| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 2 / 2026 جمعة عبدالله كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
مدخل في رؤية معنى الكلام
في الديوان الشعري (سباعيات) للشاعر جمال مصطفىجمعة عبدالله
(موقع الناس)
يتميز في طريقته الشعرية في الابتكار , الشكل الشعري المختلف في اسلوب عرضه في صياغته الحديثة , في براعة الابتكار الخلاق والمبدع , لكي يكون نهج أو شكل شعري خاص به , في التناول والطرح , وفي الأسلوب التكوين والبناء الهندسي في البنية الشعرية ذاتها , ومنها السباعيات , التي تتميز بالتكثيف والتركيز في عرض كمال الصورة الشعرية , في التعبير والرؤية والخيال والفكرة الدالة , لتكون محملة في المعنى والمغزى والرمز, ليجعل القارئ في حالة الشد في العبارة الشعرية , بما يملك من معرفة وثقافة واسعة في مجال الأدب والشعر بحوره واوزانه , ان تتوهج في جمالية اللغة والبلاغة , يترنم بها في موسيقى الشعر , في التناغم والترنم في الإيقاع الموسيقي الشفاف في انسيابية كجريان مياه الانهار الهادئة , ان تكون باذخة بالصور والمعنى والايحاء , لذلك اعتقد انه سكب كل قريحته وخبرته في هذه التجربة الـ (سباعيات) لذلك جاءت مكتنزة بالشعور المرهف والمعنى العميق في جدلية المفاهيم الموروثة في كل مسمياتها في , الحضارة والتاريخ والدين والتراث الشعبي , اي ما يخص مفردات الوجود , الإنسان والطبيعة , يضعها في مجهر التساؤل والسؤال , لكي يلهب احساس القارئ بالتفكير والتأمل , على ضفاف استغلال وتوظيف العقل والمنطق ان يشحن قريحته , لذا جاءت سباعياته محملة بـ التأويلات المتنوعة من شمالها الى يمينها , في (سباعيات) هي بمثابة بانوراما الكلام والمنطق , هي اشبه بالالواح التراثية أو الدينية أو الحضارية , لكنها لا ترتقي الى شكل تعاطي الملحمة , لان كل لوح أو لوحة سباعية مختصة بحدث او فهم أو ادراك معين , يقصده من هذه الـ (سباعيات / عددها 113) صيغت بتأني وروية في جدلية الكلام والمنطق والشعور .
كأنه يجادل أو يحاور المقابل , حتى لا يغرقه في التهويمات , سواء من الحقائق أو من الخيال , الدخول في هذه الـ (سباعيات) رغم شفافية لغتها وإيقاعها الموسيقي , لكنها تتطلب التوغل والتمعن في المعنى في العبارة الشعرية , التي جاءت بصيغة الابتكار في الشكل والمعنى , نتلمس بوضوح بأن هناك صراع قائم , كأنه أزلي بين بين قوى الخير وقوى الشر , بين العقل المتحرر ونقيضه العقل المنغلق , بين الشك واليقين , هذا التنابز الحاد , هو منْ يملك ناصية سراج ضوء الكلام ولسانه , أوعكسه , كالفرق بين الماء والنار , الاول يروي الظمأن , والثاني يحرق كل شيء , ولا يترك سوى الرماد , من هذه الجدلية تأتي هذه الـ (سباعيات) .
والجدير بالذكر , ان بطل هذه السباعيات هو الشاعر نفسه , وتأكيداً على ذلك بعض السباعيات تخص سيرته الحياتية الطفولة والصبا , وكذلك مرحلة متقدمة من العمر , كأب يرسل رسالة الى ابنه في سباعية , أو يخاطب ذات الجمعية بصفة العطار , ويقصد عطار الكلام والقافية , يصب نبضات شعوره , أو صراعه في الادراك والفهم , وعشقه الملتهب بقافية الشعر الحديث .
× الدخول في مفاتيح السباعيات , في الرؤية والفكرة والخيال ومنطق الكلام ونقيضه :
فكرة الجدل والصراع القائم , بين قوة الفكرة وقوة العبارة وانظلقها الحر ونقيضها , العبارة الشعرية في هذه السباعيات , تحلق وتخترق كل الحواجز, في انفتاح ذهنية العقل والمنطق , بالضد من انغلاق العقل وظلامه بالكوابيس في حبر القلم , أي لديه نوعين من الاقلام , قلم يجاري الحقيقة والمنطق ويكتب بريش الطواويس , وقلم نقيض هذه الاشياء الجميلة , هي مجادلة بين قوة الحكمة والمنطق , وبين ننقيضهما , ويستشهد في هذه المقارنة , بشخصية (ادريس) وبين شخصية الابالسة التي يلبس قناعها البعض , الاول اي قلم بريش الطواويس , يحمل طمغة المعرفة بكل جوانبها والاخر يحرفها عن جادة الصواب , شخصية ادريس , نبي الحكمة والمعرفة في افقها الواسع , موجودة في الحضارات القديمة : العراقية والمصرية والاغريقية , نفس الشخصية لكن باسماء مختلفة .
إدريسُ أودَعها سجْنَ القراطيس ِ
وقبْلَهُ حُرّة ً بيْنَ الأباليس ِ
شمْطاءُ لكنَّها بكْرٌ وطلْسمُها
ساقٍ يُمالِىءُ أكوابَ الكوابيس ِ
مخطوطة ٌ، حِبْرُها السريُّ يفضحُها
كأنَّ أقلامَها ريشُ الطواويس ِ
ليلاً تَجيءُ إذا شاءتْ وهودَجُها
كي تَنْطلي وانطلَتْ يا حاديَ العِيسِ
وهكذا دَيْدَنُ الناعورِ أمْسِ غداً
إذ يَجْمعُ النيرُ أعناقَ الجواميسِ / .... سباعية رقم 3
× جدلية الله , أو بالاحرى جدلية الخالق والمخلوق , وكيف ينظر احدهما للاخر , في الفهم والادراك , وعمق التفكير بمخلوقات الله , وحال الكون والوجود , منْ يرى ان الله عنوان كل الجمال , وعنوان الالباب للعقول المستنيرة, والتي تفهم الحق , وليس للعقول المغلقة صعبة المراس , لا تفهم سوى القشور , لا تنفع بل تضر الناس والوجود , والاخر يرى عرشه ضباب , لذا فأن الخالق هو ماء لكل ماء في حضوره وغيابه , ان بابه مفتوحة لكل سؤال لا ينتهي , وكل جواب لا ينتهي , فهو الفاعل والمفعول .
الله ُ : لبلاب كُل توقِ
معرش, عرشهُ اللبابُ
اللهُ : يا ماء كلِ ماءٍ
اللهُ : لمْ يخدعُ السرابُ
اللهُ : في سرهِ وحضورٌ
اللهُ : في جهرهِ غيابُ
الله ُ : يا فاعلاً مفعولاً
ومطلقاً , قلبهُ ضبابُ
اللهُ : يا شعرَ كل نثرٍ
تألهَ السافلُ الترابُ
اللهُ مفتاح كل بابٍ
الله ما أدى اليهِ بابُ
اللهُ : لا ينتهي السؤالُ
اللهُ : لا ينتهي السؤالٌ / .... سباعية رقم 8
× الساعة الرملية , لها وقت محدد في حساب الوقت وينتهي بالعكس تبدأ في عد الوقت من جديد , لكن حساب وقتها يكون عسيراً في الليالي حينما تشتد هواجس القلق , وتبدأ عد الساعات بدون عقارب , كأنها تبدو اطول من وقتها , لذا تشتد الظنون حين يكون الرمل فوقها , او يكون الرمل تحتها , كأنها في جمهورية السعالي تتبدل وتتلون . يصاحبها الخيبة والعقدة النفسية , في هذا الساحر (الساعة الرملية) ينقلب من الشيء الى ضده .
فـي ساعتـي الرملِـيّـةِ، الليالـــي
تَـنْهـالُ والـرُبْـعُ الـمَـليءُ خالـي
هـنـا عَـزيـفُ الـجِـنِّ : قـالَ إنْـسٌ
والـرمْـلُ جـمْـهـوريّــةُ الـسَـعالي
كَمْ ضَـبَّـــةٍ في ساعـتي وَضَـبٍّ
ومـوجـةُ الـكـثـيـبِ فـي انهـيـالِ / .... سباعية رقم 42
× جدلية العمر بين التعقل والجنون . بين النار وزهرة الزيزفون , بين الجماح الهائج وعاشق الفنون , بين الصحراء واللواحة , بين الاقتراض والتسديد قافية الديون , بين التسرع والصبر الملهف , هذه سحابة العمر وغيومه , لكن يبقى جسراً لا يصدأ , ويحذر من عبوره .
أعــوذُ مِـن الـتَـعَــقّـلِ بـالـجـنـونِ
فـيـا نـاري ارتَـعـي فـي زَيْـزفـونـي
*
ويـا قـطـعـانَ ثـيـراني أَغِــيــري
عـلى كُـوخـي الـمُـعَـشَّـقِ بالـفـنـونِ
*
ويـا صحـرائِـيَ الـكُـبـرى اسـتَـبِـدّي
بـواحـاتي ولا تَــذَري غـصـونِـي
*
أنـا لَـمْ اقـتَـرِضْ لـكـنْ حـريـصٌ
عـلى الـتَـسـديـدِ قـافـيـتـي دُيـونِي
*
وعـنـدي أنّـني مِـن زنْـزَلَــخْــتٍ
ولِي صَـبْـرٌ عـلى وَعْـلِي الحَـرُونِ
*
ولِـي مَـلْــويَّــةٌ أَنْـدَسُّ فـيـهـا
أنـا بَـزّاقُـهــا ، إلّا قــرونـي
*
أنـا جِـسْـرٌ ـ تَـصَـدّأَ ـ مِـن حـديـدٍ
يَـئِـنُّ مُـحَـذِّراً: لا تَـعْــبـرونـي / .... سباعية رقم 67
× ابو نؤاس : شخصية جدلية يتقاسمها , الكأس والغلمان والعبادة , هذه جنته العسلية , بين الحسناء والكأس حتى أذان الفجر , يسهو عن صلاته وجناته , ويطير بنار قافيته في انغماسه ,
تَـوضَّـأَ بـالـمُـدامِ أبـو نُـواسِ
ونِـيّـتُـهُ: الـصـلاةُ بُـعَــيْــدَ كـاسِ
سـأقـرَبُـهـا يَـقـولُ قُـبَـيْـلَ سُـكْــرٍ
فَـلَـمّـا زلْـتُ صـاحـيـةً حَـواسـي
نـصـومُ نَـهـارَنـا عـن كُـلِّ لَـحْـمٍ
وبـالـصـهــبـاءِ نُـفْـطِــرُ فـي الأمـاسـي
ومَـزّاءٍ مِـن الـزيـتـونِ حَـسْـبـي،
وصـاحـبـتي مِـن الـتـيـنِ الـخُـلاسـي
*
بِـنـا سَـهَــرٌ يـطـولُ يـطـولُ حـتّـى
أَذانِ الـفـجْـرِ يـا غَـبَـشَ الـنُـعــاسِ
جـنـانُ: مـلـيـكـةُ الـعَـسَـلِ الـمُـقَــفّـى
غَــفَــتْ سَـكْـرى عـلـى الـبـيـتِ الـسُـداسـي
سَـهَــوتُ عـن الـصَـلاةِ وعـن جـنـانـي
وطـالَ بـنـارِ قـافـيـتـي انـغــمـاسـي / .... سباعية رقم 92