|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  5  / 2 / 2017                                 حامد خيري الحيدر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

نبوءة الماضي
حكاية من خيال بلاد ما بين النهرين القديمة

حامد خيري الحيدر  *
(موقع الناس)

خرج (ميكاس) بسرعة من المنزل وقد ارتسمت على فمه ابتسامة عريضة تكشف عن بياض أسنانه، ولم يشعر إلا وصيحة والدته تلاحقه (أغلق باب البيت خلفك أيها الهيمان، هل انت الشاب الوحيد الذي سوف يتزوج؟).. نبهّته تلك الصيحة لسرحانه لكنه لم يرد بأية كلمة، فقط عاد أدراجه بهدوء متأفأفاً ليغلق الباب الخشبي الثقيل معيداً لنفسه الاتزان، ثم لينطلق مجدداً لإكمال باقي التحضيرات وشراء ما تبقى من تجهيزات ولوازم عرسه من حبيبته (تالا).. هكذا مرت الايام سريعاً لتقترب امنيته من التحقق، فبعد جهود كبيرة مضنية بذلها والده وشقيقاه، أعقبتها زيارات عدة لوالدته وشقيقاته الثلاثة بصحبة الكثير من الهدايا، أضافة الى وساطات العديد من المعارف دامت أكثر من عام كامل، وافق بعدها والدها ثقيل الدم من تزويجها إياه.. لم يتبق الكثير من الوقت فمساء اليوم يكون الحفل الكبير في باحة منزلهم، والذي دُعي اليه العديد من الأقارب والأصدقاء، وصبيحة يوم غد سيتم عقد الزواج في معبد (عشتار)، لذلك فقد غدت العائلة طيلة الاسبوع الماضي في حالة استنفار كامل لهذه المناسبة السعيدة، يوم زواج صغيرها ومُدللها الوسيم وآخر من تبقى منهم لاهياً بمراح العزوبية.

وبأوامر صارمة من الأب توزعت المسؤوليات والمهام على جميع أفراد الأسرة، لإتمام هذا الحدث المفرح بأحسن حال، بما يتناسب مع سمعة العائلة عند الناس ومكانتها بينهم، من تجهيز باحة البيت بالزينة والقناديل وبمقاعد ومناضد لضيافة المدعوين، وكذلك أعداد الاطعمة الشهية التي ستقدم لهم، من لحوم ضأن وطيور، ومن فواكه وفطائر محلاة بالسكر وأخرى محشوة بالتمر، أضافة الى جرار خمور التين والعنب وأنقعة الزبيب والسفرجل التي سترافق موائد الطعام.. والأهم من كل ذلك طبعاً اكمال تجهيزات العروس وهدايا عرسها، من ملابس وقناني عطور ومفروشات زاهية لغرفتها، أضافة الى الحلي الذهبية التي أشترط والدها أن يُلبسها (ميكاس) لعروسه عند أجراء مراسم عقد الزواج في المعبد، بعد أن غالى كثيراً فيها لغرض منح موافقته النهائية على هذا الزواج.. (لم يتبق شيء، الاتفاق مع فرقة العازفات ومنشدو التراتيل، إجراءات المعبد وأتعاب الكهنة، شراء متطلبات الحفل تجهيز البيت، توجيه الدعوات، كل التحضيرات تمت ولم يتبق سوى الخلطة التي أوصت بها الآلهة).. هكذا ظل يتمتم مع نفسه طيلة الطريق المؤدي الى سوق مدينة (أكد)، غير عابئ بنظرات الناس اليه وهم يهزون رؤوسهم عطفاً عليه معتقدين أنه مصاب بمس من الجنون، حتى أنه لم يبالي كثيراً بتحايا أصدقائه وتهنئة معارفه في يومه المبارك الموعود، ليرد عليها فقط بكلمات شكر باردة أو بإيماءة صغيرة من رأسه واشارة من كفه.

(هل جهزت الخلطة يا (أولاخ)؟ لم يتبقى شيء سواها).. هكذا سأل العطار الذي كلفه والده بأعداد الخلطة الخاصة التي أعتاد العرسان تناولها في ليلتهم الموعودة.. (مبارك، مبارك عرسك يا (ميكاس)، دقائق وكل شيء يجهز).. قليل من الفلفل الاسود والملح مع مسحوقي البصل والثوم المجففين، وشيء من القرنفل المطحون والزبيب مع قليل من العسلين الأسود والأبيض، مع نصف كأس من ماء الورد وشيء من مبروشيّ اللوز والجوز.. ثم أخذ العطار يحرك الخلطة ويدعكها بمهارة وينقلها مع كل أضافة من صحن فخاري الى آخر، محّدثاً إياه بذات الوقت عن فوائدها مع نصائح عن طريقة ووقت تعاطيها.. أخذ الخلطة الموضوعة في وعاء فخاري صغير بعد دفع ثمنها شيقلين من الفضة، مع تكرار تهنئة العطار وتشجيعه الذي أكدّ أنه سيكون في ليلة عرسه بمعونة ما أعدّه له ذلك الثور النطاح الفخور بفحولته، (كل شيء قد تم أذن ويوم غد سيكون أسهل بكثير مما قيل عنه ويقال).. بعد إكمال جولته واقتناء بقية حاجاته وبينما هو سائر في دربه حاملاً ما تبضعه سارحاً بأفكاره الخضراء، لفت نظره عند طارف السوق عدد من النسوة ومثلهن من الرجال، يحيطون بكاهن عجوز بدين حليق الوجه والرأس عاري الصدر، يجلس على مقعد خشبي ليقرأ الفأل ويصور لطالبيه وسائليه مكنونات طالعهم وما تخبئه قادم أيامهم.. وبشكل لا شعوري أخذت قدماه تقودانه نحو ذلك التجمع، ربما من باب الفضول أو رغبة بسماع بعض الحديث عن المستقبل، بعد أن ملّ جميع الناس واقع حياتهم المُزري الذي يعيشونه في مدينتهم (أكد).. (طفلك سيكون منحوساً حتى يموت).. (هذه البنت الصغيرة سيتزوجها أحد الأمراء، ويكون لها شأن في المستقبل)... (زوجتك يا هذا تخونك مع أحد أصدقائك المقربين).. هكذا ظل يستمع من بين الواقفين لما يقوله الكاهن، ممعناً النظر في شكله وهيئته وحركات جسمه وذراعيه التي لا تبدو غريبة عليه، مع أدوات عمله من قوارير وصحون صغيرة وعصي رفيعة ناعمة، مُصغياً الى نبرات صوته الأجش المميز.. قليل من الوقت ثم غادر المكان وقد شغلت الحيرة فكره (يا ترى أين رأيت هذا الكاهن، من المؤكد أني رأيته يوماً ما، لكن متى وأين؟.

وكما جاء الى السوق كان كذلك لدى عودته، مُتمتماً مع نفسه وأن كان بأمر آخر وشأن مختلف، لكنه ما لبث عند منتصف الطريق أن صرخ بصوت لافت ( أنجدني يا أنليل، أنه نفسه كاهن النحس ذاك)، ثم ملياً ملياً أخذ يتذكر سنين بعيدة مضت يساعده في استرجاع أحداثها صفاء مخيلته وخلوها من الهموم والاوصاب.. تذكر جيداً ذلك الكاهن وما قاله حينها له، رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على لقائه به، لتعود تفاصيل ذلك اللقاء البعيد كأنها حدثت يوم أمس فقط.. كان حينها صغيراً لا يتعدى الخامسة من العمر حين رآه ذلك الكاهن البدين يتمشى مع والده في سوق المدينة، فطلب منه أن يقرأ طالع ولده الصغير مقابل شيقل من الفضة.. وافق الوالد على مضض ليتخلص من الحاح الكاهن، فهو يعرف دجل الكهنة وريائهم الذي لا يعرف له حدود.. عندها سكب الكاهن بضع قطرات من زيت السمسم في صحن يحتوي قليل من الماء، ثم طلب من (ميكاس) أن يحركهما بسبابته الصغيرة ثلاث مرات وبشكل دائري.. سرعان ما تحركت قطرات الزيت في كل أتجاه من الصحن، لتشكل فيما بعد شكلاً غريباً على سطح الماء أخذ الكاهن ينضر اليه بتمعن.. ثم وجه كلامه الى والده معلناً رؤيته لما قدّرته الأيام لأبنه (سيكون أبنك أمنية جميع الفتيات، لجمال وجهه وروحه وحلاوة كلامه وعذوبة صوته التي يحسده عليه المنشدون، ويعيش مُنعّماً فرحاً مزهواً بخير والديه ومحبة أشقائه، ويغدو مثقفاً فصيح اللسان يقول الشعر ويتغنى بملاحم الآلهة، ويتحدث ويكتب السومرية والأكدية ولغات البلاد البعيدة بشكل يفوق كبار الكتبة، لكنه في يوم زواجه سيحدث له ما ليس في الحسبان فيسلب منه فرحته وفرحة عروسه).. عندها سحبه والده بشدة من يده مبتعداً عن الكاهن بعد أن رمى عليه شيقله مردداً (هذا الطالع مجرد سخافة، لنترك كاهن الشؤم هذا).

ظل (ميكاس) مصدوماً مشدوهاً بعد أن سرقت ابتسامته تلك النبوءة التي غابت عن مخيلة طيلة السنين الماضية، أذ لم تكن مخيلته لتستوعب حينها مضمونها وفحواها، حيث كانت بالنسبة الى سنه الصغير مجرد نكتة أو مزحة عابرة، قالها عجوز أخرق تناست في وقتها مع ضحكات الطفولة الحالمة.. لتعود اليه مجدداً بعد ظلت حبيسة في ذاكرة الأيام، لتذكره بها وبقرب تحقيقها في يومها الموعود، الذي حدده القدر المحال أن ينسى مساره وما كتبه على بني البشر.. ثم أخذت حسابات عقله المتضاربة الحائرة تتساءل عن أي أمر يمكنه أن يحدث لتسلب معه منه تلك الفرحة التي أنتظرها كل تلك الشهور والايام (تباً للكهنة الذين لم نسمع يوماً من كلامهم سوى الشؤم، ولم نرى من صورهم القبيحة ما يريح الصدور ألا مد الأيادي طلباً للفضة).. عند وصوله كان البيت يملئه الضجيج، تفوح منه روائح الطعام الزكية المطيبة بالتوابل، وأطفال أخوته وأخواته يتراكضون هنا وهناك في باحة البيت الواسعة مانحين إياه بهجة وسعادة، والنسوة بأشراف والدته قد توزعن لأداء مسؤولياتهن التي أنيطت بهن، بعضهن كن يواصلن تنظيف البيت وتنضيد المقاعد والمناضد في الباحة التي ستحتضن الليلة الموعودة، والأخريات قد شمّرن عن سواعدهن بأعداد الاطعمة وتجهيز ما يحتاجه حفل المساء.. كانت القيثارات مع باقي أدوات الموسيقى موضوعة في أحد الأركان بعد جلبها من المعبد تنتظر عازفيها التي سيحيون حفلة العرس.

أستغرب الجميع من وجوم وجهه وسرحانه وخفوت حيويته ونشاطه بعكس حاله صباحاً قبل ذهابه الى السوق، حياهم بصوت واطئ لا يكاد يُسمع والفرحة قد اختفت تماماً من محياه ثم دخل الى غرفته.. تباينت ردود فعل النسوة أتجاه هيئة (ميكاس) وغرابة صورته.. ثم أخذن يرددن أغنية للعرسان في يوم زواجهم (يوم أخير، يوم أخير، ويغدو العصفور أسير.. آخر ليلة وحيداً في غرفتي، بعدها يكون الحبيب فيها سمير).. ثم تواصل حديثهم (لعله يراجع قرار زواجه).. (معه حق، لم يتبق سوى ليلة واحدة يفارق بعدها حياة الحرية).. لتجيبهن زوجة شقيقه الأكبر المعروفة بطرافة لسانها (من المؤكد أنه يفكر كيف سينجز مهمة اللية الأولى يوم غد).. تعليقات وسخريات وتهكمات لا حصر لها أطلقتها النسوة وكأنهن أردن شيئاً يفرغن فيه ثُقل تعبهن.

أستلقى على سريره مطلقاً لتفكيره العنان.. يا ترى هل ستتحقق تلك النبوءة المشؤومة فعلاً؟ أم أنه غالى في تفكيره أكثر مما ينبغي، وأن ما سمعه ليس سوى خزعبلات وكلام فارغ ليس إلا.. (يا له من قدر أن أرى ذلك الكاهن بعد كل تلك السنين، كما لو أن الآلهة تريد تنبيهي الى قرب تحقيق تلك النبوءة لأستعد لملاقاة صدمتها).. بالفعل عند استرجاعه لمجريات حياته، فأن كل ما قاله ذلك الكاهن في نبوءته قد صدق تماماً، فقد عاش مُنعّماً مُدللاً وأمتلك بفضل والده من الثقافة ما فاق بها اشقائه وأقرانه من الشباب، كما أمتلك من الحُسن وعذوبة الصوت واللسان وجمال الحديث ما جعله على الدوام محط أنظار فتيات المدينة ومخططات أمهاتهم، أذن النبوءة حتماً في طريقها للتحقق.. ثم أخذت الأسئلة تتردد على فكره.. ماذا يمكن أن يحدث يوم غد؟ وأي أمر يمكن أن يكون ليسلبه فرحته المنتظرة؟.. هل يمكن أن يموت أبوه أو أمه مثلاً، بالطبع لا، فكلاهما بصحة ممتازة، حتى أن والده طيلة الأيام الماضية كان يمازحه بأنه ينوي الزواج بامرأة ثانية، وأنه يتمنى أن يُزف مع أبنه في ليلة واحدة، أما والدته فهي تستطيع طهو عشرين قدر طعام في يوم واحد، وبالنسبة لأشقائه فهم بأفضل حال ولا خوف بأن يختطفهم الجنود أو حراس العائلة المالكة، أذ كانوا دوماً لا علاقة لهم بأولئك الذين يقفون نداً للملك (سرجون) ويشهّرون بالسر والعلن بعدم شرعيته للحكم، وهم لا يفكرون سوى بأعمالهم ورعاية أسرهم، ماذا عسى أن يحدث أذن؟ هل يمكن أن يموت الملك (سرجون) نفسه فتلغى حفلات الأعراس، يا ليت أن يتم ذلك، وهي الأمنية التي طالما رددها جميع أبناء سومر وأكد... (يا للكارثة، أن يحدث شيء للحبيبة (تالا) نفسها).

نظر الى الجانب الآخر من سريره الذي سيضم حبيبته يوم غد، ثم مد يده تحت وسادته ليخرج سنبلة صغير منتفخة الحبيبات، نظر اليها ملياً، ليعود معها بذاكرته الى عام مضى حين التقى بحبيبته (تالا) أول مرة في معبد (عشتار) عند عيد الحصاد، حيث اعتادت العوائل أن تلتقي هناك لتحتفل بهذه المناسبة.. من نظرته الأولى لها ملكه سمارها الخمري الجذاب، وسحر سواد عينيها الواسعتين وابتسامتها الجميلة الصغيرة التي بدت كهلال أول الشهر، لترسم مع خصلات شعرها الطويل الفاحم الناعم المنسدل بعبثية كخيوط الحرير على كتفيها العاريين لوحة تأسر كل من يرنو اليها.. بادلته هي كذلك نفس النظرات، كيف لا وقد كان كل ما يملكه حَري بأن يُحب.. رجولته، شبابه، جمال روحه وحدة ذكائه الواضحة من عينيه الفراتيتين.. في ذلك اليوم القى قصيدة بصوته العذب تغنت بحب عذارى المدينة، مشبّهاً إياهن بسحر الالهة ودلالها، جعلت جميع الفتيات يذوبن في عشقه وأمنياتهن أن يكون من نصيبهن، لتنفذ (تالا) بجرأة غريبة من بين الجميع لتعطيه هذه السنبلة معلنة امتلاكها روحه وكيانه، كأنها (عشتار) حين سلبت قلب (تُموز).

أيقضه من شرود ذهنه صوت والدته وهي تدعوه الى طعام الغداء.. لم يتفوه بكلمة مع العائلة، كان الجميع يتضاحكون فرحين متمنين تسارع الساعات لتكتمل فرحة مُدلل العائلة، إلا هو الشارد بهمه الذي أمتلك فكره، حتى أنه لم يجب على استفسارات والده عن اكمال استعداداته لحفل المساء ومراسيم يوم غد، حتى فاجأهم بسؤال غريب لم يكن أحد بانتظاره (هل الجميع بخير؟).. رغم غرابة السؤال لكنهم أجابوه جميعاً بالإيجاب، ليعقب سؤاله بنبرة عالية (أرجوكم أن تأخذوا اليوم حذركم، وتنتبهوا جيداً لما تقومون به).. أصبح (ميكاس) في حيرة من أمره، هل يتمنى مع عائلته استعجال الوقت ليلتقي بحبيبته التي صبر كل تلك الشهور لتغدو نصفه الآخر الحلو، والتي معها سيكمل مشوار حياته؟ أم يدعو الآلهة أن توقف الزمن كي لا تكتمل تلك النبوءة الظالمة التي قدّرتها الآلهة عليه، فيحدث ذلك الشيء المجهول الذي يسلبه فرحة عمره؟ وهل يخبر عائلته بما يشعر به، خصوصاً والده الذي يبدو أنه نسى تلك نبوءة وصاحبها، ليشرك الجميع بما يشغل تفكيره؟ أم أن ذلك سيكون كفيلاً بسلب الفرحة من قلوب الجميع فتبتئس بالتالي ليلته الموعودة.

عند المساء وعلى أضواء القناديل الملونة اكتظت باحة الدار بالمدعوين، بعد أن رُصت بالمقاعد والمناضد التي امتلأت بصحون لذيذ الطعام وجرار النبيذ.. أخذت عازفات القيثارات يعزفن أشجى الأنغام، يرافقهن المنشدون مرتلين أعذب الأغاني ليتفاعل معها المدعوون بشكل كبير، مردديها خلفهم وهم يحتسون كؤوس البيرة والنبيذ ويُمتّعون أفواههم بتناول حلو التمور والأعناب.. الجميع كانوا فرحين تملئ قلوبهم البهجة، وكان والدا (ميكاس) يقفان عند باب الدار يستقبلان الضيوف وعلى أفواههم ابتسامة عرضة ودودة ترحيباً بالقادمين لمباركة زواج أبنهم.. ومع ارتفاع صدى الموسيقى دخل (ميكاس) مرتدياً ملابسه المزركشة الجميلة الى وسط الباحة وسط هتافات الجميع، ليأخذ مكانه بين رفاقه حيث بدا كأنه أمير يستعد لتولي عرشه، فالليلة ليلته والحفل حفله، فغدا محط أنظار جميع المحتفلين بطلته الجميلة وزينته الأنيقة وعطره الفواح، وسط حسد الشباب وحسرة العذارى اللواتي لم تستطيع شباكهن ودهاء أمهاتهن من إيقاعه في فخاخهن.

ورغم ابتسامة الفرح العريضة التي ارتسمت على شفتيه ومشاركته المدعوين بالغناء والحديث المفرح والمزاح، لكن صورة القلق وعدم الارتياح كانت بادية بوضوح عليه، لتفشل معها محاولته لإخفائها عن الجميع، مما جعلة فرصة للتندر ومزاح رفقته الشباب الذين ضنوا به أمراً آخر يشعر به العرسان في ليلة زواجهم، غير عالمين بحقيقة ما يشغل باله.. (لا تهتم يا (ميكاس) ستجري الأمور على ما يرام حتى دون أن تشعر).. (هذه الليلة عليك بالإكثار من التمر والتين، وعند الفجر تناول ثلاث كؤوس من حليب الغنم مع بعض الجوز وكل شيء سيكون على ما يرام).. (هذا ابتكار فاشل، لقد جربته في ليلة عرسي ولم يساعدني قط.. أسمع مني، عليك عند الفجر بتناول التمر والسمسم المقليان بزيت الزيتون، أن معه الضمان الأكيد).. حتى طفح الكيل به فأخبرهم لينهي احاديثهم السمجة عن ذلك بجلبه تلك الخلطة العجيبة التي لن يقف عندها شيء، مع ذلك أستمر الجميع بقفشاتهم كما أستمر المحتفلون بفرحهم حتى منتصف الليل، حيث غادروا المكان مكررين تهنئتهم للعريس ووالديه مع الوعد بحضورهم صبيحة الغد الى المعبد.. هجعت العائلة بعد انتهاء الحفل الى مخادعها فأمامهم عمل طويل يقتضي أنجازه منذ خيوط الفجر الأولى، حيث سيتوجه الجميع الى معبد (عشتار) لأجراء مراسيم الزواج هناك.. أغمضت عيون الجميع، ألا (ميكاس) وفكره وقلقه من ما سيحدث غداً، ليظل طوال الليل يرنو من شباك غرفته الصغير الى السماء يلتمس منها أن تعينه وأن لا تتحقق تلك النبوءة.

ما أن دخل (ميكاس) فخوراً مزهواً بزينته وقشابة هندامه مع عائلته عبر بوابة المعبد الكبيرة المهيبة، حتى بدا له كأنه يدخل عالماً آخر تسوده الرهبة والخشوع، ليستقبلاه كاهنان قاما بنحر حَملين عند قدميه احدهما أسود والآخر أبيض، كي يذهب معهما النحس وتبعد عنه الآلهة كل مقدرات الشر، والى جانبيه سار شقيقاه ليشدا من عزمه ورباطة جأشه، يرافقان مسيرته المتأنية البطيئة نحو المحراب حيث ينتصب هناك شامخاً تمثال (عشتار) العظيمة.. وعند أركان ساحة المعبد كن بعض الكاهنات يرددن بأصواتهن الرخيمة الجميلة التراتيل المقدسة المتفاخرة بحب الآلهة، وهن يعزفن على قيثارات جميلة مزينة برؤوس ثيران ذهبية.. والى جانبٍ ليس ببعيد كان يقف كذلك بعض الكهنة، يضربون بقوة ووفق نغم خاص ووتيرة محددة على طبول كبيرة، بهدف أفزاع الأرواح الشريرة وطردها بعيداً عن مراسيم العرس كي لا تشكل ازعاجاً للعروسين، كما توزعت على جانبي مسيرة (ميكاس) المتجهة نحو المحراب عدد من الكاهنات اليافعات الكاعبات، ينثرن أوراق الآس والأوراد البيضاء على موكب العريس جعلت دربه فواح بعبير زكي أخّاذ وهو يتقدم بخطاه الثابتة.. كل تلك الصور أضافة لشوقه لملاقاة حبيبته (تالا) كان كفيلاً بأن يجعل (ميكاس) ينسى كل شيء عن النبوءة وصاحبها وسبب قلقه طيلة اليوم الفائت، بعد أن تم كل شيء تقريباً دون أن يحدث ما يعكر صفو فرحته وينغّصها لتكون حبيبته اليوم الى جانبه.. (أنها مجرد خزعبلات وكلام فارغ لا أكثر، يا لي من غبي كيف يمكنني أن أصدق ذلك).

كان للمحراب حيث تمثال الإلهة (عشتار) المُبجلة والحركات الهادئة لكبار الكهنة، هيبة خاصة تفوق باقي أقسام المعبد بسكونه المطبق وعبق الروائح المُسكرة للنفوس من البخور وعطور الصندل التي تفوح منه، ليفرض على الجميع الصمت والسكون.. هناك كانت (تالا) تقف الى جانب والدها بثوب عرسها الأبيض الناصع، ساحرة الجميع بجمالها الأخاذ، حتى بدت بصورتها هذه كأنها حورية مبعوثة من عوالم الآلهة.. كانت رؤية (ميكاس) لحبيبته وهي تنظر اليه بعينيها اللاهفتين الواسعتين، قد جعله يتعثر بمشيته حتى كاد يسقط لولا شقيقاه، وسط بسمات الجميع.. وما أن لمس (ميكاس) يد (تالا) بعد أن قدمها له الكاهن حتى أرتجف جسمه كله، كانت ذات طراوة ورقة عجيبة، وكأنها قطعة من الزبدة أخذت تذوب مع حرارة جسده الآخذة بالارتفاع دون شعور، وبعد أن البس عروسه هدية عرسها الذهبية من قلائد وأساور وأقراط، رتل الكاهن بعض التراتيل الخاصة بصوت عالي وأخرى بصوت خافت، طلب من العروسين ترديدها خلفه عدة مرات، ثم ناول (ميكاس) كأس من الفخار احتوى نبيذاً أحمر، طالباً منه أن يسكب بضع قطرات منه على قدمي عروسه، ثم أعاد الكرة مع نبيذ أبيض، بعدها قدّم للعروسين جرة عطر صغيرة، جعلهما يستنشقان عبيرها، ثم سكب قطرات منها على رأس كل منهما.. بعد ذلك قام الكاهن بدعك جبهتي (ميكاس) و(تالا) بخليط من زيتي الزيتون والسمسم، ثم شبك كفيهما وربطهما بغصن رفيع من أغصان الزيتون، دلالة على بقائهما متحدين وأن لا تفرقهما مفارقات الدنيا أبد الدهر، ليرتل بصوت عالي هَز صداه جدران المحراب (عشتار العظيمة ستحفظكم وترعى حياتكم، عشتار الخالدة ستبارك ذريتكم وتنير دربكم)، فردد العروسان بعده بصوت عالي (مباركة أنت يا (عشتار)، مباركة أنت يا عظيمة الآلهة).. أعلن بعدها الكاهن أن (ميكاس) و(تالا) قد أصبحا زوجين وعلى جميع الحاضرين مباركتهما.. تعالت الهتافات في ساحة المعبد بعد خروج العروسين من المحراب المقدس متشابكي الأكف، ترافقهما حتى بوابة المعبد الأغاني والتراتيل ودعوات الأهل والضيوف الحاضرين وهم يرشون على رؤوسهم ماء الورد، وينثرون أمام خطواتهم حبوب الأرز والقمح، كي تكون أيامهم مليئة بالخير والمحبة.
ما أن خرج العروسان ومحتفليهم من المعبد حتى تغير كل شيء، حيث كانت المدينة تعيش حال آخر لم يشاهدوها به عند دخولهم، حركة غير اعتيادية لم تُعرف أسبابها، عربات عديدة تجرها الحمير تقف على جانبي الطريق، عند كل واحدة منها يقف حارسان بسيوف طويلة لامعة، وفي كل عربة حُشر العديد من الشباب، جنود مدججين بالسلاح ينتشرون في الطرقات والأزقة يدققون في وجوه جميع المارة.. تفرق المدعوون بسرعة مخافة ما يحدث بعد أن أفقدهم ذلك الفرحة والابتسامة.. اصاب الخوف قلب (تالا) فاحتضنت ذراع عريسها الحائر كالآخرين بما يجري، ليعاوده في تلك اللحظة استذكار نبوءة الماضي المشؤومة (تباً للقدر، أنها النبوءة)، وكقطيع من الذئاب احاط عدد من الجنود (ميكاس) سائلين إياه عن عمره، وبعد أجابتهم بأنه أبن الخامسة والعشرين، رد أحد الجنود الذي بدا أعلى رتبة من الباقين (أذن سنأخذك معنا، أنت من ضمن الأعمار المطلوبة).. أصاب الذهول والدي (ميكاس) وأشقائه فلم يستطيعوا قول شيء وهم يرون حال أبنهم وعروسه التي تلبساها الحزن.. فقط تجرأ والد (تالا) فسأل ذلك الجندي عن السبب، أذ أن صهره لم يرتكب جريمة أو يخالف أياً من النظم والضوابط، وأنه للتو قد أنهى مراسيم زواجه في المعبد.. ليجيبه بصلافة (جميع من في العربات كذلك لم يفعلوا شيء، لكن ألم تسمعوا بالخبر؟ لقد أعلن اليوم ملكنا العظيم (سرجون) الحرب على بلاد عيلام، وأمر بتجنيد جميع شباب المملكة لقتال الأعداء، ليؤجل زواجه حتى تنتهي الحرب، ما أغرب ذلك، البلاد مهددة بالخطر وأنتم تزوجون أبنائكم)... ثم وجه كلامه الى جنوده (هيا خذوا هذا الشاب وضعوه في العربة الثالثة، أن فيها مكاناً يتسع لبضعة شباب أخر، لازلنا بحاجة للمزيد).

لم يعد (ميكاس) يقوى على الكلام أو الرد إزاء الذي يحصل له عقب موت زهرة فرحته لحظة ولادتها، بعد أن سحقتها لعنة الحروب وهمجية صنّاعها، ليلتفت الى عروسه الغريقة بدموعها قائلاً لها بلسان متلعثم (أنها النبوءة قد تحققت أخيراً يا (تالا)، نبوءة القدر الاعمى التي انتظرني كل تلك السنين).. لم يفهم الجميع ما قاله وعن أي نبوءة يتحدث، فقط تابعت نظراتهم الجنود وهم يركبوه الى جانب بقية الشباب في العربة.. لتسير العربات الواحدة تلو الأخرى مثل طابور الجنائز، حاملة أولئك المبتلين بجنون وعبثية الملوك الى قدرهم المجهول.. أخذ ينظر مع سير العربة وابتعاده شيئاً فشيئاً الى عروسه الكسيرة القلب وأهله الحائرين، ثم التفت الى باقي الشباب في العربة وقد بدت عيونهم تقدح منها نظرات الغيض والكره، سائلاً نفسه (اللعنة، هل هؤلاء جميعاً قد تنبأ بمصيرهم ذلك الكاهن المشؤوم؟)، ثم نسي نفسه فردد بصوت مسموع (عسى أن تحرقك الآلهة يا (سرجون)، عساها أن تحرقك)، ليباغته أحد حارسي العربة بسرعة (ماذا قلت يا هذا؟).. تلافى هفوته بسرعة ليقول (لا شيء لا شيء، كنت أقول عسى أن تحمي الآلهة ملكنا العظيم (سرجون) وتنصره على أعدائه).. قال ذلك ثم أدار وجهه الى خارج العربة وبصق في الهواء بشدة مردداً كلمات غير مفهومة.


أكد ..... وتسمى أحياناً في بعض الكتابات (أكًادة)، هي عاصمة الامبراطورية الأكدية التي أسسها الملك (سرجون الأكدي) عام 2371 ق.م والتي كانت أول امبراطورية في التاريخ... لم يحدد موقع بقاياها حتى الآن، لكن الكتابات المسمارية تشير الى أنها تقع في منطقة ما بين بلدة المحمودية ومدينة الحلة... وهناك رأي آخر يقضي بأنها تقع في الطبقات السفلى من مدينة بابل.

أنليل .... إله الهواء لدى سكان بلاد ما بين النهرين، معنى الاسم في اللغة السومرية (سيد الهواء)، يعتبر أقوى الآلهة وزعيمها، مقره مدينة (نيبور) أو (نفر).

تموز .... أو (دوموزي) كما يقرأ في اللغة السومرية ويعني الاسم (الأبن البار)... هو إله الخصب والنماء في المعتقدات الدينية السومرية.... أتخذ منه رمزاً لتعاقب الفصول وتبدل تناقضات الحياة من موت وحياة، فرح وحزن، قحط ورخاء.... حيث بينت تلك المعتقدات أن هذا الإله يُختطف من قبل عفاريت الظلام في فصل الخريف ليسجن في العالم الأسفل (عالم الموت) نصف عام كامل، يصيب الارض خلالها القحط والجدب وترتسم على وجوه البشر الاحزان والآلام... ليخرج بعدها في فصل الربيع معيداً للحياة رونقها وخضرتها من جديد.

الثور النطاح .... لقب مستخدم كثيراً في الادبيات السومرية، يتفاخر به الملوك والأبطال لدلالته على القوة والبأس والخصوبة، وهو أحد القاب الملك (كًلكًامش)، الباحث عن الخلود وبطل الملحمة الخالدة.

سرجون .... الملك الأكدي القوي، والذي عُرف بـ(سرجون الأكدي).. تمكن من ضم جميع المدن السومرية تحت سيطرته، منهياً حقبة زمنية كاملة من تاريخ بلاد ما بين النهرين عرفت باسم (عصر فجر السلالات السومرية)، شن حروباً على كل البلاد المجاورة ليؤسس من خلالها أول امبراطورية في التاريخ، امتدت من البحر المتوسط وحتى الخليج العربي لقب نفسه على أثرها (ملك الجهات الاربعة).. حكم للفترة من 2371_2326 ق.م.. وتشير كتاباته أنه كان لقيطاً مجهول الأب، وضعته والدته في سلة من الخوص والقته في النهر للتخلص من فضيحته، في حادثة مشابهة كثيراً لقصة النبي موسى.

عشتار .... الاسم الأكدي لإلهة الحب والحرب في معتقدات بلاد ما بين النهرين.. تقابلها في السومرية (أينانا) أي (سيدة السماء).. انتقلت عبادتها الى العديد من بلدان العالم القديم، ففي اليونان سميت (أفروديت) ثم (أثينا)، كما اسماها الرومان (فينوس).. وهي أبنة إله السماء (آنو) ومقرها في مدينة (أوروك)... اتخذت من كوكب الزهرة رمزاً لها... عرفت في المعتقدات السومرية بحبها وزواجها من إله الخصب والنماء (تُموز)، وكان من شأن هذا الزواج جلب الخير ولازدهار الى الأرض.

 

* باحث آثاري

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter