|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  2  / 9 / 2026                                 إبراهيم معروف                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

عرض كتاب رحلة العمر للراحل عادل حبه
العمق الاخلاقي والقيمي والثقافي في تجربة السجون للمناضل الراحل عادل حبه

عرض وتقييم : أبراهيم معروف
(موقع الناس)

مدهش كيف تتذكر ملامح ذلك الوجه البشوش المنطوي على جدية وتصميم عندما تفتح موضوعاً يومياً يتطلب الرأي والموقف.

تمايزٌ ، يأخذك بعيداً فتتذكره بوجه البشوش وأنت تقرأ رحلة عمره التي أخذت منها السجون أعواماً هي الأجمل من تلك الرحلة القاسية التي اختارت من عمره سنوات الشباب، لم تدعه ظروف السياسة يمارس عمله واختصاصه وهو في عز عمره الابداعي والانتاجي ، بل جنحت به سفينة الحياة نحو شواطئ تميزت بجرف قاس وعوائق مرهقة.

كان عمره خمسة وعشرين عاماً حينما كلفه الحزب هو ورفيقين آخرين أن يستعد للرحيل الى محطة حزبية في بلاد ليست بلاده للمساعدة في بناء واحتضان شتات الرفاق الذين عصفت بها كارثة 8 شباط عام 1963 فسجنت وعذبت واعدمت المئات من ابناء حزبه وشعبه.

وكان عليه، أن يضع كل خبرته في تلك المحطة الحزبية في بلد مجاور حيث يلجأ الناجون من المجازر أوأولك الذين أطلق سراحهم بعد أن أضحوا أشلاءً ممزقة للبحث عن علاج أو فترة نقاهة لمعاودة نشاطهم ولو بعد حين.

حين وطأت أقدامه أرض إيران الشاسعة وجدها ضيقة ،عندما بحث عن بيت آمن يستطيع من خلاله التنسيق مع رفاق سبقوه الى تلك البقعة للملمة الرفاق المهاجرين وتجميع خيوط التنظيمات التي بطش بها الجزار شباط 1963 وتوجيه الرفاق الذين قرروا معاودة البناء في وطنهم وإعادة وصلهم مع من تبقى في الوطن المدمى وبين من اختار شتات المنافي .

كان عليه وهو الشاب العشريني أن يتحلى بحكمة الشيوخ وبراعة التخفي والعمل السرّي الذي تدرب عليه منذ عمر السادسة عشرة حيث انتظم في العمل الطلابي وبعدها حصوله على عضوية الحزب الشيوعي العراقي في سنة السابعة عشرة رغم ماينص عليه النظام الداخلي على ضرورة بلوغ الثامنة عشرة للحصول على العضوية.

وسرعان ما تسلّم مسؤولية اتحاد الطلبة في كلية العلوم ومن ثم التنظيم الحزبي في ثانويات وكليات بغداد حتى تخرجه في العام الدراسي 1959-1960.

بهذه التجربة المبكرة والعمر الشبابي ، قدِّر لهذا الشاب أن يتصدى لمهمة كبيرة وفي بلد لايحسن التحدث بلغته حينها ما أدى الى أن يقع في فخ لجهاز(الساواك) – وهو جهاز الأمن الايراني سيء الصيت، في بيت حزبي في حي فقير كان يسكنه اثنان من رفاق الاتصال بين محطة ايران والعراق للحزب الشيوعي العراقي.

ومنذ ذلك الحين ، حين وطأت أقدامه ذلك السجن وجد نفسه أمام المحقق الايراني من جهاز الساواك لتبدأ تلك الرحلة الكفاحية في سجون ايران في عهد الشاه وليجد نفسه أمام وضع كمن يكون متهماً بقضايا ملفقة وأخرى يطلب منه أن يصرح بها عن مهمة وجوده في إيران ، وبين أن يصمد كشيوعي يمثل حزبه وقيمه وأمام عينيه يشمخ سلام عادل بصمود اسطوري ووراءه رفيق حكيم كان صلته ومن كلّفه بتلك المهمة هو الراحل ثابت حبيب العاني ، وستشكل هاتين الشخصيتين احدهما بصموده الاسطوري بوجه جلادي شباط والآخر باخلاقه ورصانته التي عرف بها من كل من عمل معه مقومات مثله العليا ولتبلور شخصية تكمل مابدأه اولئك.

في السجن تبدأ تلك الرحلة وهو ينضم الى قائمة ملفتة من قادة احزاب ماركسية بينها قادة حزب توده العريق وتجمعات اخرى انشقت عنه بعضها عسكري وبعضها مجموعات آمنت بالكفاح المسلح وقادة لاحزاب قومية كردية وعربية احوازية وأذرية وشخصيات مميزة في مسيرة الحركات الوطنية الإيرانية علمانية واسلامية. وكان عليه أن يكون واجهة حزبه وشعبه وجيله بين مناضلين أغلبهم يكبره عمراً وتجربة. ليتحول ذلك الجمع الى كتلة فكرية ونضالية كل من زاوية معتقده وليتحول السجن مسرحاً للثبات الوطني والمبدأي للقيم والافكار التي اعتنقوها.

ومنذ ذلك الحين ، وحتى خروجه من السجن بعد انقضاء محكوميته لسبع سنوات وترحيله عبر نقطة المنذرية الحدودية لسلطات بلده ليبدأ مسيرة اعتقال وسجون اخرى تكررت لمرات عديدة في أعوام السبعينات حتى في وقت كان فيها حزبه طرفاً في الجبهة الوطنية التي يشكل طرفها الآخر حزب البعث الذي عاد مجدداَ بعد كارثة شباط ، وكأنه يقول له ، " لم نقم بواجب! ضيافتك في 1963 وعلينا القيام بذلك الآن!" رغم كونه ممثلاً لحزبه في تلك الجبهة .

هذه السيرة الصامتة من طرفه وهوالكتوم ،والصاخبة في سيرته التي تفرض فعلها كما تعكسه انطباعات مرافقيه من القيادات السياسية التي رافقته في السجن ، تجدها بين دفتي كتابه رحلة العمر والتي هي مذكراته التي جمعتها أسرته وراجعها اصدقاؤه وطبعت على نفقة دار المدى كما وعده رفيقه فخري كريم عندما زاره وهو على فراش المرض بعد أن شجعه على كتابتها. وخرج بحلته التي يزينها تخطيط رائع لشخصية الكاتب، ويقع الكتاب في 383 صفحة الذي صدر قبل شهر من هذا العام 2026، كما تضم عدداً كبيراً من الصور والتخطيطات التي تشكل بمجموعها روايات مساعدة للنص وللسيرة .

وسأتحدث في عرضي لهذا الكتاب ،عن خصلتين مهمتين في شخصية الراحل عادل حبه كما عكسها مذكراته وسيرة حياته في الكتاب مشفوعة ببعض الاستنتاجات الشخصية التي تؤكد وتعزز تلك الخصلتين، هاتان الصفتان تشكلان برأيي مناراً هادياً لجيل جديد من المناضلين وكذلك لمن احتلوا مراكز قيادية في الحزب، لأنه عبر من خلالهما عن مهمة الشيوعي كسياسي واخلاقياته كأنسان ، حتى وإن كان ميدان نضاله مساحة ضئيلة بين جدران السجون.

الميزة الأولى : العمق الاجتماعي لسلوك الراحل عادل حبه المقرون بالموقف السياسي للمناضل الشيوعي ونتائج ذلك السلوك وتأثيره على كسب ليس فقط المعتقلين من المناضلين متعددي المشارب (علمانية واسلامية وقومية..) بل حتى موقف أحد مدراء  السجون والذي مثله مدير سجنه الاخير (في مدينة يزد) قبل شهور من اطلاق سراحه والذي أجبره سلوك السجين المميز إلى أن يعامله معاملة خاصة تتجاوز دوره كسجان بل أنه دعاه لعشاء وسهرة خارج السجن!.

