| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 18 / 7 / 2025 إبراهيم ابو عواد كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
رفض الجوائز الأدبية
إبراهيم ابو عواد
(موقع الناس)رَفْضُ الجَوائزِ الأدبية مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الكُتَّابِ لَيْسَ حالةً مِزاجيَّةً أوْ حَرَكَةً عَفْوِيَّة ، بَلْ هُوَ سِيَاسة مَنهجية قائمة عَلى مَوْقَفٍ وُجوديٍّ مُسْبَقٍ ، وَفَلسفةٍ مَعرفية ، وقَنَاعَةٍ ذاتيَّة . وفي بَعْضِ الأحيان ، قَدْ يُجْبَرُ الكاتبُ عَلى رَفْضِ الجائزة مِنْ قِبَلِ السُّلطة الحاكمة لاعتبارات سِيَاسية بعيدة كُلَّ البُعْدِ عَن الأدبِ والثقافة .
مِنْ أبرزِ الكُتَّابِ المعروفين برفضِ الجوائز ، الكاتبُ المَسرحي الأيرلندي جورج بِرْنارد شو (1856 - 1950) . يُعْتَبَر أحَدَ أشهر الكُتَّاب المَسْرحيين في العَالَم ، وهو الكاتب الوحيد في التاريخ الذي حازَ على جائزة نوبل للآداب (1925) ، وجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو (فيلم بيجماليون في عام 1938) .
فَجَّرَ بِرْنارد شو مُفاجأةً مِنَ العِيَار الثقيل ، حَيْثُ رَفَضَ جائزةَ نوبل حِينَ أُعْلِنَ فَوْزه به ، مُقَلِّلًا مِنْ قِيمتها ، وَمُتَهَكِّمًا مِنْ صَانِعِهَا : (قَدْ أغْفِرُ لنوبل اختراعَه للدِّيناميت ، لَكِنَّني لا أغْفِرُ لَهُ اختراعَ جائزة نوبل) .
ولكنَّه قَبِلَهَا عام 1926 بعد ضُغوطات كثيرة ، وقال : (إنَّ وطني أيرلندا سَيَقْبَل هذه الجائزة بسرور , ولكنَّني لا أستطيعُ قَبول قِيمتها المادية . إنَّ هَذا طَوْقُ نَجَاةٍ يُلْقَى بِه إلى رَجُلٍ وَصَلَ فِعْلًا إلى بَرِّ الأمان , ولَمْ يَعُدْ عليه مِن خطر) .
وَقَدْ تَبَرَّعَ بقيمة الجائزة لإنشاء مؤسسة تُشَجِّع نَشْرَ أعمال كِبار مُؤلِّفي بِلاد الشَّمَالِ باللغة الإنجليزية .
وَالفَيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر(1905-1980) رَفَضَ جائزة نوبل للآداب (1964) ، فَهُوَ يَعْتبر أنَّه لا يَسْتحق أيُّ شخص أن يُكَرَّم وَهُوَ عَلى قَيْدِ الحَيَاة ، كما رَفَضَ أيضًا وِسَامَ جَوْقَةِ الشَّرف في 1945 . كانتْ هَذه التَّكريمات بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَقْييدًا لِحُرِّيته ، لأنَّها تَجْعَل مِنَ الكَاتِبِ مُؤسَّسَةً . وظلَّ هذا المَوْقِفُ شهيرًا ، لأنَّه يُوضِّح مِزَاجَ المُثَقَّف الذي يُريد أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا عَن السُّلطةِ السِّياسية .
وفي عام 1976 ، قَبِلَ سارتر تكريمًا وحيدًا في حَيَاته ، وهو الدُّكتوراة الفَخْرية مِنْ جامعة أُورُشَلِيم العِبْرِيَّة ، وَقَدْ تَلَقَّاها مِنْ سِفَارَةِ إسرائيل بباريس . لَقَدْ قَبِلَ هذه الجائزة فقط لأسباب سياسية ، "لِخَلْقِ رابط بَيْنَ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينيِّ الذي أتَبَنَّاهُ وإسرائيل صَدِيقتي" .
وَالرِّوائيُّ الأُستراليُّ باتريك وايت (1912- 1990)، أحد أعظم أُدباء أُستراليا في القَرْنِ العِشرين ، كانَ رافضًا للجَوائز ، وَبَرَّرَ ذلك قائلًا إنَّ قِيمة الإنسانِ لَدَيْه أعلى مِنَ المَظَاهِرِ أو التَّكريم . رَفَضَ جائزة البوكر . وتَمَّ ترشيحُه لِنَفْسِ الجائزة بَعْدَ وَفَاتِه، لأنَّه لا يَسْتطيع رَفْضَها وَهُوَ مَيت. وَعِنْدَ فَوْزِه بجائزة نوبل للآداب (1973) خَشِيَت اللجنة أن يَرفض الجائزةَ ، فأبلغتْ صَدِيقَتَهُ الرَّسَّامَة (سيدني نولان سيدي) الأُسترالية ، لِتُخبره بفوزه بالجائزة مِنْ أجْلِ قَبولها على شرط أن تذهب صديقته لاستلام الجائزة . وَلَمْ يَتِم عَمَل مُحَاضَرَة كما هُوَ المُعتاد بالأكاديميَّة السويدية لغياب الفائز بالجائزة . وَهُوَ أوَّلُ أُسترالي يَفُوز بجائزة نوبل للآداب .
جاءَ في تقرير الأكاديمية السويدية عن سبب منحه جائزة نوبل للآداب: (لطريقته الرائعة والمُؤثِّرة نَفْسِيًّا في فَنِّ السَّرْد ، والتي قامت بتقديم مُحتوى جديد للأدب) .
أمَّا الأديبُ الروسيُّ بوريس باسترناك (1890 - 1960) فَقَدْ مُنِحَ جائزة نوبل للآداب (1958) ، لكنَّ السُّلطة السِّياسية في بلاده أجْبَرَتْهُ عَلى رَفْضِها ، إذْ عَدَّتْ رِوَايَتَهُ "الدكتور جيفاكو" نَصًّا مُضَادًّا للثَّورةِ البُلْشُفِيَّة . ولَمْ يَتِم الاكتفاء بهذا ، فقد فُصِلَ مِن اتِّحَاد الكُتَّاب ، وأُوقِفَ إصدارُ تَرْجماته ، وفُرِضَ حَظْرٌ عَلَيْه ، وتُرِكَ بِلا رَاتب .
والجَدِيرُ بالذِّكْرِ أنَّ السُّلطة السُّوفييتية كانتْ قَدْ وَضَعَتْ باسترناك تحت المُرَاقَبَة مُنذ مَطْلَعِ الثلاثينيات ، وصَوَّرَتْهُ إنسانًا مَعزولًا عَن العَالَمِ ، وغارقًا في الذاتية والانطوائية والعدمية ، ثُمَّ أطلقتْ عَلَيْهِ لَقَب "المُرْتَد" و"عَدُو الشَّعْب" .
والفَيلسوفُ الرُّوماني إميل سيوران (1911- 1995) المَعروفُ باليأسِ والتَّشَاؤُمِ والعَدَمِيَّة ، ظَلَّ طِيلةَ حياته يَمتنع عَن الجُمهور ، ويَرفض الجوائزَ ، ويَبتعد عَن وسائل الإعلام مُكْتَفِيًا بالكتابة . وكانَ يَعيش عُزلةً في غُرفةٍ صغيرة في وسط باريس ، حيث حافظَ على مسافة بَينه وبَين العَالَمِ الخارجيِّ ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ نِهائيًّا .
والرِّوائيُّ الألماني باتريك زوسكيند (1949 - ... ) مَعروفٌ برفضه الجوائز الأدبية ، وَيُفَضِّل العُزلةَ والابتعادَ عَن الأضواء ، ولا يَحْضُر أيَّةَ مُناسبة لتكريمه ، حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ العَرْضَ الأوَّلَ للفيلم المُقْتَبَس عَنْ رِوايته الشَّهيرة "العِطْر" ، التي تُعَدُّ مِنْ أكثر الرِّوايات مَبيعًا في ألمانيا في القَرْنِ العِشرين ، حَيْثُ تُرجمت إلى 48 لُغة ، وَبِيعَ مِنها 20 مليون نُسخة عَبْرَ العَالَمِ . كما يَرفض إجراءَ المُقابَلات الصَّحفية، والظُّهورَ الإعلاميَّ ، مِمَّا يُعَزِّز صُورته كشخصية انطوائية انعزالية لا تُحِبُّ الشُّهرةَ والأضواءَ الإعلامية والظُّهورَ العَلَنِيَّ .