|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  9 / 8 / 2017                                       جواد كاظم غلوم                         كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الترويكا العراقية وخيولُنا الواهنة

جواد كاظم غلوم
(موقع الناس)

دعوني أعزاءنا القرّاء استعر مفردة الترويكا الروسية لأجرجرها الى واقعنا العراقي ولو لفظيا مادامت تأبى السير في طرقاتنا الوعرة جدا ، هذه العربة المسماة بالترويكا والتي تسحبها ثلاثة خيول منتقاة في قوّتها وتحمّلها المسافات الطويلة كانت واسطة النقل الأسرع في روسيا القيصرية وتتجاوز سرعتها الخمسين كيلومترا في الساعة وقد اعتمدت وقتذاك في نقل السكان من النبلاء وعلية القوم وكذا البريد السريع بين المدن المتباعدة آلاف الكيلومترات بما في ذلك المراسلات الحكومية الهامة والسرية وظلت واسطة النقل المفضلة حتى بعد مدّ خطوط السكك الحديدية ووصولها الى سيبيريا

منذ ان اختار السائس الاميركي ثلاثة خيول واهنة خائرة القوى وهي الشيعية والسنية والكردية لتجرّ ترويكا العراق المتهالكة من عثرات الدكتاتورية ومطبات الحكم الأحادي والحزب الحاكم الذي كمد على صدورنا طوال خمسة وثلاثين عاما ونيف ، كلها قمع وسجون وحروب ، سخرنا كثيرا من هذا الثلاثي غير المرح مع ان همومنا كانت أكثر ثقلا من الجبال لأننا نعلم علم اليقين بان الجياد الاثنية والقومية رخوة الزمام امام جموح شعب متعطش هائج للحرية انعتق توا غير مصدق انه خرج من زنزانة مغلقة بإحكام طوال تلك العقود الثلاثة والنصف

مثل هذا الاختيار المريب من لدن الكاوبوي الاميركي على قيادة العراق أشعرَنا بأننا أمام بلد سيتآكل حتما وتنهك قواه تدريجيا حتى يصل الى ما يسمى بالدولة الهزيلة بحيث يكون كل حصان مستقلا بإسطبله وحده يتسيد فيه وحده تاركين عربة العراق قابعة تنتظر من يحرّكها ؛ ومن اين لنا تحريكها اذا كانت جياد النجيفي وعائلته مثلا ؛ استحوذ عليها الدواعش وأقامت مهرجانها ومسيرتها محتفلة في شوارع ام الربيعين بانتصارها ودخولها فاتحةً ثاني اكبر مدن العراق امام برابرة الالفية الثالثة فكان حريّا بنا ان نطلق عليها ام الخريفين لولا همة المقاتلين العراقيين واستعادة الموصل وتحريرها من الدنس الداعشي

وفي جلسات الندب والبكاء الشيعية التي تقام في عاشوراء وها هي امتدت الى شهور اخرى كان جاري وصديقي البكّاء المؤمن جدا يحضر التعازي والمراثي الحسينية ليذرف الدموع فور ان يسمع الخطيب او " الروزخون " كما نسميه هنا في العراق وتهطل دموعه نحيبا يصاحبه العويل وقد سألني مرة عن هذا المكنّى ذي الجناح المسمّى " ميمون " ودوره في معركة الطفّ فقلت له ان هذا الحيوان هو حصان الإمام الحسين وقد اضفى عليه كتّاب السيرة الحسينية الكثير من الصفات الفاضلة وأشبعوه إحسانا وإكراما .... غير ان صاحبي الصديق هبّ في وجهي غاضبا منفعلا وفي غمرة انفعاله وقال لي انه كم بكى عليه مرارا في مجالس التعزية ظنا منه انه احد شهداء معركة الطفّ ومن الرجال الخُلّص الذين رافقوا الامام الحسين المظلوم في كربلاء وحالما قلت له حقائق هذا " الميمون " اخذ يندب حظه العاثر وبلادته البائنة ويعاتب نفسه قائلا : مااشدّ سذاجتي فكل هذا البكاء الذي سفحته كان من اجل حصان !!!

هدّأته فقلت له مواسيا لاتحزن فالخيل معقود بنواصيها الخير وهل نسيت أنها كانت تنال من الرعاية والاهتمام ما يفوق كثيرا متطلبات وحاجات المواطن العراقيّ الاساسية ، ألم يكن صدام حسين يفضّلها على شعبه ويهيئ لها خيرة الاطباء البيطريين ولها أجمل مكان تمرح فيه في إسطبلات حديقة الزوراء الغنّاء الخضراء وسط بغداد وكان يجلب لها الأعلاف المتميزة المخلوطة بالتفاح وخيرة الفواكه والجزَر يوم كان الحصار ينهش اللحم والعظم والشحم من اجساد العراقيين حتى ان العمال العاملين في تلك الإسطبلات يحسدون هذه الخيول على نعيمها اذ كانت الفاكهة وأطايب ماتتناوله الخيول شبه مفقودة في اسواق العراق ـ والويل الويل لمن يأكل ثمرة من ثمارها أو قضم شيئا من تفاحها اذ كان حرس الإسطبلات يتشممون أفواه العاملين عند خروجهم الى بيوتهم بعد انتهاء الدوام للتأكدّ من انهم لم يقربوا طعام تلك الخيول المدلّلة غير انها بعد الغزو الاميركي وسقوط الطغيان لم تسلم من امتهان كرامتها وإذلال أصالتها بعد ان سلبها السارقون من إسطبلاتها وأخذوا يستخدمونها في جرّ عربات النفايات وقناني الغاز والنفط والحطّ من قيمتها ورِفعتها وأصالتها

يا للعراق المنكوب من أهله ومن قادته ومن خارج حدوده ، حصونه وأحصنته هدّها الانهاك والتعب والاستلاب وها هي في أسوأ حال وهيكله المنخور أصلاً تنوشه السهام من كل جانب ولا يدري أيهّا يتّقي حتى غدا طروادة العصر الحديث وضحية المكر والخداع الاميركي ؛ فاذا كان الحصار الاغريقي لطروادة قد دام قرابة عشر سنوات ولم تركع فما على العدو سوى ابتداع حيلة السلام الظاهر ( ملمس الافعى الناعمة الجلد ، الجميلة القشرة ) لكن الجوف والباطن الخفي ، ما اكثر سمومه وما اشدها قتلا وهي تماما نفس الخديعة التي مرّرها العم سام وزبانيته ، بشّرونا بالتحرير والانعتاق من حقبة الدكتاتورية فهزجنا رقصا وهللنا فرحا وابتهاجا اول الامر ، لكن الصدمة التي تلت الغزو ما أكثر مرارتها ، ففي جوف حصانها الخشبي طلعت علينا مخلوقات عجيبة غريبة في سلوكها ؛ خليط من الطائفيين والموتورين والمنتفعين والثأريين والكارهين وفاغري الافواه من حيتان النهم والسلب والاستحواذ ممن لايشبعون لو ملكوا الارض كلها رفعوا أبصارهم الى السماء طامعين بها مرخصين لانفسهم انهم يد الله وظلّه في الارض ووكلاؤه وأوصياؤه وبقيّـته ، يلهجون بالسلام زيفا وخديعة ، وبطانتهم الحروب وخفاياهم ان يداس على تراب العراق بنعالهم ويملؤونه نجساً ودما واحترابا من خلال مليشياتهم التي جاءت وراءهم ، هؤلاء البطانة من ( انوركسيا الهزال الوطني) المصابين بفوضوية الانتماء لاتربطهم بالعراق سوى الطفولة الهشّة وجلّهم من مزدوجي الجنسيات ولم يترعرع حبّ المنبت والمحتد في سرائرهم بشكل عميق ؛ ومهوى قلوبهم أوطانُهم الثانية التي نضجوا وتربّوا فيها واكتسبوا سمات وصفات لاتمتّ الى بلادهم الاولى ، والحبل السرّي العراقيّ قد انقطع عن بطونهم منذ ان رحلوا عنه ، هكذا مكرت اميركا ببلادنا تماما مثلما مكر الاغريق بطروادة فأطلقوا المحاربين من جوف الحصان بذريعة السلام والإنقاذ فاذا بدعوة السلام تنقلب حربا شعواء ودماء نازفة وإبادة لشعب منهك من ويلات الدكتاتورية ليقع في ويلات الحروب الداخلية والنزاعات وبثّ الكراهية باوسع نطاق ، وغزاة غريبو الاطوار يأتون زرافات ووحدانا تحتل بقاعا واسعة وميلشيات مؤسسة من هذا الطرف او ذاك من جنسيات داخلية وخارجية فاشتبك الحابل بالنابل والعالي بالسافل والسمين بالناحل وصارت أجزاء بلادنا مستعمرات عثمانية وساسانية وأجندات ومجنّدون داعشيون ومتأفغنون وعربان تأسلفوا وتلثّموا ، صرنا سوقا للرقيق والسبيّ والنخاسة ومشاجب لاسلحة لا ندري من ايّ منشأ وكيف وصلت الينا واجندات متعددة يأتي بها الأعراب والأغراب كلها هجينة علينا حتى اضحت بلادنا أرخبيل النزاعات المذهبية ورياحه العاتية تأتينا من كل حدب وصوب من اقصى الغرب الاميركي ومن القارة العجوز حتى تصل الشرق العثماني والفارسي وكلها تصبّ بردها وسمومها وغبارها وصقيعها وكأننا مكبٌ التيارات السياسية بأنواعها وانحنت رقابنا وأُرغمنا على القبول على الإرادات المفروضة علينا من الخارج فكانت النتائج دولة هزيلة تتآكل وتذوي يوما بعد اخر حتى تنهك تماما بحيث تفتقد الى النفوذ واستقلالية القرار نهائيا

هل يوجد اكثر من هذا التشويه والمسخ والقباحة والاهانة لبلدٍ أنشأ منذ اول ظهوره نمطا حضاريا متفرداً للرقيّ ؟؟
هل يصحّ ان تكون كلّ هذه الفوضى والعبثية والاستهتار بالإنسان لوطنٍ رسخ القانون في أول مسلّة ؟؟
حتى متى يتم تغليب القدرات العسكرية وتغييب القدرات العقلية البنّاءة كي نبني إنسانا ونظاما ومدنيةً ووطنا ناهضا ؟

لا شئ عندي سوى ان اكتب وقد خارت قوانا ونهكنا حقاً ، فما عليّ الاّ أن أذعن لما قال محمود درويش في قصيدته المؤثرة المليئة تفاؤلا : " لماذا تركتَ الحصانَ وحيدا " ؟
" وفي الصحراء قال الغيبُ لي : اكتبْ
فقلتُ : على السرابِ كتابةٌ أخرى
فقال : اكتبْ ليخضرَّ السرابْ
فقلتُ : ينقصني الغياب
وقلت : لم اتعلّمِ الكلماتِ بعد
فقال لي : اكتبْ لتعرفَها
لتعرفَ أين كنتَ وأين أنت
وكيف جئتَ ومن تكون غدا
ضع اسمكَ في يدي واكتبْ
لتعرف من أنا واذهبْ غماما في المدى
فكتبتُ : " من يكتبْ يرثْ ارض الكلام
ويملك المعنى "


الخلود والمجد لك يا درويش لكننا متى نملك ( المبنى ) الذي نريد ترتيبه وتنسيقه وتعميره بأيدينا ؟؟ !

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter