|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأحد 7/12/ 2008                               د. إبراهيم إسماعيل                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

التحديث وبناء الدولة المدنية الديمقراطية

د. إبراهيم إسماعيل

تمهيد
لم تعد هناك قضية يزعم الجميع تبنيها في العراق ـ بما فيهم سدنة الإستبداد ـ كقضية بناء الديمقراطية، حتى صار صعباً تبيان الزبد عن ما يمكن ان يمكث في الأرض. ومما زاد الأمر تعقيداً هذا الإلتباس بين الديمقراطية كظاهرة تاريخية إرتبطت بمسعى البرجوازية للسيطرة السياسية وبين جوهرها المتمثل بالحرية وغير المرتبط بأية أيديولوجية. فالديمقراطية تبقى في كل المراحل شكلا سياسيا مضمونه حركة الإنسان نحو الحرية، أي إنها جملة الشروط والظروف التي يناضل في إطارها البشر لمواصلة طريقهم نحو الحرية. وبين هذا الشكل ومضمونه بالضرورة – وحدة وصراع، وفي إطاره تنمو حركة الإنسان نحو الحرية ويستبدل الشكل المعيق للتقدم بشكل جديد، والطبقات التي سيطرت عبر هذا الشكل بالطبقات التي تنسجم مصالحها مع التقدم نحو الحرية، وصولاً لمنتهاها حيث تتطابق مداياتها مع ما تنبأ به ماركس حول الخلاص من العمل الذي تفرضه الضرورة.
ويعد القضاء على التخلف السياسي والاجتماعي وتحرير الناس من اللا بالية والخوف ومن براثن الفساد والفوضى، وبناء هوية وطنية تشكل مرجعية لعموم المجتمع وتحقيق المصالحة بينه وبين الدولة، وتمكين الأخيرة من التعبير عن مصالح المواطنين وتطمين طموحاتهم، مبتدأ التجليات الديمقراطية، التي لا تتحق بدون توفر عدد من الشروط منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي او اجتماعي:

أولاُ: الشروط السياسية:
وتتمثل في وجود مجتمع سياسي ( الدولة ) مستقر، يستمر فاعلاً في الأزمات دون الوقوع في دوامة العنف والفوضى. ويمكن الوصول اليه عبر:
1. أن يكون التشريع للشعب، في دولة يحكمها الدستور وتخضع له كل القوانين والافراد والمؤسسات المدنية والحكومية والدينية، ويفصل فيه بين السلطات ويضمن به استقلال القضاء.
2. صيانة جميع حقوق الانسان، بما فيها حق المواطن في الوصول الى ما يريده من معلومات.
3. ضمان حرية تشكيل الأحزاب و باقي منظمات المجتمع المدني واعتبار مساهمة الناس فيها اساسا لمساهمتهم في صنع القرار، وفي خلق وعي وطني يتجاوز الوعي الفئوي ويوفر مفهوماً مشتركاً للمواطنة وللمساواة بين الناس.
4. توفر مستلزمات التداول السلمي للسلطة والمتمثلة في ضمان الوصول للسلطة بطريقة ديموقراطية، والتشاور الملزم خلالها مع أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، والخضوع للمحاسبة أثناء الحكم، وتركه بطريقة سلمية.

ثانياً: الشروط الاقتصادية: يرتهن ضمان الاستقرار السياسي بوجود قدر من العدالة الاجتماعية، وهو ما لايمكن تحقيقه بدون توفر نمو اقتصادي مناسب، وتوزيع "غير جائر" للدخل القومي وللخدمات الأساسية.
ثالثاً: الشروط الاجتماعية: وتشمل ضمان التعددية السياسية والثقافية والدينية، ورفع الغبن عن المرأة بعد أن تتم لها المساواة التامة مع الرجل، وتنفيذ مشروع ثقافي يعيد صياغة العلاقات الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة بما يخلق معه نموذج لفرد ذي تفكير ديمقراطي.
فهل تتوفر في العراق اليوم أوعلى المدى المنظور مستلزمات تحقيق ذلك؟ وكيف يلعب التخلف دوراً معيقاً للتحول نحو المجتمع المدني، وما هي أبرز اسبابه؟

اسباب تخلف الواقع العراقي الراهن
تتفاعل شروط ومتطلبات بناء الدولة المدنية الديمقراطية والوعي الاجتماعي بها مع حزمة من العوامل الداخلية، التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعدد من المؤثرات الدولية والإقليمية، التي تتسم في العراق وجراء كل ما مر به، بأهمية خاصة. فالوعي الاجتماعي ثمرة لتفاعل جميع الآراء السياسية والحقوقية والأخلاقية والفنية والفلسفية والدينية والمعارف العلمية الموجودة في المجتمع. كما إنه يتشكل عبر تراكم لنتيج التفاعل مع الواقع، الذي يبدأ بالإنتباه لمعطياته مرورا بفهمها وتفسيرها ووصولاً الى السعي لأستثمارها أوتغييرها كلياً أو جزئياً. وعليه يشترط تنامي الوعي قدرة على التقييم والتأثير بحرية.
ويترك الوعي التاريخي بصماته على الوعي الاجتماعي الراهن، ويتداخل معه بأعتباره أساساً لمفردات التربية والثقافة السائدة ولطبيعة العلاقات بين أبناء المجتمع، ومؤشراً للقدرة على الوعي بالحرمان والأضطهاد والبؤس.
إن نظرة متفحصة على التاريخ المعاصر للعراق تبين لنا أسباب تخلف الوعي الاجتماعي، فقد ظل الحكم محصورا بجهة ما فيما كانت المعارضة محصورة بجهة ثانية وبين الجهتين برزخ من نار التمييز والأضطهاد والعنف، لم تعرف معه البلاد دولة مدنية، ولم تتوفر لأبنائها إرادة وطنية ناجزة، وغالباً ما سارع الطغاة لوأد أية إرهاصات لتشكل هذه الارادة أو تفعيلها أو قيام مجتمع طبيعي متماسك يمكن تشخيصه بأنه مجتمع عراقي. ومنذ قيام الدولة العراقية الحديثة بهيمنة بريطانية، أدت السياسات التعسفية وغياب الحريات الى هدر في الطاقات البشرية والاقتصادية، وتشويه لمفهوم المواطنة والديمقراطية. وانتهى الأمر بسلسلة جرائم الدكتاتورية خلال نهاية القرن الماضي والتي أدت بالبلاد الى السقوط في الإحتلال البغيض، وما رافق ذلك من تكريس للتخلف وتحطيم لما تبقى من الدولة والهوية العراقية، وخلق مآزق لا تحل بغير المحاصصات، واهدار ثروة تقدر بـ 420 مليار دولار!!
وتكتسب الأحداث التي أعقبت سقوط النظام خطورة إستثنائية لما عكسته من ضعف الوعي الجمعي بأهمية الأرادة الوطنية، وتحول قطاعات غير قليلة من الشعب الى أفراد لا رابط بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألفة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، وانقسام الطلائع السياسية الى إرادات متصارعة ما زالت تقف حائلاً أساسياً أمام تواصل العملية السياسية. كما شكلت سيادة المحاصصة الطائفية، تعطيلاً مريعاً للمنافسة السياسية النزيهة، وللعملية التمثيلية ولعمومية الدولة وإفتراض علويتها فوق جميع المصالح الخاصة والجزئية، وابعدت قيادات وطنية مجسدة لمفهوم الدولة وممثلة لعموم الشعب عن السلطة والمسؤولية، وأطلقت فتيل حرب أهلية تتغذى من إرادة منع من أستأثر بالحكم والثروة و السعي للاستئثار بها بدله.

ولكن لماذا حدث كل هذا؟

إن ما وصلت اليه البلاد من تخلف مركب وضعف للهوية الوطنية الجامعة ومن الوقوع في أزمة عامة، يستمد قوته التخريبية من مرتكزات متعددة أبرزها:
الإرث الثقافي المتمثل في طغيان الروح الفردية واعتماد الأحكام المطلقة في التعامل مع عناصر الحياة الدنيوية النسبية، وإضفاء القدسية على العنف كوسيلة لحل مشاكل الدنيا وتقديس القائد الذي هو اوحد ومتميز ومفوض من الله.
الخراب الاقتصادي حيث تم أثقال العراق بديون بلغت 130 مليار دولار وبغرامات تصل الى 350 مليار دولار وإنخفض حجم الأنتاج الصناعي بنسبة 90% والزراعي بنسبة 75% وتراجع معدل النمو من 11% الى -6%، وبقيت نصف القوى العاملة عاطلة وتدهور دخل الفرد بنسبة 1000%، فصار ربع السكان تحت مستوى الفقر وربع عند هذا المستوى.
انهيار الخدمات حيث تغيب الخدمات الاساسية فيعاني 63% من العراقيين من أزمة السكن، و85% من أزمة الكهرباء، و54% من غياب الماء الصالح للشرب و63% من غياب الصرف الصحي و50% من البطالة، و80% من عدم القدرة على إكمال التعليم، وحيث تغيب أية إستراتيجية تنموية واضحة ويتم التركيز على الانفتاح الاقتصادي الذي أحدث هدراً ماليا كبيرا وعجز عن تحقيق أي تراكم رأسمالي أو نمو أقتصادي.
الخراب الثقافي والاجتماعي حيث "تعاونت" الدكتاتورية والحصار والإحتلال على إعاقة تبلور الوعي على أساس طبقي ومنع تبلور الوعي الوطني وتشويه ووأد فكرة المواطنة (ذكر 72.2% من المشاركين في الإنتخابات بأن القائمة التي صوتوا لها لا تعكس بالضرورة أفكارهم وقيمهم لأن هناك أسباباً أخرى كانت وراء إختيارهم لها)، الأمر الذي أدى الى أستقطاب طائفي خطير وتشظي في القوى الطبقية المهمة والى ضرر جدي في وحدة الانتماءات الطبقية (تشير الأستطلاعات الى أن 48% من العراقيين يتبنون اليوم الأنتماء الطائفي و20% الأنتماء القومي و32% الأنتماء الوطني، وفي كردستان 60% يتبنون الأنتماء القومي و15% الأنتماء الطائفي و25% الأنتماء الوطني). وتضاعف الخراب الثقافي والاجتماعي مع تحول النظام السياسي من مهمة صيانة المجتمع الى جهاز لتأمين السلطة والثروة للأقطاعيات الطائفية والقومية المتصارعة ومع التفشي المريع في الأمية (زاد عدد الأميين الأبجديين عن 50% والحضاريين عن 80%) والتخلف المتصاعد في العملية التربوية سواءً في عدم توفير مستلزماتها أو في غياب استراتيجية تنموية لدمقرطتها، وفي تكريس مفهوم سيطرة الدولة على الثقافة و "رعايتها" لها وإدعاء عجزها عن العيش مستقلة، وتقييم النتاج الابداعي وفق مقاييس متخلفة أبرزها الأنتماء العقائدي للمنتج ومدى ولائه للعراق "الجديد"، والسيطرة التدريجية على وسائل الأعلام وتفريغ فكرة اعلام الدولة المستقل من محتواه الديمقراطي والباسه جوهراً وشكلاً تعبوياً وطائفياً. كما شمل الخراب هذا تدهوراً مريعاً في أوضاع المرأة العراقية، حيث تحصل فتاة واحدة على التعليم مقابل ثلاثة فتيان، وحيث يعاد تفعيل أبشع العادات البالية وتذبح النساء كالنعاج ويكيف الأضطهاد بأردية مقدسة، وتستخدم النساء أنفسهن لبث مشاعر الأستسلام بين صفوف أخواتهن الذين بلغ إحباطهن حد رفض 60% منهن المشاركة في الحياة السياسية و43% التصويت في الأنتخابات القادمة!
التغييرات في التشكيلة الاجتماعية: والمتمثلة بتكريس نمو وهيمنة شرائح جديدة من البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية (صار عدد التجار في العراق عدا كردستان 1.5 مليون)، وتداخل انشطتها التجارية مع عمليات السطو والسرقة والنهب الفظيع للدولة، والربط بينها وبين أقسام من الأوساط المالية الدولية، وبضعف شديد في الدور الاقتصادي والسياسي للبرجوازية الوطنية وهروب شرائح واسعة منها الى الخارج، وبأستمرار تآكل الطبقة الوسطى جراء تعاظم استقطاب الثروة لصالح الطفيليين والبيروقراطيين والنهب المنظم للدخل القومي واستفحال الركود الاقتصادي واتساع البطالة والهجرة المتواصلة للأنتلجيسيا، وتثبيط الدور التنويري الاساسي لها كحامل اجتماعي للتحول الديمقراطي في هذه المرحلة، وتحول مجاميع منها الى جيش المهمشين، او إرتدادهم نحو القيم العشائرية أو تبنيهم لقيم مشوهة عن المجتمع المدني، صارت مكمناً للقوى الطائفية وللتعصب. كما أدت هذه التغييرات الى اتساع ظاهرة البطالة في صفوف العمال، وعدم تفعيل قانون الضمان الاجتماعي، مما أدى الى تردي اوضاعهم ودورهم الكفاحي وتحول الألاف منهم للبحث عن مصادر بديلة للعيش في شتى المشاريع الهامشية. وتنامي جيش العاطلين في الريف أو المهاجرين منه الى المدينة لتوسيع الشرائح المهمشة فيها، جراء الجفاف وخراب الأراضي ونقص الأستثمارات الحكومية وعزوف رؤوس الأموال المحلية عن الأستثمار في الزراعة. ولعل أخطر المتغييرات هذا التنامي السريع والخطير للشرائح المهمشة في المجتمع، والمكونة من ملايين الشباب المنحدرين من كل الطبقات، أولئك الذين لا تعليم لهم ولا حرفة ولا ملامح طبقية واضحة، ويتمتعون بشخصيات هلامية قلقة وناقمة وعنيفة، ويشعرون بوطأة القمع والتبعية ويحتقرون القانون ويخشون الجديد ويؤمنون بالقوة وبكل ما يمنحهم بعضاً من الأستقرار النفسي، كالوعي الديني المتخلف والمشبع بالأفكار الغيبية والديماغوغية، مشكلين إحتياكياً مهماً لإنتشار التمردات العفوية وما يعنيه ذلك من تعطيل التوجهات الديمقراطية.
تخلف فعالية الأحزاب والمنظمات الشعبية: حيث تعاني عشرات من الأحزاب السياسية العراقية من العزلة عن الجماهير وضعف المصداقية وغياب البرامج المعللة علمياً، كما تعاني الحركات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى من ضعف البنية المؤسساتية وسيطرة الاحزاب السياسية الداعمة لها وتفشي الفساد المالي والاداري في صفوفها، الأمر الذي يعمق من شدة التخلف العام ويضيف عوائق أكبر أمام مسار التحول نحو مجتمع مدني ديمقراطي.

المصالحة والتحديث
ورغم ثقل هذه المصاعب وتواصل إتساعها عمودياً وأفقياً، فإن هناك قدرات كامنة لقوى شعبنا وطلائعها الديمقراطية في الكفاح لتعديل الخلل في توازن القوى وتصحيح مسار العملية السياسية نحو إقامة الدولة المدنية الديمقراطية عبر:

أولاً: تحقيق السلم الاهلي:
يمكن تعريف السلم الأهلي بأنه تجنيب أبناء المجتمع أفراداً وجماعات وكتل استخدام العنف أو الدعوة إليه أو استثمار نتائجه ضد المختلف، واستعدادهم للقبول بالتنوع ضمن مجتمع واحد. ويعتبر السلم الأهلي أساساً لقيام الدولة المدنية الديمقراطية، ويمكن تحقيقه في العراق حيث ما زال المجتمع يعيش على حافة الحرب الأهلية من خلال:
- تبني أطراف النزاع لبرنامج واحد يتسق مع المطامح المشروعة لكل طرف والتي لا تكون خارج إطار المصلحة المشتركة للمتنازعين.
- ضمان نمو اقتصادي يعالج العجز الذي سببه النزاع، وعدالة في توزيع الدخل القومي وضماناً لاستقلال القضاء وفعالية الحركات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة.
- إنهاء عسكرة المجتمع المتعددة الأشكال.
- تكوين رأي عام مشترك مدرك أن الدولة ليست إطارا لتقاسم المغانم، وتنمية المصالح الخاصة وتعظيمها، وإنما هي بالعكس الإطار الوحيد لبناء فضاء العمومية، القانوني والإنساني، الذي لا قانون ولا نظام ولا سلام من دونه، (أي ليس قسمة عادلة للدولة، ولكن بالعكس رفع الدولة عن مبدأ القسمة نفسه، وتحويلها إلى إطار الاستثمار المشترك في الأخوة الوطنية والإنسانية) على حد تعبير برهان غليون.

ثانياً: التحديث:
من البداهة القول بوجود علاقة جدلية بين التحديث وبين المجتمع المدني الديمقراطي، فكما يعد الأستقلال عن الهيمنة محفزاً للتقدم، فأن التحديث بوابة مهمة لانكار الهيمنة والتصدي لها. وكما الحرية تعبير عن وجود الإنسان تسبق المعرفة فإن تراكم هذه الأخيرة مدخل رئيسي للنضال من أجل وجود حر. والتحديث مرتكز لا بديل له لنجاح التداول السلمي للسلطة، وهو شرط أساس لقيام المجتمع المدني الديمقراطي.
والتحديث ليس عملية منفصلة أومعزولة وإنما هو جزء من كل متكامل ومتفاعل، لا يتحقق إلا في ظل السلم الأهلي وفي اعمال أغلب الناس للعقل، والتصدي لكل مظاهر الجهل والخرافة والخضوع للسلف، لأن إدراك النقد يسبق العلم بتغيير المنتقد. ويوفر التحديث الحد المناسب من الحريات والعدالة الاجتماعية والعمل والتعليم للجميع، ويضمن تحرير المرأة، وتنظيم علاقة الدين بالدولة، وإقرار مفهوم الولاء للوطن بدل الولاء للقومية أو العشيرة أو الطائفة، ومواجهة الهيمنة الأجنبية وتحسين شروط التعامل مع الخارج بما يخدم المصالح الوطنية واعتماد الشرعية التي يكفلها القانون.

ويستلزم التحديث:

1. على الصعيد الفكري:
- تشخيص معنى التخلف، وتحديد المنهج النقدي الذي يكشف عن مساره التاريخي ويهتك الأستار التي يخلقها الخطاب التقليدي.
- رسم السياسة التي تنبع من الإطار الجامع لقيم المجتمع المادية والروحية ووسائل أنتاجهما، لأن أي سياسة غير هذه هي سياسة اغترابية، سياسة لا عقل لها.
- إدراك الوحدة الجدلية بين الوطنية والديمقراطية، وبين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فلا ديمقراطية بدون تحقيق مصالح الناس السياسية منها والاقتصادية والثقافية، ولا وطنية بدون تطوير البنية الثقافية التي تساهم في التأسيس لمجتمع ديمقراطي، مهما كان تشدق "الوطنيين" بحماية البلاد وأمنها.
- الاعتراف بأن الثقافي هو أحد أضلاع ثالوث: السياسة والاقتصاد. فالثقافة لا تعكس البنى الاجتماعية للسيطرة فحسب بل وتساهم في تشكيل وإعادة إنتاج هذه البنى.
- نشر المفاهيم العلمانية التي تقام عليها الدولة المدنية الحديثة والمتمثلة بمنع إنفراد معتقد ما بالسيطرة على الدولة وضمان حرية العقيدة وتحقيق المساواة بين المواطنين. والتبشير بأن للعلمانية أشكالا مختلفة تبعاً للواقع السياسي والثقافي، وهي في العراق لن تتقاطع مع الدين الذي هو في جوهره نزوع للعدالة، لكنها ستتقاطع حتماً مع من يخبيء فكره الشمولي تحت قباب دينية مقدسة او يسعى للمحافظة على التداخل الوهمي بين أيديولوجيته ـ التي هي محض تفسير بشري سياسي للدين خاص به وبأتباعه ـ وبين الدين كمعتقد أساسي لأغلبية العراقيين.
- التعامل مع الدين كظاهرة تاريخية شديدة المرونة في تغيير أشكالها، وأحد اركان العالم الروحي الذي يختاره الإنسان، ومكوناً مهما من مكونات ثقافة شعبنا. ولهذا فإن بأستطاعته أن يؤدي وظائفا إجتماعية وأن يكون أحد مراجع الباحثين عن العدالة والساعين لفضح الجوهر اللاإنساني لأية قوة شمولية تحاول إستخدامه لفرض اجندتها. وعدم الوقوع في أوار صراع أيديولوجي لا معنى له يرتكز الى ثنائية الإسلام /العلمانية وتبني التراث التقدمي لحركة الأصلاح الديني ومواءمتها التاريخية بين الأسلام والعقلانية.

2. على الصعيد السياسي:
- تعزيز وتقوية الوعي الوطني الديمقراطي لدى الناس، عبر عدم الأنجرار الى مساومات البازار السياسي وإخضاع برامج الكفاح للتفعيل والتجديد، وإرساء وحدة القوى الديمقراطية على برنامج سياسي مرحلي أو طويل الأجل والأعتراف بتعدد ساحات الكفاح، فالعملية السياسية ليست المجال الوحيد للفعل النضالي كما أنها ليست ساحة مطهرة من براثن الصراع الطبقي.
- تحقيق وحدة الديمقراطيين العرب والكرد على اساس إتفاق مشترك واضح يعتمد الفيدرالية لكردستان كتعبير عن حق الكرد في تقرير المصير، ويخفف قلق الناس على وحدة البلاد جراء إنتشار مشاريع الفدرلة الطائفية وتنامي النزعات الانفصالية .
- ادراك اصيل لعجز الغزو الخارجي عن ارساء دعائم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، فلا يمكن أن تترسخ الديمقراطية بدون توفر ظروف ميدانية متصالحة مع فكرتها، وليس للخارج من دور غير المساعدة في توفير هذه الظروف عبر الدعم المعرفي والمساندة الاقتصادية.

3. على الصعيد الأقتصادي:
- الدفاع عن مصالح القاعدة الاجتماعية الواسعة للتيار الديمقراطي، والكفاح من اجل توزيع أعدل للدخل القومي وحد مقبول للعدالة الاجتماعية، ووضع البرامج التنموية التي تبقي القرار الاقتصادي مستقلاً، وتوظيف العلاقة الضرورية مع الخارج بما يتناسب ومستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي للبلاد.
- مكافحة الفساد المالي كعائق أساسي أمام الديمقراطية، لأنه يضعف ثقة المواطن بالنظام السياسي السائد ويجعله فريسة القلق والخوف وضعف الشعور بالمسؤولية.
- المزاوجة بين إقتصاد السوق والملكية العامة وخاصة في القطاعات المرتبطة بحياة الناس وتحديث قطاع الدولة وتطهيره من الفساد والبيروقراطية وتعزيز قدرته التنافسية مع القطاعات الأخرى.

4. على الصعيد الأجتماعي والثقافي:
- تبن مبرمج لقضية المرأة بأعتبارها قضية ديمقراطية بأمتياز عبر التصدي لأي نظرة ترى في المرأة إنساناً قاصراً والعمل على معالجة سلبية واستسلام الكثير من النساء للواقع وضعف استعدادهن لأسباب اجتماعية واقتصادية ودينية، لمواجهة أي تدهور يحصل في حقوقهن، إضافة الى تجنب مشاريع وبرامج متطرفة، وإعتماد صيغ معتدلة ومتدرجة التطبيق، تعترف بمساواة المرأة بالرجل في جميع الحقوق والواجبات، وتجد لبرامجها أسانيد في ما توصلت له البشرية من تقدم حضاري وفي قراءة معاصرة لأحكام الدين وفي تعامل متحضر وحاسم مع العرف والتقاليد.
- تطوير دور الحركات الشعبية وتوفير الأمكانيات التعبوية لها وتوحيد ما يمكن منها على أساس الشكل والهدف المشترك ومعالجة الفساد في البعض منها وتقليل التدخل المباشر للأحزاب السياسية في عملها.
- مكافحة الأمية الأبجدية والحضارية لخلق مواطن فاعل، يتذوق المعرفة، ويتأثر بها، لايحس بالغربة أو القلق، وتربية التلاميذ على الممارسة الديمقراطية، وحق اتخاذ القرار وممارسة النقد ولا سيما العقلاني وتعلم القدرة على التحليل ورفض المتسلط، وتغيير مناهج التعليم الكلاسيكي وعدم برمجته برمجة سياسية أو دينية موجهة.
- دعم الثقافة الوطنية والمثقفين بأعتبارهم الرافعة التنويرية للتحول الديمقراطي، والعمل على نقل أطراف واسعة منهم من واقع السلبية الى الفعل المشاد على العقل. إن مصالح مثقفينا المعنيين بالمعرفة والمثقلين بالمستقبل تتناقض مع كل أشكال التخلف والأستقطابات الطائفية والعنصرية وكل أشكال التمييز، ومن هنا يصبح أساسياً عدم الفصل بين السياسي والمثقف، لا على أساس التطابق فلكل منهما دور متميز بل على أساس برنامج مشترك، يتفاعل فيه السياسي المتلفع بالشعار والمثقل ببرامج الواقع مع المثقف المنشغل بتشخيص الأتي والمثقل بالمعرفة، فكما لم تكن هناك معرفة بلا مغزى، كان بائساً مصير برامج لم تعللها الفكرة.
 


**
الأحصائيات مستقاة من التقرير السياسي الذي أقره المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي ومن نشرة أصدرها على موقعه معهد (أيسين) للتنمية والديمقراطية (www.ISIN.se ).
 


 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter