لحظة لقاء البطلة بأبيها. ليكتشف البؤر الجمالية في حواراتهما، خصوصاً اللقاء الإسبوعي. حيث ينفردان في جلسات اختبار المطيبات لوناً ومذاقاً، وتدور حوارات ساحرة يمكن القول إنها حوارات تبهر المتلقي وتملؤه بالصور الأخاذة. حوارات غنية بالخيال الواسع، شاعرية كأنها السحر.
يبدأ السحر بالإختيار الأولي لأسماء غير مألوفة لمادة المطيب. يستغرق الإسم الناجح من خمس إلى عشر دقائق، فيما تستغرق عملية التفكير والنقاش والمثاربة في اختيار اسم نهائي من مجموعة الأسماء المدونة نصف ساعة.
بين سلسلة الأسماء المقترحة تفوح عذوبة خاصة، ألوان وعطور وبيئات وبرارٍ وبحار ومخلوقات ورذاذات ساحرة مبهرة :
"رقائق الصدف، مهرجان بارد، زرقة دلافين، الثلج الجاف، ضباب من فضة، عسل مذهب، فورة شلال… إلى آخره من مياه وأكوان وحصى تعيش في تلك الحوارات العذبة". هذه الحوارات الأبوية تدفع الرواية إلى عوالم جديدة على أي قاريء وإلى خيال مفتوح :
- بابا ما رأيك؟
قلتَ بابتسامة :
- عنجاصة تركية.
قلتُ :
- لا.. توت متوحش.
أضفتَ :
- أحسنتِ .. لكنه أشبه بعنب عجيب.
قلتُ :
- لا .. هذا اسم عادي، ماذا تقول لمسحوق الفيروز؟
قلتَ :
- ممتاز .. وحمرة المغيب؟

كم بدت السماء قريبة.
رواية الماضي الملون، والحاضر الرمادي المحترق، مع إشارة واهية إلى المستقبل، أو لا إشارة.
 


 

Counters