والميزة الثانية : هي كمية المعلومات الثقافية والفنية والادبية والتاريخية واللغوية التي تعلمها وهو في السجن وشاء أن ينورنا ويشاركنا فيها حتى لتخال نفسك وانت تقرأ ما كتبه أنك في مكتبة تعريفية واسعة لتاريخ ايران وثقافتها رغم شحة مصادره واعتماده على الذاكرة في أغلب الاحيان في تذكر الشخوص- بالطبع نقح الكاتب تلك المذكرات قبل طباعتها واستند الى بعض المراجع المرفقة بالكتاب.

يتحدث الكتاب في صفحاته الاولى عن بيئة الراحل عادل حبه في محلة صبابيغ الآل ، وتعليمه ودراسته الأولى في المدرسة الجعفرية التي خرّجت الكثير من القامات العلمية والسياسية، وأشرف عليها وساعد في انشائها العديد من البيوت والشخصيات البغدادية العريقة. ثم يتحدث عن تركيبة المحلة وعلاقتها بالمحلات الاخرى ونشاطها التجاري والسياسي، ومن ثم انخراطه في العمل الطلابي وهو بسن السادسة عشرة وبعدها في العمل الحزبي وهو في السابعة عشرة من عمره، وينتقل بعجالة الى مرحلة التخرج والتعيين ومن ثم ترشيحه للدراسة في أكاديمية العلوم الاجتماعية والسياسية في موسكو، ومن بعد تخرجه منها ، والذي تزامن مع كارثة شباط 1963 حيث تم تكليفه بالمهمة التي سترسم مستقبل حياته اللاحقة في بلد ليس بلده ، ويتحتم عليه ان يقضي فيه الى مايزيد على السنة وعدة اشهر قبل اعتقاله وسجنه لمدة سبعة سنوات من قبل محكمة عسكرية رغم أنه ليس عسكرياً.

إن مساحة العمر التي فرضت على هذا المناضل الشاب لم تتعد الخامسة والعشرين حين أودع خلف القضبان بعد مايزيد على العام من ممارسة مهمته الحزبية في محطة إيران لتنظيم شتات الرفاق الذين غادروا العراق، حيث عمل مع عدد محدود وموثوق من المناضلين لإعادة ولملمة وتجميع من استطاع الافلات من سجون زمرة شباط 1963 ، وتوضح السنة الأولى من وجوده في إيران كيف تصدى لهذه المهمة بدأب وسرية وكيف استطاع التعاطي معها رغم وجوده في ضل نظام أمني واستخباري يتميز بالبطش ويستند الى اشرس جهاز هو (الساواك).

وتعاطى الراحل عادل حبه مع مهمته ، بكل هدوء واحترافية رغم اختلاف البيئة وعوامل اللغة والتاريخ ومحدودية الامكانيات والوثائق الشخصية، مستفيداً من التدريب الذي سبق دخوله ايران وتم تدريبه من قبل رفاقه واحد رفاق الحزب الشيوعي التشيكي رغم تقليله من أهميته مؤكداً ان تجربتي في العراق كانت على معرفة عملية بالكثير من الاساليب التي تدربت على يديه فيها.

وبالرغم من محدودية التدريب لكن عادل حبه جمع بين صفتين وهما، جرأة الشباب وتروي العاقل في تنفيذ مهمته، في ضل جهاز أمني عرف بالبطش بالشعب الايراني ومناضلي الحركات الوطنية والاسلامية الايرانية، ساعده في ذلك حصوله على هوية شخصية ايرانية بمساعدة ابنة خاله والتي اعطته حق الحصول على جنسية مزورة ايرانية لرجل متوفي مكنته من استئجار سكن مستقل استطاع فيه تجنيب بيت خاله أية تبعات مستقبلية جراء وجوده وفي نفس الوقت، منحه البيت حرية التحرك والتصرف بدون معرفة أسرة بيت خاله بما يقوم به.

وحين تم اعتقاله ووجد نفسه بمواجهة جلاد السياسيين محمد خطائي كما وصف نفسه ، بدأ مسلسل التعذيب والترويع واستخدام كل الوسائل المتاحة لانتزاع اعترافات منه ، بعد ذلك تم نقله الى سجن (باغ مهران) تحت اشراف الساواك ليتم بعد ذلك نقله الى سجن مؤقت قبل أن يحل في سجنه النهائي في المسمى (سجن القصر) الواقع في منطقة شمرانات شمال مدينة طهران حيث تبدأ مرحلة الاندماج مع حياة السجناء السياسيين.

وفي هذا السجن، لم يتشدق عادل حبه باقوال وهتافات كما يفعل الكثير بل ترك للافعال والسلوك والسيرة دورها لتعكس اخلاقياته وسلوكياته الاجتماعية والانسانية ، ليؤكد حقيقة أن المناضل يمكن أن يتحول الى سفير لبلاده وشعبه أولاً وممثلاً لحزبه وقناعاته بنفس الوقت، ومع انها بيئة سجن وليس معترك الحياة الواسع ولكنه تمكن من كسب النزلاء الذين شاركوه المعتقل وبينهم العديد من القامات السياسية لحزب توده واعضاء الفرقة الديمقراطية الاذربيجانية ذات الصلة بحزب تودة والخاصة باذربيجان الايرانية واعضاء من الحزب الكردستاني الايراني والذي يعتبر حينها امتداد لحزب تودة في كردستان ايران ويضمن السجن عددا من اولئك الذين كانوا مع مصدق وهربوا الى الاتحاد السوفيتي بعد الانقلاب، كما كان قبل وصوله بيومية مجموعة من حركة تحرير الاحواز اعدموا كما اعدم بعد فترة حسين قبادي الذي استطاع تهريب قيادات من حزب توده بلباسه العسكري حينها وكذلك ضم السجن شخصيات مثقفة مثل مجيد امين مؤيد الذي ترجم العديد من المؤلفات وهو بالسجن لبريخت وآرثرميلر وهوارد فاستو والفيلسوف الروسي تشرنيشفسكي ، كذلك ضم السجن احمد قاضي وهو من عائلة الشهيد محمد قاضي من حكومة مهاباد الكردية واحزاب وشخصيات دينية اخرى.

يتحدث المؤلف عن تفاعله الايجابي مع من تعلم منهم اللغة الفارسية وهو بدوره علم الاخرين اللغة العربية كما تفاعل جيداُ مع شريحة من المثقفين والحرفيين ونمت علاقات أخوية وانسانية راقية بينه وبين الجميع حتى انه يروي عن احد السجناء ممن لايود الاختلاط بباقي السجناء أنه تمكن من كسبه ودفعه الى الحديث عما يجعله عزوفاً عن الاختلاط .

وفي مرحلة لاحقة صنع عادل حبه لنفسه شخصية السياسي والاجتماعي المميز مما دعا الجميع الى التعامل معه باحترام اكبر ودعوته لمشاركة سجناء ايرانيين في مناسبات ثقافية وفكرية ونقاشية متعددة .حتى انه اضحى السجين الاكثر تميزاً في سنواته الاخيرة في اوساط السجناء ، بل ان المميز هو اعتراف سجانيه بدوره المميز وسلوكه الراقي في معالجة بعض المشاكل التي تعرض لها المسجونون وتقبل سجانوه معالجاته للمواقف التي مرّ بها بعض المسجونين.

وفي واحدة من المناسبات التي اقتيد فيها مايقارب العشرين فلاحاً جراء محاربتهم بقطع مياه سقيهم مما حدا بهم الى ردم البئر التي حفرها مستثمر وادت الى شحة الماء في ابارهم ، وكان موقفه بأن وفر لهم العلاج من الادوية المحدودة التي اعطيت له من قبل دكتور سجين في سجنه السابق عند توديعه قبل الانتقال الى سجنه الجديد.

واستطاع وبمشاركة سجناء مثقفين آخرين ان يحولوا السجن الى مدرسة للتعليم ومحو الامية وتقديم المحاضرات التخصصية والتي شارك فيها سياسيون وعلماء ورجال دين وبينهم مهندس الجيولوجيا عادل حبه وتمكن من اللغة الفارسية كما تعلم قليلا من الفرنسية والانجليزية اضافة الى المامه بالروسية .

على ان الاهم في هذا الاندماج الثقافي والمعرفي هو التكيف مع الاراء والمنطلقات الفكرية والحزبية التي عكست اختلافات ومشارب السجناء وانحداراتهم ، فهناك منشقون عن حزب توده ولهم آراء في سيرته وكان الجميع يسمع ويناقش بدون عداوات، وكان هناك علمانيون ورجال دين آمنوا بطريقتهم باساليب نضال ضد الشاه ووجدوا انفسهم يشاركون سجناء من احزاب علمانية بنفس السجن، ولم يكن للخلافات الاجتماعية مكان لان العدو الذي اودعهم السجن كان هو نفسه الشاه.

وعلى العكس من السلوك المتنافر كان عادل حبه جزءاً من تجربة مميزة في السجن لاحترام الرأي والرأي الآخر من مختلف الانحدارات الفكرية والسياسية التي مثلها المسجونون، وانعكس هذا الاحترام بطريقة التعامل اليومي والانساني بين الجميع حتى بدا السجن وكأنه عائلة للمناضلين بمختلف انحداراتهم . لقد ميزت هذه الصفة الراحل عادل حبه في احترام الآخر وتعرفت عليه بنفسي في فترة تواجدنا في اليمن الديمقراطية حيث اصبح على رأس منظمة الحزب في اليمن والتي كانت تعاني من تناحر وكراهية بين اعضاء الحزب وبين اولئك الذين طردهم الحزب، واصبحوا بنظره مخربين!! لابل وصل الأمر بمطالبة المنظمة الحزب الاشتراكي اليمني بطردهم من وظائفهم وامتنع الحزب الاشتراكي من ذلك وخاطب المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي مستنكراُ مثل هذا الاجراء ليتم التوجيه من المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بـ(الموافقة على اجراءات طردهم من الحزب وعدم الموافقة على محاربتهم اقتصاديا) وحين جاء الراحل عادل حبه ، مد الجسور الاجتماعية مع الجميع بما فيهم اولئك المطرودين واستطاع خلق حالة اجتماعية جديدة سعى فيها الى حضور مناسباتهم وزيارتهم والتعامل معهم كعراقيين .

ولن انسى مشاركته لي في زفافي حيث وفر سيارته وبمشاركة السيدة الأصيلة زوجته في زفاف العريسين ،بالرغم من أنني لم أكن عضواُ في الحزب وهو أمر ماكان ليكون قبل مجيئه، وعرفانا لموقفه فأنني اتشرف بذكر مناقبه واستعرض كتابه مؤمناً بسيرته الرائعة والتي تمثل الحس الاجتماعي للشيوعي الاصيل ابن شعبه.

ومثل يوم نقله الى السجن الاخير الى منطقة يزد الصحراوية قبل انتهاء محكوميته حفلاً توديعياُ مميزاً كريماً - إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار محدودية موارد السجناء-من أغلب مشاركيه في السجن تضمن تقديم العديد من الهدايا والمشغولات اليدوية والمالي وكل ما يتوفر لدى المسجونين تعبيرا عن محبتهم وتقديراُ لاخلاقه وسيرته وعطائه للجميع.

أما المعطى الآخر الذي توضحه المذكرات من سيرته الذاتية في حياة السجون فهو الحرص على تطوير معارفه وزيادة معلوماته عن الواقع المحيط في ايران، ففضلاً عن الاستعراض التاريخي للواقع السياسي وتغيرات السلطة قبل مجيء الشاه، تحدث باسهاب تحليلي عن ظروف حكومة الدكتور مصدق وابرز اخطائه في التصدي للمؤمرات الامبريالية والمحلية، وقصوره عن فهم مديات التفكير بازاحته لابل أنه وقع في اوهام قوته رغم التحذيرات المخلصة من حزب توده له بحجم التأمر عليه ، ويقارن الكاتب في مذكراته بين مقدار التشابه بين ظروف حكومة مصدق وحكومة عبد الكريم قاسم وتشابه التحديات وقصورهما عن معرفة القوى المخلصة من تلك المتعاونة مع المخابرات الاجنبية وبما أدى الى انهيار الحكومتين وحرمان الشعبين الايراني والعراقي من تطور البلدين على اسس وطنية وتعددية بناءة.

وفي جانب آخر تستعرض المذكرات مجالات ثقافية وتقاليدية واحتفالات سنوية عديدة خلال شهور السنة، كما يوضح المشتركات الثقافية لتلك الاحتفالات بين شعوب واثنيات ايرانية من كرد واذريين وعرب وغيرهم ، مستعرضاً العديد من الشعراء والفنانين والكتاب وادوارهم وعلاقاتهم مع نظرائهم من العراقيين والكرد والاذريين ويضم الكتاب بين دفتيه صورا واشعاراُ واغنيات تعكس تلك الثقافات والمؤثرات المتبادلة .

كما يتحدث الكاتب عن اصدارات ادبية وثقافية واذاعية عديدة حفلت بها صفحات كتابه وصاحبت الفترات الكفاحية والتطورات الثقافية في ايران بما يعطي بمجمله معلومات قيمة لفهم الثقافة الايرانية ومعرفة مدى المشتركات بين الشعبين العراقي والايراني على اسس ثقافية وفكرية وفولكلورية وهو الأمر الذي يوجههنا الراحل عادل حبه فيه الى التأمل في تلك المشتركات وبناء مايمكن بناؤه من جسور على اسس مشتركة في التصدي لمشكلات الشعبين الجاريين، مستعرضاً الكثير من مناسبات المشاعر المتضامنة مع الاشقاء العراقيين في محنتهم من قبل الشعب الايراني في استضافتهم وهم يهاجرون بلدهم ناشدين الامان من موجات العنف السياسي والامر نفسه في استضافة الشعب العراقي للسياسيين الايرانيين الهاربين من البطش السياسي في بلدهم .

من هنا يمكن التأسيس على ذلك ان مصير الشعبين الايراني والعراقي في مواجهة التحديات لايأتي من رغبة حاكم او حزب بل أن يستند الى الظروف الموضوعية والارث الكفاحي والنضالي لمناضلي الشعبين ، مستندين الى مقومات اقتصادية وثروات هائلة ممتدة على مساحات جغرافية وحدود وبحار وانهار تؤمن مقادير ومستقبل أجيال من الشعوب في البلدين والمنطقة لتحقيق رخاء اقتصادي قائم على احترام مقومات كل شعب على حده.

لقد افادني هذا الكتاب، كقارئ في معرفة الكثير من صفحات التاريخ الايراني والحركات الوطنية وكفاحها كما أوقفني على أبرز تلك المحطات المصيرية في حياة الشعب الايراني ووجدت الكثير من المشتركات بين الرموز الوطنية والدينية الايرانية والعراقية في التصدي لقضايا التحرير الوطني والنضال من أجل مستقبل البلدين ، وللأسف لم تجر الامور كما أراد لها هؤلاء الوطنيون ممن قبعوا سنوات في سجون البلدين والبعض منهم انتهت حياته اما قتلاً من قبل الانظمة التعسفية او بفعل فترات السجن الطويلة ما ادى الى وفاتهم وخروجهم عن حركة التغيير في بلدانهم.

ولا يفوتني الإشارة الى أن دور العائلة في متابعة ابنها السجين في بلاد أخرى كان له أبلغ الاثر في تعزيز صلابة صموده في السجون التي مرّ بها، وكانت هناك تضحيات ومبادرات متميزة في توفير احتياجاته واحتياجات السجناء تجلت في مساندة بيت خاله وابنة خاله التي تمكنت من تهريب وادخال جهاز راديو ساعد المعتقلين في تتبع اذاعة المعارضة الايرانية والعراقية (صوت الشعب العراقي) التي كانت تبث من بلغاريا.

تحية وفاء للمناضل والعراقي الاصيل عادل حبه، له الذكر الخالد ولعل هذا الكتاب يفتح المجال لكتاب آخر يجمع عطاءه الفكري والصحفي والابداعي فهو رجل متعدد المواهب ويستحق كل العرفان.



لندن في
29.08.2026

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter