|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأربعاء  3  / 6 / 2015                               إبراهيم الخياط                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

تغريدة الاربعاء

على جسر الفلوجة

إبراهيم الخياط *

الفلوجة مدينة من أعمال محافظة الأنبار، تبعد 60 كيلومترا عن بغداد، ومعناها في اللغة هو الأرض الصالحة للزراعة، حيث تتفلج تربتها حين يمسها المطر.

يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، وهم من عشائر عدة منها الدليم بكل فروعها (البو عيسى، البو علوان، المحامدة، الفلاحات، الحلابسة، البو نمر، البو فهد، الجميلات)، والجبور، والكبيسات، والعزة، والجنابيين وزوبع. ويطلق على المدينة اسم مدينة المساجد لاحتوائها على 550 مسجدا، منها الجامع الكبير المؤسس عام 1899.

لم تشر الدراسات التاريخية بالتحديد إلى وقت إنشائها، ولكنها كانت قرب مدينة الأنبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد عام 12 هـ، وبعد ذلك بقرون اتخذها العثمانيون محطة استراحة. وشهدت ابان الاحتلال البريطاني اضطرابات غداة مقتل الكولونيل جيرارد ليجمان على يد الشيخ ضاري.

قبل السقوط في 2003، كانت منطقة الأنبار عموما تعد من معاقل النظام المباد، رغم انطلاق بعض الحركات الانقلابية الجريئة، مثل حركة محمد مظلوم الدليمي في التسعينات والتي قمعت وأعدم قادتها.

وبعد السقوط أُخذت الفلوجة جهارا نهارا رهينة بيد القاعدة، ثم بيد داعش، وفي كهوفها سال ـ غدرا ـ دم عراقي كثير. وجلّ القتلة من ضباط الأجهزة القمعية السابقة الذين أطالوا اللحى وقصروا الدشاديش، وتفننوا في القتل الرجيم. ولن يكون الأخير في سجلهم الأسود إعدام الجندي الشهم مصطفى العذاري، الذي طافوا به الأسواق ثم علقوه بالجسر الكونكريت.

علقوه، ومن قبل علقوا الإمام زيد بن علي زين العابدين، الذي دعا الناس للخروج معه ضد خليفة الأمويين هشام بن عبد الملك، فاستشهد عام 121 هـ، ورفعوا رأسه على رمح وطافوا به في الكوفة. وحاليا يقع مزاره على بعد 30 كيلو مترا من مدينة الحلة، في بقعة كانت تسمى باب الكناسة، احد أبواب الكوفة، حيث علق بصورة معكوسة أربع سنوات، فلم يتبق منه غير العظم.

علقوا الشهيد العذاري، ومن قبل علقوا يوسف سلمان يوسف المعروف باسمه الحركي فهد. وهو من أوائل الناشطين السياسيين ضد العهد الملكي، ومن أبرز مؤسسي الحزب الشيوعي عام 1934. وقد أصبح أول سياسي يعدم في تاريخ العراق المعاصر. وكان السفير البريطاني في بغداد قد اشرف بنفسه على محاكمته والحكم عليه، مثلما اشرف على تنفيذ الحكم في الساعة الرابعة والنصف من فجر 14 شباط 1949. علقوه على عمود في ساحة علاوي الحلة أمام المتحف العراقي.

لم تقتل الكوفة الإمام زيدا، بل كان طغاتها وعتاتها وأراذلها هم القتلة، وقد ذهبوا إلى مزبلة التاريخ وبقي الإمام زيد شامخا بمنارتيه وزواره الملايين. كذلك لم تذبح العاصمةُ الرفيقَ فهدا، بل الطغاة الذين إذا دخلوا قرية استباحوها. ولكنهم اخرجوا منها في ما بعد إلى المزبلة إياها، فيما تشمخ ـ اليوم ـ بيوت فهد في طول البلاد وعرضها.

وبالمثل سيذهب أسافل الفلوجة إلى بئس مصيرهم، وستنفض المدينة عنها أوساخ الإمارة والطائفية وبدلات السفاري، وترجع إلى عراقها المدني.. وسيحمل الجسر الكونكريت اسم مصطفى العذاري، ويغدو الجسرُ أحمرَ زاهيا من حناء الصبايا.

 

* الناطق الإعلامي لإتحاد الأدباء
 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter