|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأحد  23/12/ 2012                                 إبراهيم الخياط                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

فغضّ الطرف انك لم تقدم استقالتك

إبراهيم الخياط *

كان بين جرير والفرزدق هجاء طويل دام لنصف قرن وأكثر، والشاعران يعودان إلى قبيلة تميم المعروفة، ومرة دخل بينهما الشاعر الراعي النميري (وهو من الشعراء الفحول وسُمِّي الراعي لكثرة ذكره الإبل في شعره) مؤيدا للفرزدق، ما حدا بجرير أن يهجوه وقومه ويعيّره بقلة الرَّفعة والأصل:

فغضَّ الطرف انك من نـُمَير ... فلا كعباً بلغت ولا كِلابا

فكانت القصيدة شؤما على بني نمير حتى صاروا إذا سئلوا عن نسبهم لا يذكرونه بل ينسبون أنفسهم إلى جدهم عامر، وقد سمى جرير قصيدته هذه "الدامغة" لأنها أفحمت خصمه، وهي من القصائد الواضحة والسهلة وسريعة الانتشار، واتصفت بإلحاق العيوب والمساوىء المتنوعة بالخصم، والتهكم اللاذع عليه وعلى قومه، كما انها تتصف بفخر الشاعر بنفسه وبقومه، ثم يطلب الشاعر من خصمه أن يتوارى عن الأنظار ويخجل من نفسه هو وقومه، ويختتم القصيدة ببيت رائع شهير بالفخر: "اذا غضبتْ عليك بنو تميم...".

فماذا يقول شاعرنا جرير الذي عذّ بيته هذا أهجى بيت قالته العرب، لو أتى ـ اليوم ـ وشاهد المسؤولين في عراقنا الذي أردناه جديدا فخاب ظننا، فالعراق الجديد مدجج بالمسؤولين الذين يزوّرون ويتباهون، يسرقون وكتلهم تدافع عنهم، يزودون حماياتهم بالقناصات في سطوح وزاراتهم ليستهدفوا الناس (عامي شامي)، يتهالكون ويتكالبون على المناصب السيادية الفائضة المحرمة ويتحججون أن فتاوى المراجع العظام لم تذكرهم بالاسم، يقبضون في بيروت ولندن وباريس وموسكو ويصرحون في بغداد أنهم الذين حذروا من الرشى والهدايا والصفقات، يجيشون الجيوش الوزارية والبرلمانية ضد البطاقة التموينية ثم ينقلبون ويتبرؤون من الفضيحة المجلجلة، يسرقون القوت والاصوات ولايخافون ولايندمون ولايستقيلون حياءً، ولايتعظون وكأنهم لايسمعون مايحصل في الدول الأخرى.

ففي مصر، وقبل شهر، حصل تصادم في أسيوط بين حافلة مدرسية وقطار، أسفر عن مقتل 52 تلميذاً، وجرح 14 آخرين، لإن التحويلة كانت مفتوحة ومراقب التقاطع كان نائماً، ما دفع بأهالي الضحايا إلى التظاهر في مكان الحادث، وعلى الفور، قدَّم وزير النقل والمواصلات استقالته، متحملاً مسؤوليته السياسية عن الحادث، كما استقال رئيس هيئة السكة الحديد الذي أحيل للتحقيق.

وفي اسرائيل، قبل أيام معدودات، قدم وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان استقالته بعد اتهامه بخيانة الامانة والاحتيال، لانه حصل من سفير اسرائيل السابق في روسيا البيضاء على صورة من تحقيق سري اجري بحقه عام 2008، وعندهم يجب ان يستقيل نائب الوزير ـ ايضا ـ في حال استقالة الوزير، وفي حال ادانة ليبرمان فانه قد يسجن لفترة ثلاثة شهور او اكثر وقد يُمنع من العمل السياسي لسبع سنوات اذا ارفق الحكم بعبارة "دناءة اخلاقية".

وعندنا، لم يبادر مسؤول ليقلد الوزيرين المذكورين رغم ما يقع على رؤوسنا ـ يوميا ـ من عظائم الاحداث والحوادث والانتهاكات والخروقات والانفجارات والتزويرات والاحتيالات والخيانات والسرقات والمصائب والجرائم التي كلها ذات "دناءة اخلاقية" بامتياز.

عليهم، المسؤولين الفاسدون الذين يحرقون العراق ثم يتفرجون عليه في نشرة الاخبار أن يغضوا الطرف لانهم لم يقدموا استقالاتهم رغم الفضائح والوثائق والاحتجاجات فما مصر بلغوا ولا اسرائيل المجرمة الغاصبة المحتلة.

 

* الناطق الإعلامي لإتحاد الأدباء
 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter