|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأربعاء  29  / 4 / 2015                               إبراهيم الخياط                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

تغريدة الاربعاء

جسر التنهدات

إبراهيم الخياط *

لا أقصد "جسر التنهدات" الرواية التي كتبها الأديب الفرنسي ميشال زيفاكو (١٨٦٠ - ١٩١٨)، والتي صوّر فيها ظلمات القرون الوسطى عبر نسج قصة حب لا أروع منها زمنذاك.

كذلك لا أقصد "جسر التنهدات" الشهير في فينيسيا (البندقية) الإيطالية، الذي دشن عام ١٦٠٠ وكان يعبره المساجين أثناء المحاكمات، لأنه يربط السجن القديم بـ "قصر البندقية" أيام محاكم التفتيش المرعبة.

وإنما أقصد جسر "بزيبز"، الذي يقع على بعد ٣٠ كيلومترا غربي بغداد، وهو جسر عائم طوله ٣٠٠ متر وعرضه ٤ أمتار، وقد اكتسب اسمه من اسم الأسماك في هذه المنطقة من الفرات تحديدا. فالسمك الكبير يسمى "البز" لكبر حجمه، وتصغيره هو "بزيبز". فأطلقه الأهالي اسما على الجسر الذي بات مقتصرا على عبور الراجلة وعربات الدفع حصرا، بعد تفجيره قبل عام.
وحسب جريدة "الشرق الأوسط"، لم يكن بالحسبان يوما أن قنطرة صغيرة عائمة أنشئت لتوصل بين ضفتي نهر الفرات، ستحظى بشهرة الجسور العالمية وتسرق الأضواء منها بعدد الأشخاص الذين عبروها خلال يوم واحد. وهذا ما حدث مع جسر بزيبز البدائي، الذي سجل عبور أكثر من ١٠٠ ألف شخص خلال 24 ساعة فقط.

وهؤلاء النازحون هم في أغلبيتهم من أبناء الرمادي الذين انتابهم الذعر عقب انسحاب بعض القطعات العسكرية من المدينة، وبعد سقوط عشرات القذائف المجهولة (وهي طبعا معلومة) على الأحياء المأهولة، فنفذوا بجلدهم مخافة القصف والقتل وهربا من الذباحين الشرعيين القادمين.

وبدأت رحلة النزوح من مدينة الرمادي سيرا على الأقدام، رحلة مضنية في الصحراء مرورا بتلال وطرق وعرة أنهكت الأسر النازحة، وحتى حصلت وفيات بين الأطفال وكبار السن.

وحين وصلت هذه الجموع الحاشدة إلى جسر بزيبز أصيبت بالخيبة، بل صعقت عندما اخبرهم الحراس أن "الكفالة" هي باسبورت العبور. فلا مرور لمن لا يحصل على "الكارت الأخضر". ومن لا كفيل يكفله من أهل بغداد لا يمكنه دخول العاصمة. ثم استثنى القرار مَن عمره بين ٢٠ - ٥٠ عاما اذ لا يدخل الشباب حتى بكفالة.
وتنهدت الصبايا والأمهات وتأفأف الفتيان والآباء، وكادت الحسرات أن تهز الجسر الذي لا يمت لجنس الجسور بصلة.

داخت العوائل المنكوبة بين الضيمين. فهناك تموت دفعة واحدة، وهنا تموت بالتقسيط. هناك لا عاصم من الموت، وهنا لا كفيل من الحياة، وبين حانة ومانة ضاعت العوائل والعوائد والعيال.

اذ يقال أن رجلا تزوج إمرأتين، إحداهما اسمها "حانة" والثانية اسمها "مانة"، وكانت حانة صغيرة السن بعكس مانة التي تجاوز عمرها الخمسين.

فكان الرجل كلما دخل إلى حجرة "حانة"، نظرت إلى لحيته ونزعت منها كل شعرة بيضاء وهي تقول:
- يصعب علي أن أرى الشعر الشائب يلعب بهذه اللحية الجميلة وأنت ما زلت شابا!!
وعندما يذهب إلى حجرة "مانة"، تمسك هذه أيضا لحيته ولكن تنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له:
- يكدرني أن أرى شعرا أسود بلحيتك وأنت رجل وقور السن، جليل القدر ..!!
وذات يوم نظر في المرآة فرأى نقصا عظيما في لحيته، ورأى النتف مستفحلا، فقال قولته الشهيرة:
- بين حانه ومانه ضاعت لحانه..
 

تنشر هذه التغريدات صباح كل أربعاء وباتفاق مسبق في أربع جرائد بغدادية معا:
(طريق الشعب، الزمان، البينة الجديدة، الحقيقة).

 

* الناطق الإعلامي لإتحاد الأدباء
 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter