|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  2  / 7 / 2022                                 حامد خيري الحيدر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

البيت العراقي القديم
القسم الثاني

حامد خيري الحيدر  *
(موقع الناس)

بعد ما تقدم من طرح ووصف وتفصيل عن عمارة وتصميم البيت العراقي القديم في القسم الأول، حتماً سيتوارد الى الذهن عدة تساؤلات، منها.. كيف كانت العائلة العراقية القديمة تعيش بين جدرانه؟ وماهي احتياجاتها ومتطلباتها؟ وماهي وسائلها وادواتها اليومية للعيش ومواصلة الحياة فيه؟ ويمكن القول في ذلك بأن بيت ذلك الزمان كما في يومنا هذا قد احتوى على العديد من المُستلزمات الهامة والضرورية التي تحتاجها العائلة من أجل ديمومة حياتها وتنظيم واقعها المعاشي، من طعام وأثاث ولوازم أخرى تكتمل معها وتستمر بواسطتها ديناميكيتها التفاعلية داخل البيت أولاً ثم مع المجتمع الذي تعيش ضمن أطاره، وبالطبع فأن هذه الاحتياجات كانت تختلف من فترة لأخرى ومن عائلة لثانية، حسب الحالة الاقتصادية والوضع الاجتماعي والذوق العام وطبيعة المهنة التي يحترفها رب أو أرباب العائلة، لتكون بعض هذه الاحتياجات ضرورية وأساسية لديمومة وتمشية أمور الحياة اليومية، وأخرى كمالية جمالية يُحددها مَدى ثقافة أفراد العائلة ومزاجهم الشخصي.

ومن المفيد ذكره في هذا الجانب أن تنظيم الحياة داخل البيت العراقي القديم كان يقع بشكل كامل على الزوجة ربة العائلة مع بناتها، باعتبار الزوج يكون مع اولاده مشغولاً في عمله من الصباح حتى المساء، لذلك كانت تناط بها مهمة توفير التجهيزات المنزلية بما يحتاجه من متطلبات أساسية وكمالية، وترتيب الديكورات الخاصة بحجرات وغرف أفراد العائلة، أي أن مظهر البيت وشكل واقعه كان يعكس بكل تأكيد كما في كل زمان ومكان ذوق الزوجة ومدى ثقافتها وتنظيمها ومهارتها في إدارة شؤون البيت المختلفة، وفي ذلك ورد المثل البابلي الطريف... (الزوجة المُدبّرة خير في البيت والزوجة المُبذّرة شَر في البيت)، أما في بيوت الطبقات الثرية أو القصور، كان هذا الأمر يُدار من قبل أشخاص مُتخصصين بهذا العمل، يكون تحت أمرتهم مجموعة من الخدم والعبيد المدربين على تنفيذ أعمال الخدمة البيتية المختلفة.

وحيث أن الكثير من المواد التي كانت تحتاجها العائلة العراقية القديمة داخل بيتها لم تصل إلينا بسبب قابلية مادة صنعها على النقل أو التلف مثل الأخشاب والجلود والمنسوجات، لذلك فأن معرفتنا بها تَستند على ثلاثة مصادر أساسية، تأتي في مقدمتها ما كشفته التنقيبات ضمن المواقع الأثرية من لقى متنوعة الأغراض والاستعمال داخل البيوت، استطاعت الصمود بوجه الزمن وعوامل الطبيعة والوصول إلينا، أما المصدر الثاني هو ما بينته المنحوتات والرسوم المُنفذة على جدران الأبنية، وكذلك على الأواني والتحف الفنية من فخارية وحجرية ومعدنية بالإضافة الى صور الأختام الأسطوانية، والتي أمكن من خلالها تَمييز طرزها وأنواعها وشكل الزخارف والتزيينات المنفذة عليها وأساليب صنعها، ثم تأتي الكتابات المسمارية كمصدر ثالث في هذا الجانب حيث وَردت فيها تفاصيل دقيقة عنها من ناحية الأسماء والاستخدامات وطبيعة المادة وطريقة الصنع.

يأتي الطعام في مقدمة الاحتياجات الأساسية في حياة العائلة العراقية القديمة، والذي يتطلب توفره الدائم في بيتها سَعي وكدح افرادها الدؤوب مع الحياة، ومن خلال تتبع التطورات المتسارعة التي طرأت على المجتمع الرافديني بعد تثبيت أركان مدنيته في أواسط الألف الرابع قبا الميلاد، نرى بأن الطعام الذي سُميَّ بالأكدية بمفهومه العام "كورماتو" أو "كوروماتو"، قد نال حصته من ذلك التطور أسوة ببقية النواحي الحياتية والثقافية الاخرى، حيث لوحظ تنوع أنواعه وتعدد وتفنن أساليب إعداده وتقديمه، بما يتلاءم مع المُتغيّرات التي حدثت في الحياة الجديدة، ليغدو مع تتابع الوقت جزءاً من التقاليد والعادات السائدة ومُكملاً لممارساتها الاجتماعية كالأفراح والاحزان والاعياد وبقية المناسبات الاخرى، وكان من أهم العوامل التي تحكمّت بنوعية وطبيعته الأطعمة والمأكولات آنذاك، هما المُستوى الاقتصادي للعائلة والبيئة الجغرافية التي تعيش فيها بما يُمكن أن تُقدمه وتوفره من مواده الأولية نباتية كانت أم حيوانية.

وهناك جانبان يمكن من خلال تسليط الضوء عليهما أن نُكوّن فكرة عامة على طبيعة الطعام الذي عَرفته وطهته العوائل العراقية القديمة، أولهما ما يَخصّ عِدة تخزينه ولوازم أعداده وتحضيره وكذلك أدوات تقديمه، أما الآخر فهو أنوع الأطعمة وأشكالها ومكوناتها الأساسية وطرق طهوها.

بالنسبة للجانب الأول فانه يتمثل أولاً بالجرار الكبيرة والحِباب الفخارية التي تستخدم لخزن السوائل، من خَلٍ وخمور وأنقعة وزيوت ومياه شُرب، بالإضافة الى الأزقاق الجلدية التي استخدمت لهذا الغرض أيضاً والتي وَردت بالأكدية بصيغة "زقو"، كما استخدمت جرار فخارية أصغر استخدمت لحفظ الحليب أو المنتجات المُحلاة مثل المُربيات أو العسل الذي وَرَد بالسومرية بصيغة "لال" وبالأكدية "دشبو" القريبة من كلمة "الدبس" العربية التي وَرَدت بدورها بالسومرية بصيغة "لال زولوم ما" وبالأكدية " دشبو شا سولومبي" وكِلاهما تعنيان "عسل التمر"، وكذلك الحبوب المختلفة وانواع البقوليات بعد تجفيفها، كما استخدمت لغرض الحفظ أيضاً السِلال المَنسوجة من الخوص أو القصب أو الجريد، لحفظ الخضروات والفواكه الطازجة، أما تلك المُخصصة منها للثمار المجففة مثل التمر والتين والمشمش، فقد كان باطنها يُطلى بطبقة رقيقة من القار لمَنع تسرب الرطوبة إليها.

كما كانت لوازم إعداد الطعام تَمتاز بأنها سَميكة وسَمِجة الصنع وخالية من الألوان أو الزخارف المنقوشة، وتتمثل أولاً برحيّ الطحن والهَواوين والمَجارش والمَدقّات التي كانت تُصنع من الحجر بأحجام متنوعة حسب الحاجة، وقد خُصصت بشكل رئيسي للتعامل مع أنواع الحبوب، ثم تأتي مُعدّات الطهو من طبخ وقلي وشواء، مثل القدور التي وردت بالأكدية بصيغة "دقرو" وكذلك الطاوات والمصافي ومناقل الشَي، والتي كانت تُصنع بأشكال مختلفة من الفخار أو من معدني النحاس والبرونز، يُضاف إليها الأدوات الأخرى مثل الكفاكير والمَغارف التي تُصنع كذلك من الفخار أو الخشب، والسكاكين وأسياخ الشوي التي تُصنع عادة من البرونز، في حين كانت أدوات المائدة وتقديم الطعام المُتمثلة بأنواع الصحون والطاسات الصغيرة والأقداح وأباريق المياه والخمور والحليب تُصنع أيضاً من الفخار لكن بشكل آخر، حيث أنها كانت رشيقة الشكل تعلوها مَسحة جمالية مُميزة إذ تكون أحياناً ملونة أو منقوشة بزخارف متنوعة، أما أدوات الأكل مثل المعالق التي كانت تُسمى الواحدة منها بالأكدية "إتفورو" وكذلك الشوكات فقد كان يتم صنعها من الفخار أو الخشب أو العظام أو البرونز، ومن الطريف ذكره في هذا الجانب أن غسل وتنظيف أواني الطبخ والمائدة بعد الاستخدام كان يتم في أناء فخاري كبير ورد بالأكدية بصيغة "لخنو" التي هي أصل كلمة "لكَن" الدالة على نفس المعنى ضمن المفردات العراقية الدارجة، وكذلك الإناء المخُصص لغسل الخضروات قد ورد أسمه بالأكدية بصيغة "أكَانو" وهي أصل كلمة "أجانة" العربية الدالة على نفس المعنى، والتي وردت ضمن المفردات العراقية الدارجة بصيغة "أنجانة".

أما ما يخص الجانب الثاني فأن النصوص المسمارية قد أمدتنا بالعديد من أسماء الأطعمة وأنواعها، ومنها يمكن أن نَستشف بشكل عام بأن تناول اللحوم كان محدود للغاية ويقتصر على البيوت المَيسورة بسبب ارتفاع قيمتها، أما عموم العوائل فتتناولها خلال أيام الأعياد والمناسبات وكذلك عند أوقات معينة من السنة، لذلك كان ميل عموم أهل الرافدين يتجه نحو المواد النباتية في طعامهم، وفي مقدمتها الحبوب مثل الشعير الذي ورد بالأكدية بصيغة "شيئو" والحنطة التي ورد أسمها بالأكدية بشكل "أوتيتو" والقمح الذي ورد بالأكدية بصيغة "قيمو" والسمسم الذي ورد بالأكدية بصيغة "شمشمّو" وبالسومرية "شي كَش يا" والماش الذي ورد بالأكدية بصيغة "أموشو" المأخوذة بدورها من التسمية السومرية "أموش"، بالإضافة الى الذرة والعدس والدُخن والشوفان، وكانت هذه الحبوب تُطبخ أما بشكل عَصائد أو أحسية أو مَراق، وكذلك البقوليات مثل الحمص الذي ورد بالأكدية بصيغة "خماشو" والباقلاء والبازلاء واللوبياء التي وَرَدت بالأكدية بصيغة "لوبو" المأخوذة من التسمية السومرية "لوأوب"، حيث يتم طهوها غالباً بطريقة السَلق مع بعض الخضروات الأخرى، أما وهي طازجة أو بعد تجفيفها لغرض الخزن لمواسم أخرى قادمة.

ثم تأتي الخضروات لتكون المادة الأساسية الثانية التي لا غنى عنها تقريباً في أي وجبة طعام تَعدّها العائلة العراقية القديمة، والتي كان يتم طهوها أما بشكل مَراق متنوعة المذاقات أو تُحضّر بهيئة أطباق سلطات مُكمّلة لوجبة الطعام، وكان من أهم الخضروات الطماطم والباذنجان والجَزَر والبطاطا، بالإضافة الى أنواع أخرى وردت أسماءها باللغتين السومرية والأكدية بصيغ مشابهة للغة العربية، مثل البَصل الذي ورد بصيغته الأكدية "بَصرو" والثوم الذي ورَد بالأكدية بصيغة "شومو" وبالسومرية "تينتو" وتعني في الاثنتين "بصل البستان"، وكذلك الخيار الذي ورد بالسومرية بصيغة "أوكوش" وبالأكدية بصيغة "قشّو" القريبة من كلمة "قثاء"، والفجل الذي ورد في الأكدية بصيغة "بوكَلو"، والكراث الذي أطلق عليه بالسومرية أسم "كُراش"، وأيضاً الخَس وقد ورد بالأكدية بصيغة "خَسّو" المأخوذة من التسمية السومرية "خي أي سا" والجرجير الذي ورد بالأكدية بصيغة "كَينكَيرو"، والرشّاد وقد ورد بالأكدية باسم "ساخلوم" وبالسومرية "زاخيلي"، والشَمندر الذي ورد بالسومرية باسم "سومندار"، والنعناع الذي ورد بالأكدية بصيغة "نأنأو"، وأيضاً السِلق الذي ذُكر بالأكدية بنفس الصيغة تقرباُ "سِلقو".

كما ويُعدّ الخبز المادة الرئيسية في مائدة العائلة لذلك سُميَّ بالأكدية "أكالو" أي بنفس مصطلح عملية تناول الطعام "الأكل"، وكان يُنتج أما من طحين الشعير أو الحنطة أو الذرة، ويتم خبزه بشكل أقراص دائرية حتى ينضج في تنانير أسطوانية الشكل ارتفاعها بحدود متر واحد، تُشعل نيرانها بالحطب، علماً أن كلمة "تنور" العربية قد وردت بنفس صيغتها تقريباً بالأكدية" بشكل "تنورو" والمأخوذة بدورها من الكلمة السومرية "تورونا"، أما خبز البيوت الفقيرة والبسيطة فكان بشكلٍ فطير يُخبز من طحين الشعير على صاجات صغيرة ترتفع قليلاً عن الأرض، يتم تهيئتها من اللِبن وتُشعل النار فيها بقطع القصب أو روث الحيوانات، وفي فترة متأخرة نسبياً أي بحدود الألف الأول قبل الميلاد انتشرت زراعة الشِلب في الأقسام الجنوبية من وادي الرافدين قادمةً من الصين غالباً، ليُصنع منه حينها الخبز المعمول من طحين الأرز وبطريقة تُشابه الى حدٍ كبير تلك المعروفة في جنوب العراق والمُسمّاة بخُبزّي "الرصّاع" و"السيّاح" الذي ورد بالأكدية بصيغة مشابهة تقريباً هي "ساه" أو "ساهو".

وفيما يتعلق الأمر باللحوم فقد اعتبرت الحيوانات الداجنة المصدر الرئيسي للطعام، خاصة الطيور المائية مثل البَط والبَش والإوَز، التي وردت بنفس صيغتها تقريباً بالأكدية "بُطّو"، "بُشّو"، "أوزو"، والمأخوذة مُسمّياتها الثلاثة أصلاً من السومرية بصيّغ "بوسو"، "بورأش"، "أوز"، أما الدجاج فلم يعرفه ويُدّجنه العراقيين القدماء إلا متأخراً في حدود الألف الأول قبل الميلاد، وبعكس ذلك كانت لحوم الاغنام والابقار قليلة للغاية وأقتصر تناولها على العوائل الثرية، أما العوائل البسيطة فقد استعاضت عنها بلحوم الخنازير، التي شكلت قسماً مُهماً من طعامها لمحدودية تكاليف تربيتها، أما الحيوانات البرية التي يتم اصطيادها كالغزلان والارانب فكانت مائدتها مُقتصرة على سُكان ضواحي المدن، وأيضا العوائل الحاكمة والاثرياء عند التسلية والاستجمام، وفي هذا الجانب لابد من الإشارة الى روعة مَشاهد الصيد التي صَوَّرتها المنحوتات البارزة الاشورية بمُنتهى الجمال والتعبير والإبداع.

وكانت تُعدّ وجبات اللحوم في الغالب أما بطريقة القلي التي تُسمى بالأكدية "قليتو"، وتَتم أما بالدهون والشحوم الحيوانية أو بالزيوت النباتية مثل السمسم والذرة والكتان والزيتون، أو الشوي بواسطة الأسياخ بعد تقطيعها الى قطع صغيرة على المناقل المعمولة من الحجر أو الفخار، أو أن تُطبخ بالطريقة التقليدية سلقاً مع الخضروات، كما أوجَدت العائلة العراقية القديمة العديد من الأكلات المُميزة المُعدّة من اللحوم، والتي تحتاج الى مهارة وخبرة خاصة اشتهرت بإعدادها المناطق الشمالية من وادي الرافدين حصراً منذ تلك الأيام وحتى الوقت الحاضر، منها أكلة "الكبة " التي وردت هي الأخرى بالأكدية بعدة صيّغ مُقاربة للعربية هي "كبّو" و"كبّاتو" و"كبّيتو"، بمكوناتها المعروفة من اللحم المفروم والبرغل الذي وَرَد بالأكدية بأسم "قيمو خشلو" أي "القمح المَجروش"، بالإضافة الى أكلات عديدة أخرى كان يتم إعدادها من اللحوم المُجففة التي يتم تخزينها في جرار فخارية بعد تَمليحها وتَتبيلها بطرق خاصة لمَنعها من التعفّن، ليُطهى منها أكلة مُميزة لازالت تُعّد عند أهالي مدينة الموصل تُعرف باسم "قلية".

كما اعتبرت الأسماك باختلاف أنواعها الطعام المفضل والأساسي لجميع العوائل العراقية القديمة بغضّ النظر عن مستوياتها الاقتصادية أو الاجتماعية حيث كانت وجباتها تَحظى بشعبية واسعة، ويرجع السبب في ذلك الى وفرتها في الأنهار والجداول القريبة من البيوت، مما جعل صيدها سهل مُباح للجميع دون أية قيود أما بواسطة الشِباك أو السَنانير، مما أضفى عليها مع مرور الزمن طابع من القدسية الدينية ارتبطت بشكل خاص بالإله "أينكي" إله الأرض والمياه العذبة السومري، وكانت وجباتها تُعّد أما بطريقة الشواء على الصاجات أو بشكل مَرَق يُطبخ بعد إضافة الطماطم والبصل والثوم إليه مع بعض الفواكه المُجففة مثل المشمش والعنجاص لمنحه طعم حامضي مُميّز، كما كان يتم أيضاً تجفيف الأسماك لغرض حفظها لمواسم قادمة ثم يتم أعدادها بطريقة الطبخ مع الخضروات، وهذه الأكلة لازالت معروفة أيضاً في مناطق جنوب العراق باسم "مَسموطة"، ومن طريف ما طرحه بعض الباحثين الغربيين في هذا الجانب أن سر ذكاء شعب الرافدين على مدى التاريخ وخاصة السومريون هو كثرة تناولهم للحوم الأسماك.

وطبعاً كان لابد لهذه الأكلات من مُطيبّات للطعم والرائحة تُضيف إليها نكهات مُميزة لتزيد من جودة مذاقها وشهية تناولها، لذلك اضيفت إليها بعض التوابل والمُشهيات الخاصة، كان بعضها مُتوفرة ومُعّدة مَحلياُ وأخرى كانت تُجلب من مناطق بعيدة مثل وادي السند أو بلدان الخليج العربي ممثل "دِلمون" و"مَكَان"، ومن هذه المواد الملح والقرنفل والدارسين والحبة السوداء والخَردل الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "خردلو" وبالسومرية "خارخار"، وكذلك الكموّن والكركم والسمّاق التي وَرَدت أسمائها بالأكدية بصيغة مقاربة للعربية هي "كمونو"، "كركنو"، "سومّاقو"، بالإضافة الى أوراق الغار الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "غيرو" والزعتر الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "زعترو" والكزبرة التي وَرَدت بالأكدية بصيغة "كسيبُرو"، وأيضاً الزعفران الذي وَرَد بالأكدية باسم "آزوبُرانو" ويعني "عشب الجبل البستاني"، من جانب آخر وبسبب معرفة العراقيون القدماء بشكل مُبّكر بمادة "الخل" وتوفر مختلف أنواع الخضروات فقد أقبلوا على أنتاج المُخلّلات بأشكال ومَذاقات ونكهات عدة بعد إضافة خلطات خاصة من المُطيبات والتوابل إليها، وكان من أهم عناصرها وموادها الأساسية الخيار واللفت واللهانة والشَمَندر والزيتون، ومن الطريف في ذلك هو أن المُخللات كانت تُكبس وتُخزّن في جرار متوسطة الحجم ذات شكل مغزلي خاص، سُميَّت بالسومرية "بسان دوكَا" وبالأكدية "بسان تكَو" والتي تُعدّ أصل كلمة "بستوكَة" التي لا زالت متداولة ضمن المفردات العراقية الدارجة.

من جانبٍ آخر كانت الفواكه باختلاف أنواعها ومصادرها تُعّد من المواد المُكمّلة لمائدة العائلة، لكنها ظلت ثانوية الطلب وبعيدة عن عموم الناس بسبب قلتها وارتفاع قيمتها وخاصة الحمضيات منها، لذلك ظل تناولها حِكراً على العوائل المُترفة والثرية، أو خلال الأعياد والمناسبات، لذلك كانت توضع ضمن الموائد بشكل مُنسّق في أواني مُميزة جميلة الشكل تتمثل بصحون واسعة لها مسند رشيق مخروطي الشكل كانت قد انتشرت صناعتها عند الألف الثالث قبل الميلاد.

ويُعتبر التمر في مقدمة الفواكه التي حَظيّت بشعبية واسعة بين مختلف شرائح المجتمع الرافديني غنيّها وفقيرها، بسبب مذاقه الحلو وقابليته على البقاء أو الخزن لفترات طويلة، وقد وَرَد أسمه بالأكدية بصيغة "سولوبو" المأخوذة من التسمية السومرية "زولوم"، كما كان "الجمّار" أي لُب النخلة من الأطعمة الشائعة والمحببة لدى العراقيين القدماء وقد ورد بالسومرية بصيغة مُشابهة للعربية هي "كَيشمار" علماً أن هذه التسمية كانت تدل بالأكدية على النخلة كذلك حيث وَرَدت فيها بصيغة "كَشمارو"، ومن الفواكه المعروفة أنواع الأعناب وكذلك الرمان الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "أرمانو" أو "نورمو" المأخوذة من التسمية السومرية "نورأورما"، والسفرجل الذي وَرَد بالأكدية بشكل "سبركَلو" الذي كان يُقدّم بشكل خاص كقرابين للآلهة في معابدها، وكذلك التين الذي وَرَد في الأكدية بأسم "تينو" أو "تيتو"، والعرموط أو الكمثرى وقد وَرَد بالأكدية "كمشّرو" وبالسومرية "خَشخُر"، والخوخ أو الدُراق الذي وَرَد بالأكدية بالصيغتين "خخّو" و"درقو" والثانية مأخوذة حتماً من التسمية السومرية "دارواك"، وكانت الفواكه بالإضافة الى تناولها بشكل طازج فأنه يُصار الى تجفيف العديد من أنواعها لغرض تناولها في مواسم قادمة وخاصة الشتاء أو لإضافتها مع طبخات خاصة لتحسين طعمها، مثل الأعناب والتمور المشمش والعنجاص والتين، كما شَكلّ قسماً من أنواع الفواكه المادة الأساسية في العديد من المُنتجات الغذائية التي تصنعها العائلة داخل بيتها أو المُزارعين داخل أراضيهم، ومن أهمها المُربيات ودبس التمر والخمور.

وعُدّت الألبان بمشتقاتها المختلفة من الأطعمة الأساسية في مائدة العائلة الرافدينية منذ فترة مبكرة للغاية، ترافقت مع بدايات عملية تدجين الحيوانات خلال فترة العصر الحجري الحديث، ثم لتغدو تربية الحيوانات الدارة للحليب مثل الأبقار والأغنام والماعز وكذلك الجاموس من المتطلبات الأساسية في البيت العراقي القديم، وقد ورد الحليب بالأكدية بصيغة "شيزبو"، وبسبب قابليته السريعة على التلف فقد تم تصنيعه بعدة أشكال تكون لها القابلية للبقاء فترة أطول، وذلك حسب كثافة الحليب ونسبة الدَسَم أو الملوحة أو الطعم السكري فيه، منها الخفق والغلي والتجفيف مع إضافة بعض المُطيّبات عليه، ومن أمثلة مُنتجات الألبان مادة الجبن الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "كَبنتو"، وكذلك الزبد واللبن الخاثر والقيمر الذي كان يُصنع بشكل خاص من حليب الجاموس، وكانت صناعة الألبان حالة رائجة للغاية تتم غالباً في البيوت ضمن أطار العائلة، لبساطة المهارة التي تتطلبها إضافة الى توفر أماكن حفظها في الأقبية، لكن في حالات كثيرة أخرى كانت تتم في مشاغل خاصة بعضها داخل أبنية المعابد وتحت أشرافها، وقد استخدمت لحفظ وانتاج الألبان جرار وأحواض وأواني فخارية خاصة متنوعة القياسات، كما استعملت أيضاً لهذا الغرض القِرب الجلدية وثمار نبات اليقطين الكبيرة المُجففة، وهنا لابد من الإشارة أيضاً الى المنحوتة المُعبّرة المَعمولة بأسلوب التطعيم والعائدة الى الألف الثالث قبل الميلاد، التي عُثر عليها في أحد معابد موقع "تل العُبيد"، حيث تُصوّر أحد مشاغل أنتاج الألبان في جنوب وادي الرافدين، مُبينة مشهداً متسلسلاً لعملية تصنيعها من قبل رجال مُحترفين، تبدأ من مرحلة حلب الابقار في الحضائر، ثم معاملة الحليب في أوعية كبيرة خاصة لغرض إنتاج مختلف مشتقاته.

كما كان هناك أطعمة خاصة يتم تناولها بشكل مُحدود مثل عسل النحل ودبس التمر وأنواع المُربيات، وكذلك المُكسّرات التي كانت تُجلب من المناطق الجبلية في شمال وادي الرافدين أو بلاد عيلام، مثل الجوز والفستق والبلوط الذي وَرَد بالأكدية بصيغة "بيلُط" أو "بيلُطو"، إضافة الى أطعمة أخرى تتناولها العائلة خلال المناسبات الدينية وأيام الأعياد مثل الحلويات المَعمولة من التمر والسمسم أو الفطائر المَخبوزة من طحين القمح أو الذرة والمُحّلات بالسُكر أو العسل، وكذلك المَشروبات التي تُحتسى أما خلال تلك المناسبات أو بشكل يومي دائم، مثل أنقعة الفواكه وأنواع الخمور باختلاف مذاقاتها وقوة تأثيرها، مثل البيرة التي كانت تُسمى بالسومرية "كَاش" وبالأكدية "كاسو" والنبيذ الذي سُميَّ بالسومرية "كَشتن" وكذلك الكحول المُقطّر، والتي كانت تُصنع أما من الشعير أو التمور أو الأعناب.

ويُعّد الأثاث المنزلي من المتطلبات الاساسية والهامة أيضاً في البيت العراقي القديم، حيث عُرفت أسماء قطعه في النصوص المسمارية من خلال العلامة الدالة على الخشب وهي "كِش" بالسومرية و"أيسو" بالأكدية، باعتباره المادة الأولية الأساسية في صناعته بالإضافة مواد أخرى مثل الأقمشة، علماً أن كلمة "خشب" قد وَرَدت بالأكدية بصيغة "قشنو"، كما سُميَّ الحِرفي صانع الأثاث بالسومرية "نَكَار" وبالأكدية "نَكَارو" اللتان هما أصل كلمة "نَجّار" العربية، وقد أوضحت الكتابات الملكية وكذلك العقود التجارية أهم أنواعه مثل الأسّرة والمناضد والكراسي والخزانات الخشبية، والتي كانت قيَّمها ونوعيتها تختلف حسب درجة صنعتها ونوعية الخشب والمواد المستعملة معه، حيث أنها تُصنع من أنواع عدة من الأخشاب، بعضها مَحلي يأتي في مقدمتها ما تجود به أشجار النخيل من جذوع وسَعَف وكرَب، وكذلك أشجار التين والصفصاف والتوت والحمضيّات والقوَغ، بالإضافة الى المادة الرخيصة المتمثلة بالقصب والبردي، ومنها المستوردة من المناطق الشمالية لوادي الرافدين أو البلاد البعيدة مثل أسيا الصغرى وعيلام وسورية ولبنان، حيث كان يُجلب منها أخشاب الصنوبر والسرو والخيزران، بالإضافة الى أخشاب الساج والزان اللذان كانا يُجلبان عبر المراكب من وادي السند.

بالنسبة لبيوت العوائل المتوسطة الحال التي يُمثّل ساكنيها السَواد الأعظم من المجتمع العراقي القديم، كان الأثاث بسيط وخالي من النقوش ويُصنع لأجل أداء الغرض منه فقط من دون الالتفات الى المَسحات الجمالية فيه، حيث عُملت الأسّرة بشكل دكاك من اللِبن تُبنى بارتفاع نصف متر تقريباً تُستخدم للنوم أو الجلوس، بعد فرشها بالحصير أو البُسط المنسوجة من غزول الصوف، أو بشكل مَرتَبة متواضعة تُصنع بهيئة كيس كبير مَنسوج من خيوط الجنفاص يتم حَشوّه بالتبن أو الحلفاء، كما كانت تُصنع أيضاً أسّرة من سعف النخيل وفق شكل جميل رغم رخص مادتها، وبأسلوب مُماثل لتلك التي تُصنع في المناطق الريفية لجنوب العراق، أما المناضد فكانت واطئة قليلة الارتفاع ذات شكل دائري أو مُربع مصنوعة من الخشب أو السعف، وأحياناً تكون مَعمولة من الفخار أو منحوتة من الحجر تُثبت فيها أرجل خشبية، تُخصص لتناول الطعام والأفراد جالسين حولها على الأرض، أما الكراسي فتُسمى بالأكدية "كوسو" وكانت مُجرد مقاعد صغيرة من دون ظهر ذات هيكل مربع الشكل مَعمول من الخشب له أربعة أرجل قليلة الارتفاع يُنسج مقعده من الجَريد أو الحبال المَبرومة والمَغزولة من الليف، كما يَضّم البيت أيضاً عدداً من الخزانات والدواليب التي تكون مصنوعة أما من الخشب أو بشكل رفوف مبنية باللِبن تستخدم لحفظ لوازم البيت التي تحتاجها الأسرة بشكل يومي دائم.

أما البيوت الثرية فقد كان الحال بالعكس من ذلك، إذ جُعل من أثاثها إضافة الى حاجة ساكنيها الضرورية، بمثابة أداة ووسيلة للتفاخر والتباهي وإظهار حالة الترف والجاه الذي يتمتعون به، حيث صُنعت من أجود أنواع الأخشاب وبمهارة فنية عالية وكانت تُنقش عليها الزخارف المتنوعة بطريقة الحَفر، كما كانت تُطعم أحياناً بالصدف أو العاج وتُزيّن ببعض المعادن مثل الفضة والنحاس مع التفنن في صناعة هياكلها، إذ كانت تُصنع من عدة أجزاء يتّم تثبيتها مع بعضها البعض بطريقة "الشَدّ" أو "التلبيس"، أو كما يُعرف بمُصطلح "الفجوة واللسان"، مع استخدام المسامير البرونزية لإحكام ثباتها إضافة الى التزيين والتجميل.

وكانت الكراسي من أهم قطع الأثاث بالنسبة لهذه الطبقة الاجتماعية، حيث تُمثّل نوعاً من السلطة والسطوة على الطبقات التي تعتقدهم أدنى منها شئناً، ومن أنوعها الكراسي ذات مسند خلفي فقط أو مع مساند جانبية ملتوية الى الخارج بشكل نصف أو ربع دائري، كما استخدمت أيضاً مقاعد قليلة الارتفاع بمساند جانبية فقط دون الخلفي منها، مع وضع مقاعد مناسبة عليها تُصنع وتُخاط من القماش السميك أو الجلود المدبوغة وتُحشى غالباً بالصوف وأحياناً بالقطن، في حين كانت هناك عدة أنواع من الأسّرة، بعضها مُخصص للنوم وتكون بظهر ومقدمة عاليين، أو أن تكون مُعَدة للتمدد والاضطجاع خلال أوقات الراحة في فناء البيت وهي عادة بظهر فقط، وكانت تُصنع للأسّرة وسائد بعدة أحجام ومَرتَبات مُريحة تمتد على مساحة السرير تتم خياطتها من القماش وتُحشى بريش الطيور أو الصوف أو القطن، ويُبيّن ذلك ازدهار حرفة التنجيد "الدوشَمة" كصنعة إضافية مُلحقة بصناعة الأثاث.

أما المناضد فقد تم تشخيص نوعين منها، الأولى صغيرة الحجم قليلة الارتفاع مُخصصة لشخص واحد، البعض منها مُصممة بشكل ذكي قابل للطي والتصغير لغرض سهولة الحمل والتخزين، والأخرى كبيرة تَسع لعدة اشخاص، وتكون بأشكال مربعة أو مستطيلة ولها أرجل عالية، يتم وضع عدة كراسي على جوانبها الأربعة لغرض تناول الطعام واحتساء الخمور بشكل جماعي، وما كان يُميّز مُعظم قطع الأثاث أن أرجلها ومَساندها وأطرافها العليا يتم نَحتها بأشكال أسطوانية أو حلزونية توحي بعناصر زخرفية نباتية أو حيوانية مُحَوَّرة، مثل أثمار الصنوبر أو جذوع النخيل أو أرجل الثيران والأسود والنسور، كما استعملت أيضاً الصناديق لخزن الأدوات الشخصية وكذلك الخزانات ذات الرفوف المُتعددة، والتي تكون بباب واحدة أو بابين لغرض خزن الملابس والمفروشات، أو مجرد رفوف من دون أبواب توضع عادة في المطابخ لحفظ أدواتها وحاجاتها.

من جانب آخر تُعّد المفروشات من المواد الهامة المُكمّلة للأثاث، فبالإضافة الى وظيفتها الاساسية المُتمثلة بالوقاية من البرد والعزل الحراري، فقد جُعل منها كذلك أداة تَمنح البيت مَسحة جمالية خاصة وتُبعده عن الصورة الرتيبة الجامدة، وقد وَرَدت بالأكدية بصيغة "أيرشو"، المُتمثلة بأنواعها المختلفة مثل السجاد والبسط والستائر وأغطية الأسّرة والوسائد، في حين سُميَّ الصوف الذي يُعدّ المادة الأساسية في حياكة المنسوجات وخاصة السجاد بالأكدية بـ"شيباتو"، كما سُميّت عملية الحياكة والنسيج بالأكدية بـ"شاتو"، وفي الغالب أن هذه الكلمة قد تطورت الى العربية بمُصطلح الحياكة المعروف والمُسمى "السُدى واللحمة"، وكانت حرفة النسيج قد ازدهرت وتَميّزت في وادي الرافدين بشكل كبير يفوق الحرف الأخرى، وذلك بسبب وفرة المادة الأولية الداخلة في صناعتها والمتمثلة بمختلف أنواع الغزول خاصة صوف الأغنام وشعر الماعز، وأيضاً لمهارة الحرفيين العراقيين الذين تَفننوا في عملهم بعد إضافتهم تلك المسحة المُميّزة لمنتوجاتهم، من ناحيتي الألوان والتصاميم الزخرفية المُنفذة فيها، مما أدى الى رواج هذه الحرفة وتطورها مع مرور الزمن ويصبح منتوجها من المواد التجارية المَرغوبة والمُفضلة لدى التبادل التجاري مع البلدان الأخرى.

وتُعدّ مفروشات بيوت العوائل البسيطة غاية في التواضع، حيث اقتصرت على الحصير المَعمول من القصب لغرض الجلوس أو النوم، وكذلك لفرش ارضيات الغرف أتقاءً لبرودتها ورطوبتها عند الشتاء وحرارتها عند الصيف، بالإضافة الى القطع المَدبوغة من جلود الخنازير والأغنام والماعز، كما فُرشت أحياناً ببعض البسط المنسوجة من الحبال الرفيعة المَبرومة من الليف، أما أغطية المنام فكانت تُصنع غالباً من النسيج الصوفي الخشن أو من فروات الأغنام المَدبوغة.

أما البيوت الثرية فقد تَميّزت مفروشاتها ومنسوجاتها المختلفة، سواء تلك المُخصصة للأسّرة والأرائك والستائر أو السجاد والبسط بالرونق العالي والتصميم الراقي الذي يصل لدرجة المبالغة، بالإضافة الى ارتفاع قيمتها بسبب نوعية غزولها وجودة صنعتها، مما جعلها قطعاً فنية تعكس الرخاء الاقتصادي لأرباب البيت أكثر من فائدتها الوظيفة، حيث تمّ زخرفتها بأشكال هندسية تَمثلت بالمَعينات والمثلثات حصراً دون الأشكال الأخرى، وفي الغالب يأتي ذلك تأثراً بالزخارف التي يُنتجها نسيج الحصير الذي تَعامل معه الأنسان العراقي لدى بنائه بيوته المُشيّدة من القصب عند بداية استيطانه القسم الجنوبي من وادي الرافدين، مانحاً إياها قدسية خاصة تتعلق بموضوع الخصب والنسل، باعتبار تلك البيوت تُمثل المعابد الاولى أو بيوت الإلهة "أينانا" التي تًجرى فيها ممارسة الزواج المقدس كما سبق القول، أما زخارف منسوجات المناطق الشمالية فقد تَميّزت بعناصر زخرفية طبيعية، تَمَثلت بالأشكال النباتية وخاصة الأوراد، مثل أزهار "البابنك" وعباد الشمس، كما زُيّنت أطراف بعض تَصاميم الستائر ومفروشات الأسّرة بحُلية مُشرشَبة تشبه طرف ذيل الثور، الذي يُعدّ رمز الخصب الأول لدى العراقيون القدماء.

كما تٌعد وسائل وأدوات الإنارة والإضاءة من لوازم البيت التي لا غِنى عنها، من أجل إدامة حياة وحركة العائلة فترة أطول لممارسة نشاطاتهم الاجتماعية فيما بينهم بعد حلول ظلمة المساء وحُلكة الليل، وكانت إنارة الحجرات والغرف وباقي المرافق الأخرى تتم بواسطة مَسارج تُصنع غالباً من الفخار وأحياناً من النحاس أو البرونز، بشكل أبريق مُفلطح بحجم صغير أو متوسط، له مَصَب طويل توضع فيه فتيلة مَعمولة من الصوف أو القطن، ثم تُملأ لغرض الإشعال بأحد الزيوت النباتية النقية التي تكون لها رائحة طيبة ولا يُنتج احتراقها دخاناً أسود، مثل زيت الزيتون والسمسم، وكانت هذه المَسارج توضع عادة على طاولات صغيرة عند أركانها أو داخل مشكاوات مَبنية في جدرانها، أو أن تُربط بخيوط سَميكة تُعّلق من خلالها في السقوف بواسطة كلاليب معدنية، في حين تكون المَسارج في بيوت الفقراء والعَبيد مُجرّد صحون أو طاسات فخارية تُملأ بشُحوم الحيوانات يُغمّس فيها فتيل إشعال مَعمول من الليف.

أما أفنية البيوت وأحياناً جوانب مداخلها الرئيسية أو سطوحها، فكانت تُنار بمشاعل مَعمولة من حزم القصب أو كرَب النخيل أو العصي الملفوفة بليف النخيل، يتم إشعال أطرافها بعد تنقيعها بالقار أو بنوع من النفط الخام الذي يخرج بشكلٍ طبيعي من الأرض مُصاحباً لمادة القار، والذي سُميَّ بالسومرية "يا أسِر" وبالأكدية "شَمن أيتي" وتعني "زيت القار"، ومن الجدير بالذكر هنا أن كلمة "أيتي" أو "أيتو" التي تعني مادة "القار" بالأكدية، هي أصل أسم مدينة "هيت" الحالية في غرب العراق والتي كانت تُجلب منها هذه المادة، حيث وَرَدت في النصوص المسمارية الأكدية بصيغة "آلو أيتي" وتعني "مدينة القار".

من جانب آخر كانت البيوت العراقية القديمة قاسية البرودة شديدة الرطوبة خلال موسم الشتاء، بسبب قربها غالباً من الجداول والقنوات المائية، بالإضافة الى غزارة الأمطار وشدة الرياح فيها رغم القابلية الكبيرة لمادتي اللِبن والطين التي تُشيّد بها على العزل الحراري، لذلك كانت تدفئتها من الأمور الأساسية والهامة للغاية عند العائلة خلال ذلك الموسم، حيث تتم تدفئة حجرات وغرف البيت بواسطة حرق قطع القصب والبردي وسَعف النخيل أو أغصان الأشجار أو روث الحيوانات داخل كوانين معمولة من الفخار، توضع عادة بقرب النوافذ من أجل خروج الدخان، أو أن تُعمل لها أشبه بالمداخن الصغيرة المعمولة من عدة أساطين فخارية متداخلة أشبه بقنوات تصريف المياه تؤدي بالدخان الى الخارج، وهذه الكوانين ذات شكل أسطواني أو مُضلّع، يتم تثقيبه من جميع جوانبه بثقوب صغيرة من أجل دخول الأوكسجين وضمان استمرارية الاشتعال.

ومن الحاجات الضرورية التي كانت تُستخدم بشكل مُستمر في البيت العراقي القديم مواد التنظيف والتغسيل، وكذلك المواد الخاصة بالتعطير والتعقيم، وفي هذا الجانب كان يُستخدم عند الاستحمام أو الاغتسال بعد قضاء الحاجة أنواعاً من النباتات الحاوية على المواد القلوية التي تُكوّن رغوة عند اقترانها بالماء فتساعد على إزالة الأوساخ، من بينها بذور نبات "العَجرَم" الذي يُعرف في المناطق الريفية بـ"الشنان"، وذلك بعد تجفيفها وخلطها مع مساحيق بعض الاعشاب العطرية، كما عُرفت مادة أشبه بالصابون تتكون خلطتها من طين البحر المعروف بـ"طين خاوة" واصماغ الاشجار والكبريت، وكذلك استخدمت لهذا الغرض بعض الأملاح القلوية الي يتم خلطها مع الرماد وبعض الشحوم الحيوانية أو الزيوت النباتية مثل "زيت الخروّع"، على أن تناسبها من ناحيتي اللزوجة والكثافة، مع إضافة بعض المُطيبات عليها كي تمنحها رائحة مقبولة، وكانت هذه المواد يتم صُنعها أما داخل البيت أو شرائها من حوانيت عطارة متخصصة في ذلك.

وإضافة الى مواد التنظيف فقد استعملت أنواعاً عديدة من المُطيبات المختلفة، بعضها رخيص الثمن مثل ماء الورد والعطور المُستخلصة من بعض النباتات العصارية، وأخرى باهظة القيمة كونها تُستورد من مناطق بعيدة مثل وادي السند وبلادي "دلمون" و"مَكَان" مثل عطور المِسك والعَنبر، وكذلك الصَندل والبخور التي لاقت رواجاً كبيراً في تعطير البيوت الثرية، بالإضافة الى لحاء شجرة الجوز المعروف بـ"الدَيرم" وأعواد المسواك اللذان يُستخدمان في تنظيف وتبييض الأسنان.

كما كانت فكرة التعقيم من الأمور الهامة أيضاً التي مارستها العائلة في بيتها لغرض درء الأمراض وأبعاد مُسبباتها، وكان أهمها مسألة تعقيم مياه الشرب التي كانت تُجلب بالقِرَب الجلدية من الأنهار والجداول مَحمولة على ظهور الحمير، ثم تُخزّن بعد عزلها عن مياه التنظيف والاغتسال في حِباب أو جرار كبيرة في الأفنية أو الأقبية، عندها كانت تُضاف إليها لغرض التنقية والتصفية وجعلها صالحة للشرب مادة "الشَبّ" بنسبة معينة حسب كمية المياه، من أجل إزالة عسرها وعكرها ورائحتها الكريهة، وترسيب الأطيان والعوالق والشوائب والملوثات الطبيعية الظاهرة الأخرى، أما لغرض تعقيم البيوت فقد كان يُنثر مسحوق الكبريت الأصفر في جوانب وزوايا الأفنية وبيوت الراحة والحمامات وكذلك في البالوعات وأنابيب تصريف المياه، من أجل طرد القوارض والضفادع والحشرات والعقارب بسبب رائحته القوية النفاثة، علماً أن هذه المادة كانت تُجلب من المناطق الغربية لوادي الرافدين، بعد أن تم اكتشافها ومعرفة خصائصها منذ فترة مبكرة، وقد وَرَدت باللغة الأكدية بصيغة "كوبريتو".

من جانبٍ آخر ولكثرة وتعدد الأعمال التي تُناط بأفراد العائلة وكان بعضها شاق للغاية، فقد أقتضى تربية بعض حيوانات الخدمة، كي تساعدها في مَهام حياتها اليومية، مثل الحَمير التي استخدمت في جلب المياه من الأنهار وتحميل ونقل الحطب وباقي احتياجات العائلة، وكذلك الثيران التي ورد أسمها بالسومرية بشكل "كَو" وقد كانت تُستخدم بشكل أساسي في حراثة الأرض والتزاوج مع الأبقار، بالإضافة الى الكلاب التي كان وجودها بالغ الأهمية لغرض الحراسة من اللصوص وأبعاد الذئاب والثعالب عن حضائر الحيوانات، ولحاجة العائلة الى بعض المواد والأغذية الحيوانية الطازجة كان من الأساسيات أيضاَ تربية الحيوانات الدارة للحليب والتي يُستفاد أيضاً من لحومها وأصوافها وجلودها، مثل الأبقار التي سُميَت بالسومرية "آب" والجاموس والغنم والماعز، وبعض الحيوانات السهلة ورخيصة التدجين مثل الأرانب والخنازير التي وَرَد أسمها بالأكدية بصيغة "شَخّو"، وكذلك الطيور الداجة من أجل لحومها وبيضها وحتى ريشها، مثل البَط والبَش والإوز والدجاج الذي دخل وادي الرافدين في وقت متأخر.

أما حياة العوائل العراقية القديمة داخل بيوتها فكانت متشابهة الطِباع والسلوك بشكل عام، على الرغم من الاختلافات الطبقية والتباينات لاجتماعية التي تُميّز الواحدة عن الأخرى، وكان هناك نوعاً من الحميمية والعاطفة القوية بين أفرادها متأتية أساساً من الخلفية القبلية الزراعية الموروثة، حيث كانوا يجتمعون عند المساء في أحدى الحجرات حول كوانين النار خلال أيام الشتاء أو في فناء البيت عند فصل الصيف، لتناول الطعام وتبادل الأحاديث العامة، وقصّ الحكايات وتعليم الأبناء الحِكم والأمثال لغرض أخذ العِبرة منها، وكذلك ممارسة بعض الألعاب المعروفة لدى عموم الناس مثل "النَرد السومري" المَعروف لدى الباحثين باسم "لعبة أور الملكية"، والتي قد تحدث مُشاجرات فيما بينهم بسببها، وتتم أيضاً ملاعبة الأطفال بدمى متنوعة ذات أشكال حيوانات أو طيور معمولة من الفخار.

كما كانت أيام الأعياد الدينية السنوية والزراعية الموسمية لدى افراد العائلة ذات نكهة خاصة مُميزة مَشوبة بطابع الفرح والغِبطة، حيث كانوا يرتدون جميل ثيابهم وحلتهم ويُمارسون نشاطات عديدة داخل البيت، تتمثل بأداء الطقوس والشعائر الدينية وحرق البخور، إضافة الى تناول أطعمة خاصة بالمناسبة تكون لها قدسية ورَمزية مُعيّنة، أو عزف الموسيقى على القيثارات والمزامير مع ترديد التراتيل الدينية والأغاني المُفرحة، وكذلك احتساء أنقعة الفواكه أو الخمور مثل البيرة والنبيذ، واحياناُ تُمارس بين شباب العائلة بعض النشاطات الرياضية داخل الفناء مثل رياضة المصارعة بتحكيم صارم من ربّ العائلة.

ومن العادات الطريفة والشائعة التي كانت تُمارسها العائلة العراقية القديمة في بيتها وكانت حتى وقت قريب موجودة في مختلف مدن العراق، النوم على سطوح المنازل أيام الصيف، في حين يُخصص فناء البيت خلال هذا الفصل لمنام الخدم والعبيد، وقد وَرَدت بعض الإشارات الضمنية في عدد من النصوص المسمارية التي تعود الى الألف الثاني قبل الميلاد تذكر فيها أن إحدى عقوبات الآباء لأبنائهم لسوء سلوكهم، هو حرمانهم من النوم على سطح البيت وجعلهم ينامون مُكرهين في قبّوه حيث الحر الخانق هناك.



المصادر:

_ إلياس بيطار ... النباتات السومرية والآشورية_البابلية ... بيروت 2011
_ طه باقر ... من تراثنا اللغوي القديم ... بغداد 1981
_ فاضل عبد الواحد علي ، عامر سليمان ... عادات وتقاليد الشعوب القديمة ... الموصل 1979
_ فاروق ناصر الراوي ... الأوضاع الاجتماعية ... موسوعة الموصل الحضارية/ الجزء الأول ... الموصل 1991
_ وليد الجادر ... الحرف والصناعات اليدوية في العصر الآشوري المتأخر ... بغداد 1972
_ وليد الجادر ... الأزياء والأثاث ... حضارة العراق/ الجزء الرابع ... بغداد 1985

_ D. Potts … Mesopotamian Civilization, The Material Foundations … LONDON 1997
_ G. Contenau … Everyday Life in Babylon and Assyria … LONDON 1966
_ H. Crawford … Sumer and the Sumerians … NEW YORK 1991
_ H. Saggs … The Might That Was Assyria … LONDON 1984
_ H. Saggs … The Greatnes That Was Babylon … LONDON 1966
_ S. Bertman … Handbook to Life in Ancient Mesopotamia … NEW YORK 2003
_ S. A. Kubba … Mesopotamian Furnitur … oxford 2006
 

* باحث آثاري

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter